عندما ذهبت إلى رجل الأعمال المعروف سالم بن إبراهيم السامان، توقعت أن أخرج بحوار يحتوي على العديد من الذكريات التي عرفتها وتكررت على لسان أبنا ء جيله في حوارات سابقة، إلا أنني فوجئت بمعلومات وأحداث جديدة لم أسمع عنها من قبل، جعلتني أجلس أمامه مشدوهة، متشوقة للمزيد من الحكايات التي يقصها بتأن وتسلسل محكم.:
بل وتوارت أسئلتي خجلاً أمام هذا الرجل الذي يعد حقاً موسوعة لتاريخ الإمارات المحكي على ألسنة أبنائه الذين عاشوا معاناة الماضي وعاصروا أيام البؤس والشقاء، إلا أنهم لم يستسلموا لواقعهم وكافحوا واستبسلوا من أجل البقاء، ووجدتني أجلس مشدوهة أمام هذا الرجل الذي لم يعطني الفرصة لطرح أسئلتي أو حتى الاستفسار.
فقد استرسل في الحكايات بدون توقف، وكأن شريط الذاكرة محفور في ذهنه كفيلم وثائقي مليء بالأحداث المهمة، من ذكريات الماضي بكل ملامحه، حتى مسيرة النهضة والتطور.
تناول كافة التفاصيل بالأحداث والتواريخ والأسماء، ما قاله يحتاج إلى سلسلة متتابعة من الصفحات، وهذا ما قرره بالفعل وبدا كتابته في مجلة (المنارة) التي يرأس مجلس إدارتها.
تجربة السامان تعد مثالاً حياً بل ومدرسة يتعلم منها هذا الجيل من الأبناء، وقد حاولت اختصار التفاصيل والملامح التي توضح كيف كانت الحياة قديماً في رأس الخيمة التي انتقل منها للعيش في أبوظبي فيما بعد وكيف تطورت تجارته التي بدأها مع والده في الأسفار؟ وكيف كان قراره في الانتقال للعيش في أبوظبي منعطفاً مهماً في حياته ونقلته من أعمال وأهوال البحر إلى أعمال الاستقرار في البر.
وفي مقال تحت عنوان (دفتر العمر) نشر في «المنارة» كتب في مقدمته بعض العبارات الثابتة التي تتكرر مع كل مقال يقول فيها، ضرورة تأخرت تلبيتها، تفتح الباب لمن يريد من الأجيال أن ينهل من معين التجربة ومداد الخبرة، تتيح فضاءات أخرى ليتعرفوا على أهمية العلاقة التي تربط الناس ببعضهم، أهمية العلاقة بين الناس والأرض، بين الإنسان وتراب هذا الوطن، بين الإنسان والمادة وأهمية الصداقة في زمن عز فيه الرجال أحياناً كثيرة.
دروس الصيف والشتاء
عندما سألته عن تاريخ ميلاده أجابني قائلاً: بأنه لم يكن في تلك الفترة نظام لتسجيل المواليد في شهادات الميلاد، لكن تصادف وجود بعض العلماء الذين اهتموا بكتابة الأحداث المهمة في ذلك الوقت، مثل محمد بن سعيد بن غباش، قاضي معيريض وعيسى بن الشرهان، وحسب ما أثبته التاريخ فقد ولدت في معيريض وهي بلدة صغيرة في رأس الخيمة، وحسب ما تقوله البرامج التكنولوجية انني ولدت في 21/4/1938م، أو في وقت يقترب جداً من هذا التاريخ.
ويصمت السامان قليلاً ثم يتابع كلامه قائلاً: الذاكرة تجرني إلى حديث قديم وتجعلني أتمنى من خلال سرد تلك الذكريات أن يتعلم شباب اليوم أن الماضي كان صعباً وأنهم محسودون على الرفاهية التي ينعمون بها اليوم، فهم يمتلكون كافة الإمكانات، وينفقون ما يأتيهم من أموال دون تعب، وعندما أقول هذا الكلام لا أستثني منه أحداً بل أشير أيضاً إلى أولادي الذين يمارسون نفس الأسلوب، والذين أعتبرهم مبذرين إلى ما شاء الله.
