منذ نعومة أظفاره اعتاد الكاتب والإعلامي ناصر الظاهري أن يتجول بسلاسة المبدع بين حروف الكلمات التي علمته الغوص في تفاصيل الأشياء بسهولة ممتنعة، إبداعه في الكتابة أخذه بعيداً في رحلات عديدة تنقل فيها بين مدن العالم حاملاً معه قلمه وعدسته وطاقته الإبداعية المتجددة التي قادته إلى استلام مراكز مرموقة في المجتمع الذي نشأ بين ظهرانيه.
ولطالما اعتبر الظاهري نفسه أنه «ظل الإنسان الآخر دائماً»، وهي القاعدة التي أسس عليها تجربته القصصية التي مشى فيها على ضفاف الشعر، وتجول من خلالها بين الكلمات وتفاصيل الأشياء، فهو يتذوق المكان قبل البدء الكتابة، خاصة وأنه يلامس في كتابته جدران الشعر التي تعتبر أفضل كتابة لديه، وقصصه هي الخزانة الفكرية التي يحملها ويعيشها خلال رحلاته المتعددة بين الماضي والحاضر. وما إن تبدأ الحديث معه، أو أن تفتح خزانة ذكرياته حتى تستشف عشقه للسفر، واطلاعه الدائم على آداب الآخرين، خاصة أنه لا يحمل في حقيبة سفره إلا قلما وعدسة، وما لا يستطيع القبض عليه بالقلم، يقبض عليه بالعدسة التي مكنته من خلق مشهد حي، يعبر عن مكنوناته الداخلية بطريقة أو بأخرى.
أسرار المدن... زار الظاهري خلال حياته أكثر من خمسين مدينة، لكل واحدة منها شمسها وبحرها ورمالها وألوانها، وتمكن بحسه الأدبي والصحافي أن يستكشف أسرارها وخباياها، واستطاع أن يوثق رحلاته هذه عبر سلسلة من المقالات الشهرية تحت عنوان «تذكرة سفر»، التي شعرنا من خلالها انه قد يتوافق مع مقوله الكاتبة «غادة السمان» بأن «الجسد حقيبة سفر». وحول ذلك يقول: «بغض النظر عن مقولة غادة السمان، ولكني أعتقد بأن السفر شيء أساسي ومهم في تكوين الشخصية، وطريقة جميلة للتزود في المعارف، وكسر حاجز الرهبة مع الآخر، بحيث يظهر التسامح معه، وبتقديري أن السفر يزيد أو يضيف على سنوات العمر بحيث يشعرك بأنه ممتد، وهذا يكون نتيجة المعرفة والتعلم، وبالتالي نمو الشخصية بطريقة صحيحة، وبالنسبة لي فأنا أحب السفر كثيراً، وقد زرت معظم مدن العالم وأتمنى ألا أنقطع عن السفر».
وكما أسلفت آنفاً، أن الظاهري عادة ما يسافر وفي حقيبته قلم وعدسة، وما لا يستطيع أن يقبض عليه بالقلم، يقبض عليه بالعدسة، فهل يمكن للعدسة أن تخون صاحبها وأن تعجز عن تقديم الصورة التي ينشدها، وهل يمكن للقلم أيضاً أن يخون صاحبه؟ بعفوية تامة أجاب الظاهري: ما أقصده بالعدسة، هي عدسة الفنان الذي يستطيع أن يلتقط الأشياء الجميلة بعينه المجردة، وعموماً يمكن لأي عدسة أن تجمد لك الحدث في إطار، ولكن الفرق يكمن في أن عدسة الفنان تستطيع أن تخلق مشهداً حياً، يحتوي على حوار يمكن من خلاله مجادلة الصورة ومحاكاة الواقع. ويضيف: أما بالنسبة للقلم فيمكن له أن يخون، ولكن هذا يعتمد على الكاتب نفسه، وأعتقد أنه وفي بعض الأحيان لا يستطيع هذا القلم أن يعبر بصدق عن المشاعر الداخلية، خاصة عندما تكون متدفقة وكثيرة، ففي بعض الأحيان لا يمكن أن تمسكها بالحبر وأن تضعها على ورق أبيض.
