ما زالت الأجيال التي شهدت بدايات البث التلفزيوني تتذكر الصورة بالأبيض والأسود على الشاشة، وكان البث حينها يبدأ في الصباح وينتهي عند منتصف الليل بخريطة برامجية بسيطة إن لم تكن متواضعة.

وفي كتابه «تلفزيون الكويت من دبي» يستعرض الدكتور عارف الشيخ أهم المحطات التي مر بها تلفزيون دبي منذ بداية تأسيسه من قبل مكتب الكويت، معتمداً على ذاكرته الشخصية ومجموعة من المرويات لشخصيات عملت في التلفزيون وعاصرت مرحلة الإنشاء.

ويستهل الشيخ كتابه «تلفزيون الكويت من دبي» بإطلالة على العمل الإذاعي وبوادره في دبي، ويستعرض تجربة صقر ماجد المري ويرويها كالتالي: «هنا الشندغة» أو «هنا إذاعة دبي من الشندغة» محاولة ابتكارية كانت للعميد المتقاعد في شرطة دبي صقر المري وكانت محاولة مبكرة يقول عنها المري بنفسه «درست الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدارس الشعب والأحمدية وثانوية دبي، ثم سافرت إلى الكويت لأداء امتحان الثانوية.

إلا أن الحظ لم يسعفني وسافرت إلى الهند للعلاج، وهناك قدمت امتحاناً بالإنجليزية لتحديد المستوى حتى التحق بمعهد اللاسلكي والإلكترونيات أو هندسة الراديو، فقبلت ودرست ونجحت وكنت قبل سفري للهند أحب الإلكترونيات، وكنت آخذ الأجهزة القديمة وأجري عليها التجارب.

إذاعة دبي من الشندغة

وقد أجريت محاولة في عام 1958 وابتكرت إذاعة بدائية مكونة من قطع غيار لا تتعدى بعض الأسلاك وعلب الكبريت وبطاريات قديمة وصمامات راديو. تلك بالمحاولة كانت ترسل بدلاً من أن تستقبل، واستطعت أن أبث مدة ساعة في اليوم، وكان البث محلياً.

وكان يصل إلى مسافات أطول في البحر، ما جعل الإنجليز الموجودين في المنطقة يعتقدون أنني أعمل ضمن منظمة مناهضة، فأوضحت لهم بأن هذا محاولة شخصية مني ولا أهدف من ورائها إلى أي نشاط سياسي، بعدها طوّرت جهازي وأضفت له «آريل».

وكثيراً ما كان الميكرفون يتعرض للهوى الجاف ويتشقق، لكنني بقيت فترة على محاولتي، واتخذت من المكتبة العامة بمنطقة الراس مقراً لإذاعتي، وقبل ذلك كنت في الشندغة أجري تجاربي على مرأى ومسمع من الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وكان يتابع عملي بشغف ويحب ابتكاري ويشجعني، وذات يوم كان يمر وقت العصر، وكانت إذاعتي تبث فقلت بصوت عال وواضح..

هنا إذاعة دبي من الشندغة فوقف الشيخ راشد معجبا بما أقوم به وقال بفرح شديد «هذه إذاعة»، لم يكن عملي كبيراً حتى أحتاج لطاقم مساعد، فقط كان يعاونني عبدالرحمن الرستماني، وإبراهيم مراد، وكنا نبث الأخبار والقرآن الكريم والحديث النبوي بالتعاون مع مشايخ الدين من الأزهر وغيرهم، أما الأغاني فقد كانت عبارة عن اسطوانات يرسلها الأهالي ويقولون نريد سماعها، وأبثها لهم من خلال الإذاعة ثم أعيدها لهم.

وأكد لي صقر المري ـ الكلام هنا للدكتور عارف الشيخ ـ بأنه عمل فيما بعد في تلفزيون الكويت من دبي أيام محمد المهنا وجاسم الشهاب بوظيفة فني فيديو، وكان معه شقيقه سهيل الذي كان يعمل فني إضاءة، وظل صقر يهوى الالكترونيات حتى بعد أن ترك التلفزيون وانضم إلى شرطة دبي التي بقي فيها حتى تقاعد عام 2005 وهو برتبة عميد.

كما أكد لي أيضاً بأن محاولاته تلك التي أجراها في الشندغة قبل سفره إلى الهند كانت قبل إنشاء إذاعة صوت الساحل، في منطقة المرقاب بالشارقة، أما إذاعة دبي فقد انطلقت عام 1970 في التوقيت نفسه التي أغلقت فيه إذاعة صوت الساحل والتي كان يعمل فيها يحيى كوسا وأحمد المنصوري وثائر وأحمد المدني وحصة العسيلي ورياض الشعيبي، وعهود إسماعيل وغيرهم.

وعندما افتتحت إذاعة دبي انتقل هؤلاء إليها باستثناء حصة العسيلي التي اعتذرت، وتولى رياض الشعيبي منصب أول مدير لإذاعة دبي التي كانت تقدم برامجها بصورة متكاملة، وصار سليم عرفات وثائر حلاوة يعملان معه بالإضافة إلى محمد خوري الذي كان يعمل بوظيفة مساعد المذيع.

تلفزيون الكويت من دبي

وبث تلفزيون الكويت من دبي برامجه، يقول عارف الشيخ في عام 1969 واستمر في الإرسال حتى شهر ديسمبر 1972، وعندئذ كان مكتب دولة الكويت قد سلم المدارس والمستشفيات والتلفاز وعندما بدأت في تقصي الأحداث من بداياتها.

