تتبع المسارات التي يخطها الإنسان لنفسه حين ينخرط في غمار الحياة العملية مازجا بين أحلامه وطموحاته، وبين الهاجس الفني والتعبيري، يضع بين أيدينا المنعطفات الأساسية والخلاصات التي نخرج منها بعد أن نتأمل تفاصيل الحياة بنجاحاتها وإخفاقاتها.. بالأحلام التي تحققت والأحلام المؤجلة التي تبحث عن برهة من الزمن كي يضع الإنسان دونها خبرته وإصراره..

وسلمى المري إحدى التربويات التي قضت ما يقارب ربع قرن في مسيرتها الحافلة بالاجتهاد والمتابعة التقيناها عبر «مرايا البيان» للوقوف على المرايا التي تعكس مراحل مختلفة من حياتها.. وعن طفولتها والبيئة الاجتماعية والأسرية التي تحيطها نشأت في كنفها تقول: ولدت بمدينة رأس الخيمة، لأتوسط 9 من الأشقاء والشقيقات، اهتم والدانا بتربيتنا على قاعدة من القيم والفضائل، ووضعا نصب أعيننا احترام الذات وتقديرها، والحرص على إكمال دراستنا حسب رغبتنا وتوجهاتنا، وأدرك والدي بحكمته وبساطته الفطرية التي فطر بها أبناء بلدنا، إن وطننا بحاجة إلى جميع التخصصات العملية والمهنية. فلم يفرق بين ابن وابنة في حق التعليم وطرح الثقة فينا بابتعاثتا خارج الدولة، وعند انتهائي من الثانوية العامة السنة الدراسية 1980/ 1981 كانت جامعة الإمارات قد فتحت أبوابها فالتحقت بكلية الحقوق لمدة شهرين، ولعلم والدي بان رغبتي الأولى هي دراسة الفنون الجميلة، أعد أوراقي وسافر إلى القاهرة ليقدم لي شخصيا للالتحاق بكلية الفنون الجميلة. ذلك إنني تأخرت بتقديم أوراقي للبعثات الدراسية بحدود 4 شهور. ومما جعله يحسم أمره وقراره وجود أختي هناك للدراسة.

بعدها عاد ليفاجئني هو والدتي بزيارتي إلى سكن جامعة الإمارات لحزم حاجياتي والسفر إلى القاهرة بعد 3 أيام لتقديم اختبار القدرات، وبعد نجاحي في القدرات الفنية، واصلت أول عام دراسي على نفقة والدي الخاصة وبعد مرور عام حولت على البعثة الدراسية. وتضيف المري: استمرت دراستي هناك 5 سنوات قضيت منها أول عام (إعدادي) في دراسة جميع فروع الفنون الجميلة، ثم عامين ونصف في دراسة الرسم والتصوير، وسنة ونصف في التصوير الجداري، حصل مشروع تخرجي على تقدير الجيد جدا وكان عبارة عن جدارية لمترو الأنفاق، تناولت فيه الفن الإسلامي بشكل تجريدي وقد تتلمذت على يد الأستاذ الدكتور حامد ندا والدكتور احمد نبيل. وعن علاقتها مع البيئة الجديدة وانتقالها إلى عالم مختلف وسنوات الدراسة التي أمضتها في رحاب مصر، تقول: كانت علاقتي مع زملائي لها أبعاد جميلة، لم أهاب الغربة ولا الاختلاط، جمعتنا البيئة المصرية بجو من الألفة كما هي حالها دائما، فحي الحسين وبيت السحيمي، والفخارين بمصر القديمة، وحي الزمالك - مقر الكلية - والمتحف المصري، وغيره من القصور التي أحيلت إلى متاحف، وجنينة الأسماك، وحديقة الحيوان أعطت لرؤيتي بعدا جماليا.

يضاف إلى بيئتي الصحراوية بكامل تجلياتها وتعدد ترباتها وبحرها وساحلها، ونخيلها، وحصونها، وبراجيلها، وزخرفة جصيات أسطح وأبواب ونوافذ منازلها. وقد زودتني الحياة في سكن طالبات الإمارات بالكثير من المعاني الجميلة وزخرفة حياتي بطريقة أتلمس دفئها حتى الآن. وكنت مدللة شقيقتي على الرغم من الفاصل البسيط في العمر إلا أنها كانت تمارس دور الأم والأب ولعب نادي طلبة الإمارات بعدا ثقافيا وتلاحما اخويا لا ينسى لأثره البالغ في تكويننا وبلورت ثقافتنا وتوجهاتنا الوطنية والقومية حين ذاك، فقد كان مكان متواضعا في بنيانه، وصرحا عظيما في مردوده على تشكيل الحركة الطلابية وقتها، وشهدت أعياد الاتحاد فيه تضافرا طلابيا من الإبداع الثقافي والفني والترفيهي والإصدارات الدورية. وبمحيطه شاركت في مؤتمر المرأة العربية بالقاهرة بورقة عمل تحت عنوان «اغتيال طفولة» ورسمت المجموعة القصصية «ذات المخالب» للكاتب علي أبو الريش.