مدن محرضة
والسفر بالنسبة للظاهري لا يرتبط بالسياحة فقط، وإنما محفز أو محرض للإبداع، فهناك الكثير من المدن التي ساعدت أو فتحت شهيته للكتابة الأدبية، وتمكنت بحضارتها وجمالها الطبيعي أن تحرك قلمه وقلبه معاً، بالمقابل تجده عاجزاً عن الاسترسال في الكتابة.
ويتوقف نبض قلمه عند حدود بعض المدن، وكنا قد سألناه عن ذلك، فأجاب: بالنسبة لي أشعر بأن المدن التاريخية تحرّض أكثر من غيرها على الكتابة والإبداع، وأقصد بالتاريخ هنا العراقة وكثرة الأحداث التي وقعت فيها، فمثلاً لا يمكن أن تمر بدمشق أو بيروت التي تتميز بزخرفتها وتنوعها وتشكلها وما فيها من فسيفساء ثقافية وسياسية جميلة.
ولا تكتب شيئاً، أو القاهرة المعروفة بضجيجها وعفوية ناسها وطيبة أهلها، وازدحامها وتنوع الثقافات التي دخلتها وخرجت منها، وهذا يجعلها مدينة محرضة للكتابة، ولذلك اعتبرها مسرحاً كبيراً ومفتوحاً في الهواء الطلق، وحتى في أوروبا فمثلاً باريس تعتبر مدينة محركة للداخل بكل ما فيها من أشياء جميلة.
وإذا كانت المدن التاريخية والمفتوحة على البحر والخضرة تحرك شهية الظاهري للكتابة، إذن، فأين يعجز عن الكتابة؟، يقول: عادة ما ينتابني هذا الشعور في المدن الأسمنتية أو التي أشعر بأنها أسمنتية، تلك التي تصحو وتنام مبكراً، وأتصور بأنني لن أكتب شيئاً لو ذهبت إلى بروكسل، أو كوبنهاغن، فأنا أحب فضاءات المدن المفتوحة على الماء والخضرة أو تلك التي يحتضنها جبل، أما المدن الأسمنتية فلا أجد نفسي فيها.
رحلة بين الكلمات
وكما احترف التجوال بين المدن واعتاد عليه، فقد أبدع في السفر والانتقال بين الكلمات والجمل الجميلة، ولذلك فهو يعتبر نفسه «قاصاً في شاعر»، وإذا سألته عن «ناصر الشاعر» سيقول لك: بأنه «موجود في العبارة اليومية»، حيث يعتقد أنه ليس من الضروري أن تكون اللغة الجميلة شعراً، وأن الشعر ليس بالضرورة أن يكون منظوماً، لأن الشعر يكون باختيار الكلمة الجميلة في موقع تشعر بأنه سيعطي أو سيعبر أكثر.
ولذلك في بعض الأحيان تذهب لاستخدام كلمات معينة ترى أنها تمنح القارئ أو المتلقي الدفء والحنان. ويواصل: الكلمة الجميلة موجودة لدي في القصة، وحتى في الرواية التي كتبتها بلغة مهووسة بالشعر، وحتى هذه اللغة قد تجدها في المقال خاصة إذا كان يناقش قضية عامة، فالقارئ دائما بحاجة إلى الكلمة الجميلة التي تدفعه إلى الأمام، وتشعره بدفء الحياة.
وبالحديث عن الكتابة الأدبية، تمر على الظاهري لحظات يشعر فيها أنه عاجز عن الكتابة والتعبير، ولا يساوره هذا الشعور فقط أثناء زيارته للمدن الاسمنتية، وإنما يكون أيضا حينما يصطدم بعقل منغلق أو شخص إلغائي، أو حين يصطدم بجثة دون رأس، حينها يكون التعامل العقلاني مع الآخر غير مجد، وبالتالي يفرض استخدام العضلات.