صرت أبحث عمن عنده بداية الخيط، ووجدته عند عودة فرج الله أحد العاملين في تلفزيون الكويت من دبي الذي قال إن هذه القناة بدأت الإرسال مساء اليوم التاسع من الشهر التاسع من عام 1969 بقوة متواضعة جداً.

حيث كانت تغطي دبي والشارقة وعجمان فقط، وتم افتتاحها بحضور الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وكان يشغل منصب وزير الخارجية آنذاك، وفي عام 1970 تم افتتاح تلفزيون دبي الملون الذي بث برامجه في 21 /2 /1971 تحت اسم تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي.

وكما يقول عودة فرج الله فإن تلفزيون الكويت من دبي بدأ البث بإدارة محمد المهنا وعمل معه المذيع جاسم الشهاب والمذيع محمد راشد الملا والمذيع صالح الشايجي، والمذيع ماجد الشطي والمذيع حسين ملا علي وغيرهم.

ويقول المذيع صالح الشايجي إنه كان الثالث في ترتيب المذيعين الكويتيين في تلفزيون الكويت من دبي، وكان جاسم الشهاب من أوائل المذيعين في دبي.

كما أن عملية المناوبة كانت تتم بينهم. صالح الشايجي ومحمد راشد الملا وماجد الشطي وجاسم الغريب ويوسف حسين وآخرون»، وكان الواحد منهم يبقى خمسة عشر يوماً أو شهراً ثم يعود إلى الكويت ليأتي غيره.

ويتذكر الشايجي من الإماراتيين الذين عملوا في تلفزيون الكويت من دبي أمثال المخرج عبدالله درويش وأحمد قاسم العلي وسعيد الغيث وحصة العسيلي وليلى الصائغ وجميعهم مذيعون، كما يذكر أيضاً أنه عاصر فترة إدارة محمد المهنا وإدارة جاسم الشهاب، لكنه لم يكن في عهد حمد المؤمن رحمه الله وهو المدير الثالث والأخير لتلفزيون الكويت من دبي.

ومما ذكره عودة فرج الله أيضاً أن البرامج في عهد المهنا كانت تأتي من الكويت باستثناء الأخبار التي كانت تعد محلياً، أما البرامج المحلية فقد تطورت في عصر جاسم الشهاب، ومن البرامج المحلية كان هناك برنامج «ماما مديحة» الذي كانت تقدمه مديحة نصار المدرسة في وزارة التربية والتعليم، وبرنامج التثقيف الصحي الذي كان يقدمه الدكتور نجيب الكيلاني، والبرنامج الديني الذي كان يقدمه محمد عمر الداعوق، وبرنامج ثقافي كان يقدمه نجيب الكيلاني، وبرنامج أوائل الطلبة وبرنامج أقوال الصحف من إعداد عودة فرج الله، وبرنامج أسبوعي أو ندوة وكان جاسم الشهاب يقدمه بنفسه.

زايد يزور التلفزيون

ومما ذكره عودة فرج الله أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله زار التلفزيون عندما كان حاكماً لإمارة أبوظبي واطلع على كل شيء بنفسه.

وجلس مع الموظفين ساعات عدة وكان يرافقه حسب قوله الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان والشيخ أحمد بن حامد، لكن يبدو من كلامه ـ الحديث هنا للدكتور عارف الشيخ ـ أن الشيخ زايد زار تلفزيون الكويت من دبي في مقره بمنطقة القصيص، بعيد الاتحاد.

وذكر هذا أكثر من شخص لكنهم لم يستطيعوا إثبات تاريخ الزيارة، فمنهم من يبرهن أن الزيارة كانت قبل الاتحاد استناداً إلى صورة للشيخ زايد وهو يتحدث لحمد المؤمن مدير تلفزيون الكويت من دبي ومعهم في الصورة حبيب الرضا وهو الذي تسلم منصب مدير التلفزيون سنوات بعد قيام الاتحاد.

ومما ذكره عودة فرج الله أن محمد المهنا أرسل مجموعة من المواطنين العاملين في التلفزيون للكويت للتدريب وهم المخرج عبدالله درويش والمخرج سلطان السويدي الذي عمل فيما بعد في دائرة التشريفات في ديوان حاكم الشارقة.

ومما يسجل لجاسم الشهاب إسهامه في عملية التوطين حيث تم استقطاب ثلاث مذيعات مواطنات وهن موزة خميس وفاطمة حسن بلهول وموزة التميمي، إضافة للمذيعة حصة العسيلي التي انتقلت من إذاعة صوت الساحل إلى تلفزيون الكويت من دبي.

وتقول موزة خميس بأنها عندما التحقت بالتلفاز كان عمرها 18 سنة واشتغلت مذيعة ربط، ثم قدمت بعد ذلك موجز الأنباء، وكانت فيما بعد تقدم برنامج «ألوان» الذي كان بعده عودة فرج الله، كما قدمت برنامج «جنة الأطفال»، واستمرت مع تلفزيون الأبيض والأسود من دبي إلى أن دخل التلفزيون الملون في دبي وأبوظبي وعندئذ قررت وزارة الإعلام توزيع الموظفين والموظفات على دبي وأبوظبي.

إلى هنا نقف مع مرويات عودة فرج الله، وصالح الشايجي وأحاديثهم عن معاصرتهم وعملهم في تلفزيون الكويت من دبي، وتبقى بين طيات صفحات كتاب الدكتور عارف الشيخ شهادات ومرويات لشخصيات أخرى نوردها في حلقة لاحقة.

عز الدين الأسواني