مولعة بالسياحة والتقاط الصور التذكارية عند الأماكن والمباني العتيقة والآثار التي تدل على عظمة القدماء، والسفر عندها ليس مجرد ترويح عن النفس وتغيير الأجواء، بل هو نافذة تطلع من خلالها على ثقافات الشعوب وعاداتهم، لكنها لا تقع أبداً في فخ المقارنات بين الدول، فهي تقدر أن لكل بلد خصوصيته الجمالية.

مونيك أبو حبيب.. خريجة الإعلام التي أعدت دراسات عليا في الصحافة وتعمل معدة برامج في تلفزيون سما دبي، تتكئ على مخزون معرفي استمدته من قراءاتها وتوظفها في اختيار البلدان التي تزورها. رحلاتها السنوية لا تنقطع، بل أنها تسافر أكثر من مرة في العام الواحد. وكلما أنهت رحلة سياحية بدأت بالتفكير في وجهتها التالية، يساعدها في ذلك حب زوجها للسفر، إضافة إلى أنها عملت في رومانيا خمسة أعوام وأصبحت سفراتها إلى أوروبا من الأولويات التي تشغل فكرها، وكونت لديها انطباعات عن الدول الغربية. الزيارة الأولى كانت إلى قبرص وتقول عنها: كنت وقتها أعد العدة للزواج، ومن ضمن البرنامج جاءت قبرص محطة ننتقل عبرها إلى فرنسا لقضاء شهر العسل، ورغم أنني قضيت يومين فقط في قبرص، إلا أنني أستطيع القول إنها كثيرة الشبه ببلداننا العربية، وفيها شواطئ جميلة، وهذا أكثر ما يميزها، أما شعبها فهو لصيق بالحياة ويحبها، ويعتمد كثيراً على السياحة، وبالتالي هم حريصون كل الحرص على تقديم التسهيلات والخدمات الراقية للسياح، وبعد يومين قضيناهما في قبرص اتجهنا إلى فرنسا، وأول شيء لفت انتباهي فيها هو مبانيها العتيقة الجميلة وشوارعها النظيفة ودقة النظام في كل شيء، زرت الشانزليزيه مرات عدة، وقوس النصر وبرج إيفل وقصر فرنساي، كما أعجبتني مقاهي باريس المزدحمة دائماً بالرواد.

الشعب الفرنسي متحضر ولا تنقصه الكياسة واللباقة واحترام الآخرين، لكن يعاب عليه أنه قليلاً ما يساعد الغرباء، فالمواطن الفرنسي ليس لديه وقت لأن يسهب معك في أمور وصفية، كما انه معجب ومتمسك بلغته الفرنسية ويصعب عليه أن يحدثك بلغة أخرى، وهذه مشكلة المتحدثين باللغة الإنجليزية، فأنا أجيد الفرنسية، ولم تواجهني مشاكل في هذا الصدد، وفي فرنسا أحياء عربية كثيرة ومتنوعة، وفيها تكثر المطاعم اللبنانية والمغربية التي تقدم الوجبات الشرقية الشهية، ومن يريد زيارة فرنسا عليه أن يضع في الحسبان الاعتماد في تنقله على استخدام المترو، فعلى الرغم من النظام والانضباط المفروضين في الشوارع، إلا أن الزحام يظل مشكلة تؤرق سائقي السيارات الخاصة أو التاكسي، وعند استخدام المترو يجب أخذ التحذيرات من السرقة على محمل الجد، لقد زرت فرنسا ثلاث مرات، وتعودت على طقسها وطقوسها وعرفت الأماكن فيها، وأكثر ما أعجبني فيها قصر برساي، فعلى جدرانه تتناثر رسومات الفنانين وتتدفق بين أروقته الموسيقى الهادئة الجميلة، إضافة إلى حديقة القصر والنهر، كل ذلك يتجمع أمامك في صورة رائعة لا تنمحي من الذاكرة.

شاوسسكو استنسخ الشانزليزيه... في بوخارست عاصمة رومانيا قضيت خمس سنوات مع زوجي، حيث كنا نعمل هناك، وتتميز بوخارست بمبانيها القديمة والتي تتخذ شكلاً وطابعاً موحداً، كذلك شواطئها الجميلة ومناظرها الطبيعية البديعة، وفي طقسها تتضح معالم الفصول الأربعة، أما شوارعها فهي متوسطة المستوى، وينسحب ذلك على مسألة النظافة والخدمات السياحية المتوفرة، وشعب رومانيا عانى كثيراً من الحرمان أيام شاوسسكو، وحتى الآن ما زال يعيش ظروفاً معيشية صعبة، وينعكس هذا على تعاملاته القاسية مع الآخرين، فهم لا يحبون الغرباء وخصوصاً العرب، لكن لفت انتباهي شارع مستنسخ من الشانزلزيه موجود في بوخارست، فقد كان شاوسسكو مغرماً بكل ما هو فرنسي، ومن فرط عشقه للحضارة الفرنسية أقام شارعاً طبق الأصل من الشانزليزيه بما في ذلك النهر، وفي رومانيا توجد الجاليات العربية بكثرة، وبالتالي تنتشر المطاعم العربية وتقدم الوجبات بأسعار رخيصة.

