ينحدر من عائلة مرموقة في المغرب تنتسب إليها شخصيات عملت بصفة استشارية للحكومة المغربية، ووالده من كبار التجار وله سمعته في الأوساط الاستقراطية في المغرب وغامبيا التي عاش فيها لسنوات طويلة وهناك ولد نجيب بنسودة مدير عام فندق ملينيوم الشارقة، وبقي هناك إلى سن الرابعة عشرة، ثم سافر إلى أيرلندا للدراسة، ثم إلى أميركا حيث تخرج وحصل على بكالوريوس في السياحة والفندقة والمطاعم، ثم حصل على الماجستير في الاقتصاد والتسويق. وأثناء الدراسة الاكاديمية جاب بلدانا كثيرة.
عن غامبيا يقول بنسودة: كان والدي تاجراً وكان كذلك سفيراً فخرياً للمغرب لدى حكومة غامبيا، والحق انني أحببت ذلك البلد بجنون، قد قضيت فيه أجمل سنوات الطفولة بين المرابع الخضراء والطبيعة الخلابة، وأصدقائي هناك ما زالوا ينتظرون زياراتي المتكررة، كي أجلس معهم وأتذكر أيام الطفولة حيث لعبت ودرست ولم أشعر ولو للحظة بالغربة، وشعب غامبيا متواضع جداً وفقير، لكنه يتسم بالكرم لأبعد الحدود، بيوتهم مفتوحة للضيوف، أنا أتحدث عن فترة الخمسينات وآنذاك لم تكن غامبيا معروفة للكثيرين، ولم تكن معروفة للأوروبيين على المستوى السياحي، إلى أن جاء الاسكندنافيون في رحلة استطلاعية في فترة الستينات ورأوا أن يبادروا بفتح مكاتب وشركات سياحية هناك، صحيح أن الخدمات لم تكن متوفرة على الإطلاق، وأبسطها الطرق والمواصلات، لكنها كانت البداية لاستقطاب الأفواج السياحية، والآن عندما أزور أولاد عمومتي هناك، أرى تغييرا كبيراً طال حقل السياحة إلى الأفضل، ومن فرط محبتي لغامبيا فقد اشتريت فيها قطعة أرض كبيرة لأقيم عليها مشروعاً سياحياً في أقرب وقت.
طيبة الأيرلنديين تظل غامبيا بلداً مفضلاً لي ولأسرتي، ويكفي أن والدتي عاشت هناك أربعين عاماً، وأحرص الآن أن آخذها إلى هناك في زيارات متواصلة محملين بشعور العائد إلى بلده بعد رحلة عمل، هذا هو شعوري تجاه هذا البلد الطيب وشعبه الكريم الذي يستحق أفضل مما هو عليه، وإذا كانت الدراسة قد أبعدتني عنها، فإن الحنين إليها يعاودني باستمرار، فعندما بلغت سن الرابعة عشرة أرسلني والدي إلى أيرلندا، وإلى مدينة دبلن بالتحديد لأكمل دراستي، كنت صغيراً ووحيداً في بلد لا أعرفه، ومر الشهر الأول قاسياً على نفسي من جميع النواحي، لكنني انخرطت بعد ذلك مع زملاء الدراسة وتجاوبت معهم، وزاد من طمأنينتي أن تعرف على أصدقاء كونت معهم علاقة هونت على نفسي كثيراً، والحق أن أيرلندا تغيرت كثيراً ولم تعد كعهدها في فترة الستينات سواء على مستوى العلاقات الإنسانية أو على مستوى الخدمات، فقد قضيت فيها سبع سنوات متواصلة، وعرفت طباع شعبها وميوله، كانوا كرماء متعاونين وتجمعهم البساطة في المعيشة، إذا سألت أحدهم عن مكان لا يتركك إلا بعد أن يصل بك إليه، هذه الخصال كنت أراها بصورة واضحة في المناطق الريفية التي تشتهر بالزراعة فعندما يراك أحدهم يترك ما بيده ليرحب بك ويدعوك لمشاركته الطعام، إضافة إلى طبيعة أيرلندا الساحرة، فهي ممطرة على الدوام، وترى الخضرة في كل مكان، وأنا بطبعي محب للطبيعة وسحرها، وينتابني أيضا الحنين لمعاودة زيارة الأماكن التي شهدت طفولتي أو دراستي، وبالنسبة لمدينة دبلن فأنا قضيت فيها أحمل سنوات عمري، وكثيرا ما أذهب إلى هناك، أزور البيوت التي سكنت فيها، التقي بأصدقائي القدامى، لكن ما يحزنني أن الحياة هناك تغيرت الى الأسوأ، فالناس مشغولون دائما بأمورهم الخاصة، ولا وقت لديهم للأحاديث المطولة، هذا ما فرضه الإيقاع السريع الذي هبط على المدينة بحكم التطور والانفتاح الكبير على العالم الخارجي.