وهو ما يشعره بالخوار وعدم جدوى الأشياء والكتابة، ولكن يبقى الأمر لديه لحظيا أو وقتيا إن صح التعبير، وسرعان ما يعود إلى ذاته ليواصل الكتابة، لأن الكتابة لديه تحرض على الحياة وعلى كل شيء جديد، وتجعل أيامه ملونة، ولأن الكتابة لديه ليست مجرد رصف كلمات ووضعها في قالب جميل، إنما يمسك من خلالها على الأشياء القديمة التي يتمنى ألا تضيع في زحمة التطور.
وفي وجه المجتمع وتسارعه نحو التمدن، كما هو الحال مع العادات والتقاليد التي تدل على براءة وطهر الناس والمتعاملين بها، إلا انه يرى بالمقابل أن كلمة شكر بسيطة تكفيه لمواصلة الكتابة حتى ولو جاءت بصيغة خجولة.
ومن جهة أخرى، يحاول الظاهري أثناء رحلته وتجواله بين الكلمات استشراف المستقبل خاصة إذا كان هناك ما يهدد المجتمع، فهو لا يتخوف من الجديد أو حتى الغريب، ما دامت لديه الحجة والمنطق، وما دامت جذوره مرتبطة بالمكان وقلوب الناس، ويعتقد أن لكل إنسان دوره في الحياة، وعلى الجميع أن يجتهدوا في التعرف على الأدوات الجديدة التي قد تدخل على المجتمع في أي وقت.
حدود الثقافات الأخرى
لم يتوقف الظاهري في رحلته الأدبية عند حدود الكتابة الأدبية، إنما تجاوزتها نحو الاطلاع على آداب الآخرين وثقافاتهم، حيث درس الأدب الفرنسي واطلع على الأدب الروسي وقرأ أدب أميركا اللاتينية، الأمر الذي كان بمثابة نقلة نوعية مهمة في كتابته القصصية.
وبما أن المشرق العربي ما زال يهيم حباً في رائعة «ماركيز»، «مئة عام من العزلة»، وكذلك «الحب في زمن الكوليرا»، فكيف يرى الظاهري تأثرنا بأدب أميركا اللاتينية، وكيف يرى الحب في زمن العولمة والانترنت؟
حول ذلك، يجيب: بالنسبة لي أرى أن رواية «الحب في زمن الكوليرا» أفضل بكثير من «مئة عام من العزلة»، بالمقابل أشعر في أحيان كثيرة بأن أدب أميركا اللاتينية قريب جداً من واقعنا وحالنا وحتى عواطفنا، وأن هناك أشياء مشتركة بيننا ربما تكون قد وصلت عن طريق إسبانيا، أو نتيجة الهجرة المبكرة لأميركا اللاتينية.
وكثير من الأحيان أكتشف أثناء مطالعتي لإحدى روايات أميركا اللاتينية أن بعض مفردات اللغة، والعادات الاجتماعية موجودة في مدينة العين فقط، ولذلك أعتقد أن أدب أميركا اللاتينية استفاد من كل العالم، لأنه أدب جميل وجديد.
وفيه من الواقعية السحرية الكثير، وأود القول هنا إنه من الأشياء الجميلة التي تحسب لجائزة «نوبل» انها ظلت تختار شعراء وكّتابا من أميركا اللاتينية بعد تجاهل طويل، الأمر الذي ساهم في تعريف العالم على أدب أميركا اللاتينية على الرغم من عدم سهولة وعدم انتشار اللغة الإسبانية.
أما بالنسبة للحب، فالمشاعر الإنسانية الجميلة لن تتغير إلا إذا تغير الإنسان، بمعنى انه إذا أصبح يتعامل أو يتحكم بكل أموره عبر التكنولوجيا ربما يحدث تغيير في عواطفه الداخلية، ولكن ما دامت الدمعة في محجر العين، ومادام القلب ينبض، ومادامت المزاجية موجودة في الإنسان وتؤثر فيه، أعتقد أن الحب يبقى أعلى من شاشة كمبيوتر ملونة أو صورة رقمية.
واستكمالا لجولته الأدبية، كنا قد سألناه عن أحوال القصة الخليجية وكتابها وعن موقعهم على خارطة القصة العربية، علماً بأنه سبق له المشاركة في إصدار كتابّي: «أصواتهم» و«أصواتهن» واللذان يوثقان قصاصي وقصاصات الخليج، في هذا الإطار، قال الظاهري: كّتاب القصة في الخليج جيدون، وتمكنوا من الاستفادة من عديد التجارب العربية والعالمية.