زرت ألمانيا مرتين وأحببت شوارعها التجارية المنظمة والراقية، أما كنائسها العتيقة فهي تحفة معمارية في غاية الرقة والجمال، يذهب إليها الناس للصلاة فيها وأيضاً لزيارتها، وأجد نفسي على الدوام ضعيفة أمام سحر هذه المباني العتيقة وأحرص على التقاط الصور أمامها، أما شوارع ألمانيا فهي في غاية النظافة ومنظمة بشكل دقيق، وعلى طرقاتها السريعة قد ترى ما لم تره في أي بلد آخر، فالسرعة غير محددة وليس هناك قانون يحرم السرعة الزائدة، وأكثر السائقين المسرعين هم الأتراك والإيرانيون والأفغان الذين يعملون على سيارات التاكسي، وهذه المهنة وغيرها من المهن الشبيهة مقصورة على الباحثين عن عمل من غير الألمان، أما الألمان أنفسهم فهم شعب متعالٍ على الآخر، يعتزون بلغتهم وليس لديهم استعداد للتفاهم بلغة أخرى غير الألمانية، إلا أنهم يقدسون العمل، وتراهم دائماً منهمكين في أمورهم المهنية، ولديهم ذكاء شديد في تنظيم أوقاتهم بين العمل والترفيه، وهم كذلك يطبقون القانون والنظام على أنفسهم أولاً والآخرين إن رأوا شخصاً مخالفاً للنظام.

ما أجمل الزهور في هولندا

زرت هولندا مرة واحدة وبقيت فيها أسبوعاً، ووجدتها بلداً مفتوحاً ويستوعب كل الأجناس والأعراق، والشعب الهولندي مسالم وبعيداً عن العصبية والتعصب، فهم أغنياء وأحوالهم المادية ممتازة، ولذلك يصعب عليك أن ترى هولندياً يعمل في المهن الدنيا، فهذه المهن متروكة للعمالة الأجنبية، لكن في هولندا لديهم حساسية من التصوير في بعض الأماكن، فمنعوا التصوير، أما الشوارع والنظام والنظافة فهي تعكس رقي هذا الشعب واحترامه للتعليمات والإرشادات، وهولندا معروفة بشواطئها وأزهارها الجميلة وأشهرها زهرة «التوليب».

زرت إيطاليا مرتين، واعتبرها بلد الفن الحقيقي، فكل شيء فيها مبهر وجميل، فمجرد السير في الشوارع يغمرك شعور بالمتعة والبهجة والجمال أيضاً، ابتداءً من المباني العتيقة المحملة بعبق الماضي كإرث يحافظ عليه الإيطاليون ويفتخرون به، حتى أن بعض الإنشاءات المعمارية الجديدة تصمم على الطراز القديم.

وفي كل مدينة إيطالية تذهب إليها تشعر بأنها أجمل من سابقتها، زرت روما العاصمة، وفينيسيا وفولورانس وميلان، وفي كل مدينة تجولت في شوارعها وجدت الشعب المتعاون وخفيف الظل، وفي مدينة «فيرونا» التي لم أتوقع أن أراها بهذا الجمال وجدت فيها أثراً رومانسياً مجسداً في تمثال «جوليت».

فعلى أرض هذه المدينة دارت أعظم قصة حب بين روميو وجوليت، هناك أحسست بالرومانسية تغلف المكان، وبشاعرية متدفقة لم أشعر بها في أي مكان آخر، أما فينيسيا فهي حكاية أخرى يصعب سرد تفاصيلها الجمالية، فهي مدينة عائمة على الماء، لا توجد بها سيارات، ووسيلة التنقل هي القوارب التي تحل محل التاكسي، أسواقها عتيقة وجميلة، وأشهر المتاجر فيها هي تلك التي تتخصص في بيع الأقنعة المزركشة التي يلبسها الإيطاليون لإحياء عادة قديمة.