الحس الإنساني الأميركي بعد سبع سنوات في دبلن اتجهت إلى أميركا لإكمال دراستي صحيح أن الأقدار لم تسعفني للدراسة في ولاية كبيرة فاتجهت إلى مدينة مينوسته، ودرست هناك السياحة والفندقة والمطاعم. واختيار الدراسة كان بمحض إرادتي فتفوقت فيها، ساعدني في ذلك الأجواء الطيبة التي وجدتها في تلك المدينة الصغيرة، وتعرفت على عائلة كنت أنزل في بيتها في العطلة الأسبوعية، هذه العائلة أحبتني وكأنني أحد أبنائها، كانوا يتركون الباب مفتوحاً إذا خرجت لسهرة في الخارج، وفي الصباح توقظني سيدة البيت لتعد لي طعام الإفطار. وهذه العائلة ظلت على تواصل معي حتى بعد انتهاء الدراسة وعودتي، وكررت زيارتي لهم عدة مرات، وإلى الآن أنا على تواصل مع أبناء هذه العائلة ونتبادل الزيارات، وإذا كان حديثي عن أميركا سينحصر في أجواء هذه المدينة فلهذا من حسن حظي، فقد وجدت أناساً طيبين للغاية، ويعرفون الواجب ويقدرون الغريب ويحتفون به، ويساعدونه بقدر استطاعتهم.
وأظن أنهم هم أبناء أميركا الذين يمتلكون قدراً كبيراً من الوعي والحس الإنساني، معهم قضيت فترة جميلة إلى أن انتهت دراستي واتجهت إلى اريزونا لأحضر الماجستير في الاقتصاد والتسويق، وهناك مكثت عاماً ونصف العام كونت خلاله صداقات مع ثلاثة من المغاربة وتونسي، وهؤلاء الأصدقاء على تواصل معي حتى الآن.
الألفة في روسيا
في عام 1982 وبعد الانتهاء من الدراسة استقر بي المقام في الإمارات العربية المتحدة، عينت مديراً للمبيعات والتسويق في هيلتون دبي، ثم تعددت أسفاري سواء للعمل أو السياحة، وكانت روسيا من البلدان التي زرتها وكانت رحلة عمل.
وخرجت منها بانطباع جيد عن سلوكيات أهلها، فهم أقرب إلى العرب في طريقة احتفائهم بضيوفهم، وحضرت هناك حفل زفاف روسيا وجدته شبيهاً بأجواء الاحتفالات عندنا، ومن أهم المدن التي زرتها هناك كانت مدينة سان بطرس بورج، وهي مدينة جميلة ومشهورة بأبنيتها على الطراز القديم.
ومازالت محافظة على هذا الطراز حتى الآن ولم تلوثها المباني الحديثة، وشعب روسيا يحب الأجانب ويحترمهم، ولم أشعر أنهم قد تغيروا بعد البروسترويكا، سوى ان من يملك سيارة خاصة يمكنه ان يقلك مقابل أجر، أما الأحوال الأمنية فهي جيدة، لكن لا يمنع ان هناك عصابات كبيرة تعمل في الخفاء وبالنسبة لي فقد كان معي حرس خاص وضعه مضيفي حولي تحسباً لأي شيء.
عدم الاستقرار في تشاد
سافرت إلى تشاد بغرض العمل ومكثت هناك عاماً ونصف العام عملت أثناءه مديراً لفندق هو الأول من نوعه في تشاد، وكان أصحابه رجال أعمال من ليبيا، كان الفندق من فئة «خمسة نجوم» وسط العاصمة التي لم تكن تتمتع بأدنى الخدمات السياحية أو حتى خدمة في البني التحتية.