واستطاعوا أن يضعوا بصمة جميلة على خارطة القصة العربية، ولكن الإشكالية هنا تكمن في الفترة الزمنية، حيث تجد سنوات من التدفق والعطاء، بينما يكون هناك سنوات انحسار أو تغيب عن الساحة، ويمكن أن يكون مرد ذلك مشاغل الحياة والتسارع في التطور، والركض وراء لقمةـ العيش والاستهلاك، وكذلك التحول الفكري لبعضهم.
وأعتقد أن هذا الأمر ساهم في إنهاك الجيل الأول من قصاصي الإمارات تحديداً وأدى إلى انحسار أعدادهم، وربما نحن الآن في السنوات العجاف. ويواصل: بالنسبة للمؤسسات سواء الحكومية أو الشعبية موجودة، ولديها نشاطات ثقافية كثيرة رغم تقطعها، ما زالت تولي هذا الجانب بعض الاهتمام، ولكن اعتقد أنه يجب عليها أن تكثف من هذا الاهتمام حتى يكون هناك تدفق أدبي وتفاعل متجدد مع المواهب الأدبية.
طقوس الكتابة
وكما في السفر طقوس وتحضيرات فان للكتابة الإبداعية طقوسها وتحضيراتها، وإذا كانت طقوس التجوال في المكان بالنسبة للظاهري لا تكون إلا بقلم وعدسة، فما هي طقوس سفره بين الكلمات، التي تساعده على الذهاب عميقا في تفاصيل الأشياء؟
يقول الظاهري: عادة أحب الكتابة في الليل، وليست لدي طقوس معينة، فطقوسي في الكتابة حاضرة، وأستطيع الكتابة في أي مكان وعلى كل شيء حتى وإن كانت «محرمة ناعمة»، لا أحب الأوراق المسطّرة وقلم الحبر الأسود، وأميل إلى اللون الأزرق، لا أحب الورق الأبيض اللامع.
ولا أهتم كثيرا بالضجيج الموجود حولي، وأستطيع الهروب منه والانفراد بنفسي، أعشق الكتابة عندما أكون متوتراً ومضغوطاً في عملي، وأرى أن هذا يساهم في إخراج الكلمة الجميلة من جوفي.
وفي الحديث عن إذا كانت الطفولة شرطا أساسيا للكتابة، يشير الظاهري إلى أن الطفولة هي المادة الأولى للكتابة الإبداعية، لأن الذاكرة تكون طرية وتستطيع التقاط وتخزين الأشياء بسهولة، وبالطبع تبقى مثل هذه الأشياء موجودة في خزانة الكاتب.
ويستطرد: ولأن كل شيء مركب على الطفولة ومجرياتها وأحداثها، تظل عين الصبي الأول هي الأكثر حدة، وأحيانا يكون الرجوع إلى الوراء جزءا جميلا، وبالتأكيد أن التفتيش في أوراق الطفولة يقود إلى أشياء جميلة، لأن الطفولة تبقى هي المادة الخام لأي كاتب، بالمقابل لا أرى أن تخلي الكاتب عن طفولته يعني أنه لم يعد كاتباً، لأن الطفولة ليست مرتبطة بعمر معين.
بل هي مراحل متعددة، وهي تمثل الماضي بشكل عام. ولم تكن نهاية حديثنا مع الظاهري حول صولاته وجولاته الأدبية والمكانية عادية، إنما وصلنا معه إلى أقصى درجات التعبير والصراحة، عندما سألناه عن ماهية الشخوص الذين يقدم لهم اعتذاره.
فقال: هو اعتذار إنساني أكثر من شخصي، أقدمه للمرأة والأم فقط، فالأم سبب أساسي في الحياة، وأحيانا لا نعطيها حقها، وكذلك المرأة نقسو عليها في أشياء كثيرة وبرغم ذلك تتحمل وتصبر وتمدنا بماء الحياة.
غسان خروب