أتذكر أنه كانت والدتي المرحومة شيخة بنت محمد العسعوس تجرني مثل الشاة على الرمال، حتى توصلني إلى المدرسة البيتية في معيريض، والحقيقة أنني لا أتذكر كم كان عدد سنوات عمري وقتها، ولا كم عدد التلاميذ الذين كانوا معي في المدرسة؟
وبعد أن كبرت قليلاً أخذني والدي للدراسة في رأس الخيمة لدى شخص يدعى عبدالعزيز سعودي، ثم انتقلت فيما بعد للدراسة في المسجد في نفس المنطقة، والذي اتخذوه لتدريس طلبة الابتدائي لجزء عم، وعندما يحفظ الطالب هذا الجزء ويكمله بنجاح تحتفل به المدرسة والعائلة من خلال مسيرة تنطلق من بيت التلميذ الناجح والطواف به في القرية أو مدينة رأس الخيمة أو معيريض وهم ينشدون الأناشيد الدينية وتسمى (التحميدة)
وكانت تلك الجولة تجرهم من بيت إلى آخر، فيشارك أهل تلك البيوت في الاحتفال بتقديم طعام الغداء أو العشاء.
يواصل السامان حديثه قائلاً: درست في بلدة رأس الخيمة أربع سنوات في فصل الشتاء، أما في فصل الصيف فالأمر مختلف بعض الشيء حيث كنا ننتقل إلى منطقة النخيل وهي محل الاصطياف، وكان لشيوخ دبي فيها أملاك ونخيل مزدهرة ومشهورة وكان من ضمن الذين يأتون للاصطياف في تلك المنطقة المرحوم الوالد حمد بن ماجد الفطيم مع أولاده.
ويأتي بصحبته من دبي (عبد الله المطوع ) ليقوم بتدريس أولادهم، ماجد الفطيم، غباش بن حميد بن صقر، عبدالله بن بطبوط، والشيخ صقر القاسمي وكنت أنضم أنا الآخر إليهم لتكمله دراسة ختم القرآن.
أتذكر أنني درست معهم ما لا يقل عن 3 فترات في فصل الصيف، إضافة إلى أربعة أشهر أخرى في رأس الخيمة، ولم أحرز تقدماً يذكر فقد كنت متوقفا عند جزء عم في القرآن الكريم، وهنا ورغم صغر سني اتخذت قراراً أخبرت به والدي وهو أن أنتقل للدراسة عند المرحوم (أحمد المناعي) والملقب بـ (أحمد الدرويش) والذي عرفته عن طريق أحد زملائي الذي انتقل للدراسة عنده بالفعل.
وانتقلت للدراسة عنده في بيته في منطقه معيريض، وخلال أسابيع قليلة ختمت جزء عم، ثم تدخل والدي ونقلني للدراسة عند الشيخ محمد بن حجر، والذي كان يدرس لديه الكثير من الطلبة، واستطعت خلال عدة أسابيع أن أختم القرآن الكريم.
ويشرح السامان كيف تسنى له ختم القرآن الكريم بتلك السرعة قائلا: لقد درسني هذا المعلم بطريقة تختلف كلية عمن سبقوه، فقد بدأ المدرسون الأوائل بتدريسي صغار السور أما هو فقام بعكس ذلك بدأ من سورة البقرة، وهذا جعلني أحفظ السور بسرعة وتمكن، وبدأت أقرأ أية سورة وكأني أحفظها منذ عدة سنوات ماضية.
وعندما ذهبت إلى منطقه الاصطياف للسلام على زملائي الذين كنت أدرس معهم في السنوات الماضية، سألني المرحوم الشيخ عبد الله المطوع قائلا (هل ما زلت في جزء عم ؟) وكان في سؤاله سخريه مني، إلا أنني أجبته على الفور أنني ختمت القرآن، فلم يصدقني، وبدأ في اختباري أكثر من مرة في تسميع عدة سور.
وتعجب من إجادتي لها، وفي النهاية قال لي أتمنى لك التوفيق، ثم انهال ضربا على التلاميذ واتهمهم بالكسل، والحقيقة التي أدركتها أن الذنب ليس على الطلاب أنفسهم لكن على المطوعين أمثاله.
ويتأسف السامان على مدارس تلك الأيام قائلا كانت أشبه بالمأساة، فقد كانوا يضربون الولد بالفلقة، وذلك بربط رجليه وضربه عليها بالخيرزانة ضربا مبرحا أمام الجميع، لكنني أتذكر عندما أرسلت لنا حكومة الكويت بعثة من المعلمين عام 1952م، وقتها تركت الدراسة وانضممت للعمل مع والدي.