فبدا الفندق وكأنه شيء مغاير لما حوله، وأظن أنني عملت هناك في أجواء قاسية، فتشاد فقيرة جدا، والأوضاع السياسية غير مستقرة، لكن الناس طيبون للغاية ويتسمون بالأخلاق، ولأنني كنت مديراً للفندق الوحيد الذي يشهد اجتماعات الرؤساء الضيوف وإقامتهم، فقد شعرت بمسؤولية مضاعفة.
خصوصا وان الكهرباء تنقطع باستمرار، بل أنها لا تعمل إلا ساعتين من اليوم، وكانت لدينا ماكينات خاصة للكهرباء في الفندق، ووسط هذه الأجواء غير المستقرة أمنيا، خصوصاً بعد دخول المتمردين علينا وتراشقهم بالرصاص مع قوات الحكومة، وجدت نفسي مضطراً لترك العمل هناك وأعود إلى الإمارات.
التناقضات المصرية
أعجبتني القاهرة رغم زحامها الشديد، صحيح انني سمعت وقرأت الكثير عن مصر، وتابعت الأعمال الفنية، لكنني لم أجد هذا على ارض الواقع، فالصورة مختلفة تماماً عما تقدمه لنا الأعمال الفنية.
لكن هذا لا يعني أنني لم استمتع بالأجواء هناك، خصوصا في منطقة الحسين وما حولها، ذهبت وجلست على مقهى الفيشاوي وبهرني المكان بما يحتويه من متناقضات، لكنها لوحة تضم أناسا من طبقات مختلفة الغني والفقير، العامل والمهندس، المثقف والفنان وأيضا الأمي، كل هذه البوتقة تضعك أمام مشهد مثير يحتاج لوقت طويل لكي تتمعن فيه.
أيضا زرت المناطق الأثرية مثل الأهرامات ومتحف القاهرة الذي أعجبني بنظامه وما يحتويه من تراث شعبي مصري، أما أسوأ شيء لاحظته في رحلتي للقاهرة فهو الاستغلال الكبير من أصحاب المطاعم والمحلات، صحيح ان المصريين يمتلكون حساً فكاهياً راقياً، لكنهم أحيانا يوظفونه في عملهم لينالوا البقشيش أو أكثر مما تستحقه سلعتهم.
انفتاح سنغافورة
في لبنان أعجبتني روح اللبنانيين ومرحهم وحبهم للحياة، فهم شعب يعرف كيف يضع الابتسامة في الظروف الصعبة، وهم كرماء ولهم أسلوبهم الخاص في الضيافة ويعتنون بالسائح ويقدمون أفضل ما عندهم من خدمة، ولبنان معروف بمطاعمه الراقية ووجباته اللذيذة، إضافة إلى آثاره العريقة ومناظر الطبيعة والشواطئ الجميلة، لكن الأوضاع السياسية غير المستقرة تؤثر على الحركة السياحية فيه.
وأظن أن لبنان يستحق اهتماماً أكبر في دعم سياحته وبنيته التحتية، فهو بلد مؤهل أكثر من غيره ليكون محط أنظار السائحين سواء من العرب أو الأجانب، وزرت ليبيا مرة واحدة وتجولت في أسواقها كل شيء في الأسواق الليبية متوفر وبأسعار زهيدة، فالحكومة الليبية تدعم السلع بمختلف أنواعها، لكن أدهشتني آثار ليبيا التي لا يعرفها الكثيرون، وذلك لانعدام الاهتمام الكافي بها.
حب العمل والنظافة في سنغافورة
زرت معظم بلدان شرق آسيا بحكم العمل، سواء لتوقيع عقود أو للتعاقد مع العمالة الفندقية، وعشت في سنغافورة عامين للعمل، وهي بلد نظيف جداً ومنظم للغاية، والناس هناك يحافظون على النظافة وإذا رآك أحدهم تلقي بالقاذورات في غير المكان المخصص فهو يقوم بتوجيهك في الحال، كذلك محافظتهم على النظام في تحركاتهم سواء بالسيارة أو غيرها، والشعب السنغافوري لديه حرية تامة في نقد القوانين وإبداء رأيه فيها، خصوصاً إذا عرفنا أنهم خليط من أصول عربية وهندية وصينية.
