عندما سألت محمد بن خلفان المطيوعي منذ متى وطأت أقدام أجداده منطقة حتا، أجابني بكل بساطة ذلك منذ زمن بعيد كل ما اذكره أن والدي وجدي وجد جدي سكنوا هذه المنطقة، وما زلنا نعيش فيها حتى اليوم، إذن حتا ليست منطقة حديثة جملتها يد الإنسان بل هي قرية تضرب بقدمها في عقد التاريخ حيث تتوغل في التاريخ 2000 عام، حسب مادلت عليه المكتشفات الأثرية وحياة الإنسان فيها، ويقال حتا الغافية الواقعة بين الجبال كانت تسمى أيضا بالحجرين لأنها بين جبلين، وهي اليوم منطقة زراعية خصيبة برغم وعورتها فوفرة المياه فيها لعبت دوراً كبيراً في دفع سكانها لممارسة الزراعة، خاصة بعد بناء سدين فيها أكبرهما سد الحساوي.
تقع حتا على بعد 100 كيلو متر من دبي، والطريق إليها مسفلت ممهد يمر بعدة مناطق مثل المدام والهباب ومزيرع ومصفوت ويخترق جزءا من ولاية محضة التابعة لسلطنة عمان ، وتقع حتا على سفوح جبال تحيط بها المياه المتدفقة من هامات الجبال، ويعد وادي القحفي أهم موقع سياحي فيها وهو واد طويل ينبع من سلطنة عمان ويمر مخترقاً حتا في طريقه إلى البحر، وأيضا توجد المزارع وتكثر البساتين وتنوع أصناف الثمار فيها من النخيل والمانجو والرمان، ويسود منطقة حتا بشكل عام مناخ صحراوي يكون شتويا بارداً كثيف الغيم في الشهور الأولى من العام ويزداد معدل هطول الأمطار في هذه الفترة، أما في شهور الصيف فيكون الجو حاراً قائظاً تهب فيه رياح الكوس والسموم، لكن الجميل أن هناك أمطاراً موسمية تهطل في فصل الصيف مما يبدد جزءاً كبيراً من حرارته.
وعودة لجذور ضيفنا سألناه بداية عن اسمه وماذا يحمل لنا من ذكريات من الماضي البعيد عن حتا، فأجابنا: اسمي هو محمد بن خلفان بن سعيد بن علي بن سعيد بن حمد بن عبد الله بن سعيد المطيوعي، لي ستة من الأشقاء و12 من الأبناء ولدت في حي الحيل في حتا، عملت لأكثر من 12 سنة في الجيش او ما كان يسمى آنذاك قوة كشافة الساحل والتي كانت أساساً لتشكيل قوات الدفاع الاتحادية، بعد ذلك عملت في وزارة الصحة لمدة 10 سنوات وبعدها أحلت إلى التقاعد، وهانذا أعيش اليوم في حتا بين أولادي وأحفادي.
منبت التبغ طفولتي كانت كغيرها من أطفال المنطقة الدراسة في الكتاتيب، والتي لم أتجاوزها إلى جزء عمّ فقط، وكل سنوات الطفولة كانت في الرعي وحمل الرطب والتبغ إلى دبي على الركاب وبيعه ومن ثم العودة إلى حتا محملين بالعيش (الأرز) والقهوة وكل ما يحتاج إليه الناس في هذه المنطقة، ومعروف أن أهل حتا اعتمدوا على الزراعة في كل حياتهم، وكانت هي مصدر رزقهم، وكانت تبيع التبغ الغليون والتمر إلى البحرين ودبي، التبغ المصدر الرئيسي حيث كان يزرع بكثرة فيها، وعندما يقوم الأهالي بحصاده يصدرونه إلى الخارج، ومازال بعض الأهالي يزرعونه حتى الآن إلا انه قليل جدا
الرحلة إلى دبي 8 أيام
كان السفر على الركاب من حتا إلى دبي يستغرق ثمانية أيام بلياليها، ومن الجماعة التي كانت ترافق الوالد خلفان أصدقاؤه وربعه أمثال احمد بن حميد واحمد بن سالم وبن حسين وغيرهم ممن لاتسعفنا الذاكرة بأسمائهم.
وتعد حتا موطنا لقطعان من الحيوانات البرية كالوعل والغزال البري وماعز الجبل والظباء، وأهالي حتا يعرفون منافذ الجبال ويحفظون دروبها المختلفة ويدركون مكامن الخطر والسلامة فيها، لذلك كان البعض يمتهن القنص ومنهم الوالد رحمة الله عليه، وكان يذهب عادة إلى مناطق تواجد هذه الحيوانات ويعمل على اصطيادها وربما تعلمت منه القنص وهي أصبحت هواية لكثير من أبناء الإمارات وتعد اليوم من التراث الشعبي الإماراتي.
ولذلك حتا اليوم أبوابها مشرعة لمن يهوى التراث ويريد أن يعود بذاكرته للأيام الخوالي من عمر الإمارات قديما، ففي هذه القرية تجسيد جميل للماضي ولكل صوره القديمة من بيوت سعف وطين ووسائل شرب وطهور واكلات شعبية، بل أنها أشبه بالمتحف الحي لكل ماضي حتا الذي يشكل جزءا لا يتجرأ من ماضي الدولة العريق، كذلك فإن العديد من القلاع والحصون مازالت تقف شامخة على جبال حتا وكأنها تحرسها من الغزاة.