موجه أول

بعدما أثرتني القاهرة بالكثير، عدت إلى ارضي عام 1985، لأكون أول معلمة تربية فنية من الإناث بمسقط رأسي تزوجت بعد عامين من تخرجي من د.علي بن شكر، لأستقر بدبي، وأتابع مسيرة عملي وأتدرج من معلمة تربية فنية إلى موجهة للمادة بمنطقة دبي التعليمية ثم موجه أول لمادة التربية الفنية بوزارة التربية والتعليم، وقد كان اختياري للتعليم حين ذاك لإيماني العميق بدور معلم الفنون.

حيث إن تكويني كفنانة بدأ من معلمة التربية الفنية. فالمدرسة ساهمت في توجيهي واكتشاف إمكانياتي وإعطائي الفرصة في المشاركة في المسابقات الداخلية والخارجية «شنكر بالهند، وهولندا» ورسم جداريتي الأولى كانت على جدار القسم الابتدائي بمدرستي.

وقد كان لرفيق دربي بالغ الأثر في تحمل تبعات الوظيفة والأسرة، والمضي معا إلى النجاح في جميع مراحل تكويننا الوظيفي والأسري، وتكليل أسرتنا بثلاثة من الأبناء «أثير ـ يارا ـ عمر» استطعنا بسلاسة أن نغرس فيهما المثل والتمسك بالقيم الإسلامية والإنسانية وتقدير الذات والحرص على احترام الاختلاف والثقافات والعقائد الأخرى.

استمرت مسيرتي المهنية 21 عاما. قضيتها في مجال قريب إلى نفسي وهو تعليم الفنون، وأجمل مراحلها احتكاكي بطالباتي وعفويتهن الجملية وإضافة الجوانب الأكاديمية الفنية من قبلي. ومابين الانهماك في تقديم ممارسات الإشراف التربوي والدورات والبحوث والدراسات والورش والمعارض الفنية والمنتديات والمؤتمرات وتحكيم الجوائز مثل جائزة الشيخ حمدان للأداء التعليمي المتميز.

وجائزة الجودة لوزير التربية والمشاركة في وضع الوثيقة الوطنية لمادة التربية الفنية وبرنامج تتبع المواهب وغيرها ....لم أتوان عن مواصلة الرسم والبحث في تكنيك المواد المختلفة. ولو أنني كثيرا من الأحيان ما كنت أصاب بما يشبه لوعة المحب الظالم عندما تقع عيني على بلدتي وقد جفت عليها الألوان بسبب تشتت وتعدد المهام.

اكتسبت من خلال عملي وتدرجي في مهامي العديد من الخبرات والمهارات، وأهدتني رصيدا لا يستهان به من الأحباء سواء من الطلاب والطالبات أو المعلمات أو أسرة التوجيه والإداريين بالمدارس والمناطق التعليمية والوزارة والمؤسسات المجتمعية.

حتى عندما قررت استقالتي من منصبي، كنت مسبقا قد خططت لإكمال دائرتي التي بدأتها بداية من اختياري للفنون مرورا بالعمل في مجال التربية ثم انطلاقا متفرغا لاحتراف الفن التشكيلي. فحططت ترحالي في محترفي بالمنزل، لأتفرغ لأقطاب حياتي متمثلة في أسرتي وعائلتي وإنتاجي الفني. وأتواصل مع مجتمعي في أنشطته ذات الاختصاص بشكل تطوعي.

أما من خلال تجربتي كفنانة تشكيلية، فلقد انتهجت صياغة المشروع المتكامل، ولقد شكل لى الموروث الشعبي، والعلاقات الإنسانية، وأنماط البشر ـ والأجواء السياسية العامة - أرضا خصبة للتعبير، ولكن قد يكون الموضوع هو بداية الشروع بالعمل ولكن في أثناء الممارسة تتجلى التقنيات وعناصر وأسس العمل الفني الفاعلة والمؤثرة في إبراز الفكرة العامة.