وإن كانت الأصول الصينية هي الغالبة، أما العرب فلديهم شارع باسمهم ويمتلكون محلات تجارية، وجميع هذه الأعراق تنصهر في بوتقة واحدة تعمل من بلدها، وأجمل شيء رأيته في الشعب السنغافوري أنه محب للعمل أكثر من أي شيء آخر، لدرجة أنني أضحك عندما أتذكر أن الحكومة تعطي الأزواج مبالغ مقابل كل طفل ينجبونه.
وأنهم ليس عندهم الوقت حتى للإنجاب، إلى هذا الحد يحبون العمل ويتفانون فيه، بجدية وإخلاص، وأراهم بهذا الإخلاص قد قادوا بلدهم نحو، النجاح، ولا أخفي أنني استفدت منهم ومن طريقة تفكيرهم، أما سنغافورة بحد ذاتها فهي مدينة جميلة وتجارية من طراز فريد، تأخذ الطابع العصري الحديث في أبنيتها واعتمادها على التقنية الحديثة، وهي بلد مفتوح أمام الحركة التجارية.
غير أنها بعيدة كل البعد عن الحقل السياحي الذي يحتاج إلى شواطئ وروح، وهذا ما تفتقده سنغافورة، وعلى عكس ذلك تأتي تايلاند في المقام الأول اعتماداً على السياحة فهي تستغل شواطئها وتراثها وفلكلورها وتوظف كل ذلك في خدمة السياحة، لكنها خلقت للسياحة فقط، وأنا أشعر براحة كبيرة في تايلاند التي أزورها باستمرار، وتايلاند الآن لديها أجمل مطار رأيته في حياتي، فمطار بانكوك الجديد يعتبر تحفة بحق، وقد تفوق كثيراً على مطار سنغافورة الجميل.
السؤال الفلبيني العالق
أستطيع أن أقول إنني زرت بلداناً كثيرة قد لا يتسع المجال للحديث عنها جميعاً، لكن تظل الفلبين أيضاً في ذاكرتي بعد أن تركت في نفسي سؤالاً لا أجد له إجابة حتى الآن، لماذا يترك الفلبينيون بلدهم ويعملون في الخارج، فقد وجدت في مانيلا أشياء كثيرة متوفرة وبأرخص الأسعار، شوارعهم نظيفة ومنظمة، وأسواق محترمة ومرافق على أعلى مستوى، وفنادق ومطاعم راقية، والشعب الفلبيني محترم للغاية ويعرف كيف يتعامل مع بعضه البعض ومع ضيوفه بشفافية ورقي وأنا أعتبره من أرقى شعوب العالم تأدباً واحتراماً بالغير.
في سفراتي أحرص على أن تكون أغراضي الخاصة في حقيبتي، ثم جهاز الكمبيوتر والكاميرا، وأختار البلد الذي سأزوره عن طريق الأصدقاء، والتلفزيون والمطبوعات ذات الطابع السياحي الترويحي، أما البلدان التي أحب زيارتها فهي الصين واليابان وكوريا.
فهي بلدان استطاعت أن تدخل السوق العالمي وتنافس بقوة وفي نفس الوقت حافظت على خصوصيتها التراثية والاجتماعية، وهذا الأمر يدعو للتعجب والإعجاب أيضاً، أما البلد الذي لا أحب زيارته فهو الهند، رغم الحضارة العريقة التي تتمتع بها.
وسبب ذلك أنني لم ارتح في زيارتي لسيريلانكا وصورة الفقر التي صدمتني وأخشى أن أراها في الهند، وبخصوص الهدايا فأنا أشتري من كل بلد التحف التي تعبر عن ثقافته وتراثه كتذكار، كذلك أتسوق بشراهة خصوصاً الملابس، ودائماً ما أعود بحقائب تحتوي على مشتريات مختلفة، أما رحلتي المقبلة فستكون إلى بلدي المفضل غامبيا.
عزالدين الأسواني