راديو جكة الوحيد
كان والدي المعلم الأول لي في كافة شؤون الدنيا، تعلمت على يده التجارة وكيفيه التعامل مع الناس، وكنت مستمعا جيدا إلى كل ما يقوله، وأتعلم منه خبرات الحياة، وكيفية ملاقاة الحاكم والسلام عليه وغيرها من المواقف والأحاديث التي مازلت اذكرها حتى يومنا هذا.
ولم يكن والدي متعلما ولم يعرف يوما القراءة والكتابة، إنما كان في تلك الأيام للنوايا الحسنة دور، كان والدي يؤدي زكاة أمواله ولا يرد السائل ولا الفقير، أتذكر أنه كان يترك البيت ويذهب إلى البر ليأتي بالأخشاب ليبني سفينته وذلك في بداية الخمسينات تقريبا، وكنت أستمتع أنا بالجلوس مع النجارين الذين يصنعون السفينة لأنهم يشغلون الموسيقى، وحظيت منهم برعاية خاصة لأنني ابن النوخذة.
وعندما انتهى من بناء السفينة وأنزلها إلى عمق الخور الفاصل بين رأس الخيمة معيريض، لم يكن يملك المال الذي يساعده على السفر، وفكر فيمن يقرضه المال، وأخذ الصديق المرحوم سعيد بن محمد أبو الشوارب وأرسل في طلب سليمان العبار بمركبه، وذهبنا إلى المرحوم عبدالله المصلي، ومازلت أذكر أنه عندما دخلنا بيته، لم نجلس في مجلس ولا ديوانية، بل جلسنا في مكان مرتفع وجميل ويكسوه النخيل.
وكان الوقت صيفا ولم يكن وقتها ماء ولا كهرباء، وجلسنا عنده مدة بسيطة، ثم عدنا إلى منطقتنا بالمركب الصغير، وفي طريق العودة كان والدي يمسك بيدي اليسرى ويحمل على كتفه كيسا فيه ألف روبية هندية من المعدن، وكذلك حمل صديقه.
وهكذا استطاع والدي ان يقترض المال الذي يساعده على السفر.
ولم يكن بينهما ورق لكتابة الدين، ولم يتعاملوا بالربا، بل كان كلامهم عقود مبرمة، وكان والدي يقرض الآخرين أيضاً دون أوراق تثبت هذا الدين، هكذا كانت الحياة وقتها.
لكن للأسف عندما مات والدي كثير ممن أقرضهم والدي لم يسددوا الديون التي عليهم لنا. أتذكر أيضاً أنه عندما انتهت الحرب العالمية الثانية كان عيسى إسماعيل جكه الوحيد الذي يمتلك جهازا للراديو، وكان يذهب إليه والدي ويستمع للمذياع والأخبار وما يحدث في الدنيا ويأتي ليقص لنا ما سمعه.
الفلوس تتزايد
وبدأت تجارة والدي تنمو وتزيد، وكان يضع الفلوس التي يكسبها في صندوق مبني في الحائط، وبدأت الأحوال تتبدل وتحولت النقود من العملة المعدنية إلى الورقية، وبدلا من الجدار أصبح لوالدي صندوق من الحديد المغلف بالخشب، وبدأ يعد أمواله يوميا ويعلم عددها بالطباشير على الحائط، أو بحبات القهوة ثم ينادي على والدتي ويقول لها ( تعالي يا أم محمد شوفي الفلوس زادت عندنا كيف !)
ويتحدث السامان عن أهل رأس الخيمة قائلا، الحضر كانوا يعملون في تجاره اللؤلؤ وصيد الأسماك والغوص، وكانت رأس الخيمة الثالثة في امتلاك السفن التجارية بعد مدينة صور في عمان ثم الكويت، تلك السفن التي تنقل الماء العذب من انهار العراق إلى بلاد المنطقة، ثم طوروها فيما بعد للأسفار، ثم بيع جزء كبير منها بمبالغ زهيدة جدا تبلغ 12 ألف روبية.
أما البدو من أهل رأس الخيمة فلا شيء يذكر يمشون حفاة بدون أحذية تقيهم من حرارة الصحراء، ولا غطاء أو فراش، ورأيت ذلك بنفسي في كهوف الجبال والوديان،وهؤلاء عاشوا على مزارعهم، يأكلون من خبزهم المشهور(أسف) وهو خبز كبير الحجم، ويقطفون ثمار الأشجار (العنب الأبيض) والعسل الطازج من الجبال.
ويأتون إلى رأس الخيمة مروراً بمعيريض وتحديداً بيت والدي إبراهيم السامان وهم محملون ببعض الأشياء التي يبيعونها لوالدي، وكانوا يقصدون بيته تحديداً لأن والدتي ووالدي من الشحوح الحبوس، وكانت والدتي تجلس معهم لأنهم أقاربها.