لكن الذين اعرفهم منذ زمن طويل يعيشون في هذه المنطقة هم قوم المطاوعة والموايد والصوالح والسواعد ولكن يقال أن أهل حتا القليلين ينتمون جميعهم لقبيلة (بني كعب) العربية مما يميزهم بصفات العرب الأصيلة من الكرم والجود والشجاعة والمروءة.
بيوت القرية كانت تشيد من الطين والحجارة، أما في المناطق القريبة من سفوح الجبال فقد استخدم العريش ولم يتبق منها الا النزر القليل، كما أن البيوت كانت تزود بالمياه عن طريق الافلاج التي تنقل مياه العيون والأمطار إلى المزارع التي تكثر فيها زراعة أشجار النخيل والمانجو والليمون، أما مكونات هذه الافلاج فكانت من الطين المحروق(الصاروج) والحجارة العادية الموجودة في المنطقة المحيطة.
العادات والتقاليد ظلت كما هي من حيث التمسك بالكرم والضيافة والحفاظ على أصالة المجتمع وتاريخ المنطقة، والاختلاف اليوم بالمدنية التي طغت على كثير من مدن وقرى دولة الإمارات، وأصبح الكثير يواكب هذه المتغيرات لكن في البر مازال عدد كبير منهم متمسكا بأصالته وعاداته القديمة.
في القديم كانت المعيشة صعبة والناس دخلها قليل جدا وبالرغم من ذلك كان الجميع يتعاون في شهر رمضان وتفرش الموائد من الأغنياء للفقراء، واليوم والحمد لله الجميع يفتح بيته للصائمين.
كما هو الحال في كل زمان ومكان رحلة الزواج تبدأ بالخطبة، والخطبة هنا تبدأ حين يقرر الشاب الزواج ويبدأ في البحث عن عروس مناسبة، فإن كانت من أهله فإن المهمة تصبح سهلة حيث يفضل الأهل زواج الأقارب، وإن كانت من خارج العائلة فإن أهل العريس يبعثون إلى أهل الفتاة من يبلغهم برغبتهم في زيارتهم.
وفي هذه الحالة يعمل العريس على التقرب إلى أهل الفتاة وأقاربها وإرضائهم والحصول على موافقتهم عن طريق تقديم الهدايا وتبادل الزيارات، وقد يستدعي الأمر وساطة بعض ذوي الشأن، وبعد الحصول على موافقة جميع الأطراف يتم الاتفاق على كل شيء بما في ذلك الصداق وهو قدر معلوم يتم الاتفاق عليه.
وكان مابين 110 إلى 160 روبية، وأفراح الزواج تستمر حسب ظروف العريس قد يستمر أسبوعاً أو ثلاثة أيام ، وللأفراح رقصات معينة تعبر عن السرور والبهجة حيث يقام المكسار الذي توضع فيه مختلف أصناف الأطعمة كما تنحر الذبائح، وفي البادية يحيي البدو أفراحهم بالعيالة والليوا والأهل والمالد بالرزيف ويغلب عليه الأداء الجماعي ويشارك فيه كل أفراد المنطقة بالغناء والرقص، كما كان يقام سباق الجمال في مثل هذه الأفراح.
يمكن القول ان الشعر انه من عادات أبناء المنطقة كما هو الحال عادة البدوي الذي يحب الشعر، وأنا تعلمت الشعر بالفطرة ولي الكثير من القصائد التي قيلت في مناسبات كثيرة ومنها جاني جواب عليه من شخصيات كبيرة محبة ومتقنة للشعر.
عندما دعوت بعضا من أعيان ووجهاء حتا إلى بيتي قلت قصيدة طويلة مطلعها:
يوم التقينا بالمناعير لشراف
غاب الكدر والهم عنا وبهينا
أهل ألوفا وأهل المعزة وعراف
خصيمهم لوحي يوقع دفينا
تاريخهم واضح وبالعين بنشاف
ما ملوثه زود الغباير وطينا
يشرق شرات الشمس من خلف مغداف
وحنا على نهج العوايد مشينا
او كما قلت في قصيدة تخريج دورة الأشبال في حتا:
حتا ترحب من لفاها
ضباط مع ساده وجمهور
زانت وعلي مستواها
من فضل يلي طايل شبور
شيخ عنا ليها ويباها
رمز تخلي القلب مسرور
باذل جهود من قداها
الها ولا يحسب لمخسور
عدل مناظرها وبناها
وسدود فيها تجري انهور
يلي شرات النيل ماها
ترتاح يوم انك تب أتزور..
إلى أخره من القصيدة.
المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان يقضي إجازته في حتا حيث لحتا مكانة خاصة في نفسه، وظل من بعده المغفور له الشيخ مكتوم واليوم تحتل حتا نفس المكانة في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وأيضا سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وجميع شيوخنا الأفاضل يولون المنطقة كل اهتمامهم ورعايتهم.
جميل محسن