كذلك زرت «الفاتيكان» ووجدت صعوبة أثناء الزيارة للازدحام الشديد أمامها، فهناك أربعة صفوف من الطوابير أمام بوابات الدخول وعليك الانتظار لمدة طويلة، أما ميلانو فهي مدينة صناعية وليس فيها معالم سياحية تذكر.

في بلجيكا صدمت ببرودة عاصمتها «بروكسل»، فهي مدينة عادية جداً وليس فيها ما يبهرك، السياحة فيها مضيعة للوقت، فلا شيء يميزها عن غيرها من أية مدينة في أي بلد، لكنني وجدت ضالتي في مدينة «بروج»، وعلى الرغم من أنها مدينة صغيرة، إلا أنها تضاهي المدن الأوروبية روعة وجمالاً، فبيوتها مؤلفة من طابقين فقط مطلية بألوان مختلفة حسب المناطق، وتتمتع بطبيعة ساحرة وخلابة قوامها المساحات الخضراء الشاسعة.

ومع أني لم استمتع كثيراً في بلجيكا، إلا أنني أشهد بأنها بلد الشيكولاتة الأول في العالم، فهناك محلات وكافتيريات متخصصة بتقديم الشيكولاته بطرق مختلفة، أما بلغاريا فقد قضيت فيها يومين وبالتحديد في منطقة فارنا، وهي منطقة مشهورة بشواطئها الجميلة والنظيفة، وأظن أن بلغاريا بلد سياحي من طراز فريد، فكل الخدمات والتسهيلات تقدم بشكل راق ومحترم، كذلك النظام الذي تشهده شوارعها، ولأنها تعتمد على السياحة في فصل الصيف فقط، فإن الجهات هناك تتحسب دائماً لتدفق الزوار في الصيف فتهيئ كل شيء لهم.

أصعب ثلاثة أيام

في ميلدوفيا قضيت ثلاثة أيام هي الأصعب في حياتي، لم أكن مخططة لزيارتها أبداً، ولكن فرضت علينا، وميلدوفيا كانت جزءاً من روسيا ثم استقلت عنها، شعبها يتحدث الروسية والرومانية، وهي بلد لم يستقر حتى الآن سياسياً أو اجتماعياً، وتعتبر تابعة لروسيا في شيوعيتها.

وفيه لا تشعر بالأمان مطلقاً، تحتاج تأشيرة لدخولها، وتأشيرة أخرى عند الخروج، وهذه أول مرة نصادف فيها مثل هذه الإجراءات الأمنية المشددة، مطارها قديم جداً وبدائي للغاية، ومع ذلك وجدنا هناك شعباً طيباً أو بالأحرى شعباً غلباناً لا حول له ولا قوة، فالأحوال الاقتصادية والمعيشية تطوق عنق هذا الشعب ولا تترك له فرصة للتمتع بالحياة.

تبقى الصين التي زرتها للسياحة وفي الوقت نفسه كانت رحلة عمل.. «زيارة معرض»، والحق أن الصين لا تعتمد مطلقاً على الشق السياحي برغم حضارتها الضاربة في عمق التاريخ، فهي الآن بلد مفتوح تماماً أمام التجارة العالمية، واستطاع المنتج الصيني أن يغزو بلدان العالم من أقصاها إلى أقصاها، ولهذا ترى الصينيين يعملون كخلية نحل لا يتوقفون إلا لالتقاط الأنفاس، ولولا صعوبة اللغة لعرفت كم أن هذا الشعب متعاون ومحب لضيوفه ولزائريه.

وبهرتني المدن الصينية بمبانيها الفخمة المشيدة على الطراز الحديث، كذلك الاحتياطات الأمنية والآمنة المتوفرة في المترو، وأيضاً نظافته، والضيوف ملتزمون بقواعد السير وبنظافة شوارعهم، أما الانطباع الذي خرجت به من زيارتي للصين فقد كان حول عملية المجادلة في الأسعار، فالسوق الصيني يعتمد عملية المساومة وهم أذكياء في هذا الجانب، فإذا كنت مساوماً شاطراً فستحصل علي السلعة بأقل من نصف السعر المعلن.

أنا محبة للسفر واعتبره مهم جداً لتنشيط الذاكرة عن عادات الشعوب وثقافاتها، ولذلك أحرص على السفر كل عام وأحياناً أسافر أكثر من مرة في السنة، وليس لدي وقت للتفكير في رسم خطط لميزانيات مادية.

أجمل مطار استمتعت فيه هو مطار هولندا، فقد بهرني بمساحته الكبيرة وأحسست فيه بالتسلية ولعل البلد الذي لم أفكر مطلقاً في زيارته هو الهند.

عزالدين الأسواني