وكانت الحياة صعبة فلا موارد ولا عمل، وكان الفقراء يأتون في الليل ويتسللون إلى النخل ليأكلوا منه، وكان البعض يلجأ إلى «الجفير» الذين يتبعون الأقدام ليعرفوا من أتى وسرق من ثمار النخل، وكان أشهر الجفير المرحوم سعيد البادي.
ابن النوخذة يتولى القيادة
ويتحدث السامان عن سفره مع والده للعلاج في بومباي قائلا، عند وصولنا وجدنا في الميناء عدة أشخاص مهمين مثل علي بن عبدالله العويس وعبدالرحيم محمد العلي وسيف الغرير، وأخذنا إلى مبنى يسمى «جازخانه» وبدأت رحلة علاج والدي، ورشحوا لنا راشد بن ماجد ورافقنا إلى المنطقة التي بها المشفى الذي سيعالج فيها والدي، وكانت تكاليف العلاج جميعاً على نفقة والدي الخاصة، فلم يكن وقتها رعاية من الدولة للمواطنين المرضى في الخارج كما يحدث الآن.
وتوفي والدي وترك لنا 38 ألف درهم، وكان معنا فقط نصف هذا المبلغ والباقي كان عند الناس دون مستندات، وكان عليّ أن أتحمل مسؤولية الأسفار للتجارة، وبدأت أفكر في تطوير السفينة التي أسافر بها ورغبت في شراء ماكينة جديدة لها لتكون أكثر سرعة وعصرية.
وفعلا اشتريت ماكينة بـ 16000 روبية تم دفع 8000 نقداً للمرحوم خليل إبراهيم كانو من البحرين على أن أستلمها في دبي وذلك في نهاية 1954، وفي العام التالي بدأ أخي الأكبر محمد وهو كفيف، يطالب بأموال الوالد من الآخرين الا أنه لم يجد استجابة من أحد.
وعندما استلمت مسؤولية سفينة والدي سافرت من رأس الخيمة إلى دول الخليج قطر والبحرين والسعودية وإيران وكنت أتاجر في البلح والتمر والسردين المجفف والحطب وما شابه ذلك، وكانت المعيشة فيها مجازفة كبيرة ولم تكن سهلة على الاطلاق.
يقول السامان لم يكن لدينا أطباء أو أدوية للعلاج ومن يصاب بالمرض يتم علاجه بطريقة شعبية، قد تفلح أو لا، ومعظم من أصيبوا بأمراض لا علاج لها شعبيا ماتوا، وكانت حياة السفر بالبحر مليئة بالأخطار والأهوال، فإذا كان البحر هائجا كان لابد من التوقف والا ابتلعنا البحر، واحيانا لا نجد جزيرة لنتوقف عليها فيزداد الأمر صعوبة.
وكنا نعيش في البحر متنقلين من بلد إلى آخر شهوراً، وكان من يمرض منا يعالج بالأدوية الشعبية، وإذا مات القوا به في البحر، وكنا نذهب في الأسفار ونعرف ويعرف أهلنا أننا سنعود مثلا بعد 3 أو 8 شهور، وإذا تجاوزت السفينة تلك المدة ولم تعد، فهذا يعني أنهم غرقوا في البحر.
وكانت هناك أماكن معينة، لا بد وأن نذهب إليها ونخرج منها في تواريخ محددة وإلا اضطررنا للبقاء شهوراً أخرى، إذا لم نحدد التوقيت المناسب، فأننا نبقى إذا دخلت علينا مثلاً الأمطار الموسمية لأن هذا يعني أمطار وعواصف وأمواج عاتية في البحر وتلك الأمطار غالباً ماتكون في منتصف شهر يونيو وحتى منتصف أغسطس. وكثيراً ما ذهبت سفن ولم تعد، وكانت النساء ينتظرن أزواجهن في صبر، يقمن برعاية أولادهن في غياب الرجال.
وهناك زوجات لم يكن يحتملن غياب أزواجهن فيطلبن الطلاق، وكانت أغلب النساء تشتغل في حياكة سعف النخيل ويقومون بتلوينه وبيعه في الحي أو في مناطق أخرى وذلك للتحايل على المعيشة في غياب الأزواج في البحر، وحقيقة كانت المرأة هي القائد الحقيقي في غياب الرجل.
إيمان قنديل