تلك هي بعض محطات حياة المري والتي امتزجتها ببعض الآراء من خلال صديقات اللاتي عرفنها عن قرب.

بعد تقاعدها تركت فراغاً كبيراً

مريم العوضي التي جمعتها زمالة مع المري تقول: تعلمت منها الكثير الكثير وهي على خلق عال تتقبل الرأي بكل موضوعية وكلها آذان صاغية تنصت بشكل جيد وتعطي الرأي بعد تأمل كاف وهي القاعدة الأولى التي اتخذتها في حياتي بعد تعاملي مع الزميلة والأخت والصديقة سلمى المري فقد تعلمت كيف يمكن أن تتكون الآراء والقدرة على النقد وتقبل الرأي الآخر.

وهي طيبة وحميمة في التعامل وضمن موقعها كموجه أول أفادتنا كثيراً بخبرتها وطريقتها في التعامل وإدارة الأمور العملية وهي منظمة بشكل كبير كما أنها فنانة حساسة تحرص على المشاركة بمختلف اللقاءات والأنشطة وتشجع من حولها على الاطلاع على كل جديد في مجالاته التخصصية.

وقد ترك تقاعدها فراغاً كبيراً في أجواء العمل وكان لوجودها دور في ترابط الميدان التعليمي مع بعضه البعض وكانت متواصلة معنا بشكل كبير ولها أثر كبير في المعلمين والمعلمات والطلبة.. و(ياريت كل الناس مثلها) وأتمنى عليها أن تقيم معارضها في المناطق التعليمية التي تواجدت بها للحفاظ على التواصل.

تركت بداخلي أثراً كبيراً

أما د. مريم الكعبي إحدى طالبات المري، تقول: درستني الأستاذة سلمى المري وأنا في الثاني الإعدادي وتركت بداخلي أثراً كبيراً نتيجة تعاملها المميز معنا والهدوء التي تتصف به فقد تعلمنا إلى جانب دروس الفن كيفية التعامل الراقي ومحبة الآخرين وذلك من خلال طبيعتها الهادئة والدمثة وقد أثرت على جميع الطالبات وكنا لا نسمع منها إلا الكلام الجميل والصوت الهادئ وهي مميزة كمدرسة وإنسانة وتعلمنا منها الأدب وهي مفعمة بالذوق.

وشاءت الظروف أن نفترق لنلتقي بعد سنوات وأكون أنا قد تخرجت من كلية طب الأسنان فيما بقيت سلمى على صورتها فلم تتغير ولم تتبدل طبيعتها فاستعدنا تلك الأيام.

مجرد النظر إليها يشعرني بالراحة

ابنتها الكبرى أثير الطالبة في جامعة زايد قسم إعلام وسياحة، تقول: القيمة الأساسية التي استطعت أن أتعلمها من أمي هي تحقيق السلام الداخلي والذي تتمتع به على الدوام وهي قادرة على إشاعته في الجو بأكمله.. ومهما كانت حالتي يكفيني مجرد النظر إليها للشعور بالراحة والطمأنينة ..

ولا يوجد حدود أو أسرار تمنعني من إخبارها بأي شيء فطبيعتها وشخصيتها تحفزني على إخبارها بكل شيء وهي صديقة إلى جانب كونها الأم التي اعتز بها واستطيع التواصل معها في كل حالاتي سواء كنت حزينة أو فرحة متضايقة أو مسرورة وقد كنا منذ طفولتنا نجلب عصافير ثم توقظنا والدتي في السادسة صباحا كي نطيرها.

وتضيف نستطيع أن نتبين أعمالها ولوحاتها من مزاجها الذي ينعكس في ألوانها فلوحتها هادئة جدا وتشبهها ولديها لوحات عن السلام والأمومة وأوجدت فينا العديد من الأشياء العميقة وأيام حرب لبنان استمرت في الرسم عن أرز لبنان كما رسمت العديد من اللوحات المستوحاة من التراث الإماراتي.

إسماعيل الرفاعيم جداً لتنشيط الذاكرة عن عادات الشعوب وثقافاتها، ولذلك أحرص على السفر كل عام وأحياناً أسافر أكثر من مرة في السنة، وليس لدي وقت للتفكير في رسم خطط لميزانيات مادية.

أجمل مطار استمتعت فيه هو مطار هولندا، فقد بهرني بمساحته الكبيرة وأحسست فيه بالتسلية ولعل البلد الذي لم أفكر مطلقاً في زيارته هو الهند.

عزالدين الأسواني