تزخر الساحة الثقافية الإماراتية بالكثير من المثقفين الذين يضيفون وفرة للناتج الثقافي الإماراتي على اختلاف توجهاتهم. بعضهم مخضرم وبعضهم مبتدئ وبعضهم في منتصف الطريق بين هذا وذاك. بعضهم يلقى الصدر الرحب من الرأي العام المحلي، وبعضهم يضيق به ذلك الصدر، وقلة منهم لا يلقون صدرا يستقبلهم أصلا. والسبب يكمن في اختلاف التوجهات بين المثقف والرأي العام المحلي.

إنه لمن المحزن أن نرى إبداعات واعدة تحاول جاهدة أن ترسم طريقا خاصا بها في شبكة الطرق، وتثبت جدارتها وإبداعها، وتستخدم الأدوات المتوفرة لديها لترفع من جودة إنتاجها، لا يتقبلها الرأي العام المحلي بسبب كونها لا تتوافق في التوجهات، بل ويكال إليها التهم بالإساءة، إما للدين أو للتاريخ أو للأعراف أو للتقاليد أو الموروث الشعبي.

كلنا أبناء وطن واحد يجمعنا، وكلنا نريد خير هذا الوطن، كما أننا جميعا نهتم للدين وللتاريخ وللأعراف وللتقاليد وللموروث الشعبي لدولة الإمارات، تماما كما يهتم الرأي العام المحلي.

إلا أننا في نهاية المطاف بشر، قد نصيب وقد نخطئ. وما نتمناه من الرأي العام المحلي ألا يطعن في نوايانا ولا يجرح وطنيتنا ولا يذم أخلاقنا. كما نتمنى منه أن يوجهنا لو وجدنا مجانبين للصواب في طرح فكرة لا تتوافق وتوجهاته، لا أن يكفرنا ويطالب بهدر دمائنا.

إن التوجيه والتصويب من صميم أصالة المجتمع الذي ننتمي إليه، فلماذا يصر البعض على إجهاض إبداعات جديدة ولدت لتكبر وتكبر معها أحلام الشارع الإماراتي الذي صار يصرخ منذ فترة طالبا بإنقاذ اللغة العربية والهوية الإماراتية، بدلا من الأخذ بيدها وتوجيهها كلما أخطأت؟ ولماذا يصر البعض على «التنبيش» بماضي المثقف والحكم عليه وعلى ما يقدمه من أعمال على ذلك الأساس، إذا كان ذلك المثقف يقدم منتجا عالي الجودة تعتريه بعض الشوائب في بعض الأحيان؟

لا بد لنا أن نعلم كأبناء لبلد واحد بأن المد الثقافي الآخر الذي غمرنا غير توجهات الكثير منا، وذلك أمر لا نستطيع إنكاره. بل والأمر من ذلك أن المد الثقافي جعل البعض منا يعيش انفصاما في التفكير وتشوشاً كبيراً لا يجد منه مخرجا. والحل لا يأتي في صورة بتر ذلك البعض، ومحاربته وتهميشه والتقليل من شأنه وتصغيره.

الحل يكمن في أخذنا بيد بعضنا البعض واهتمامنا لأمر بعضنا البعض، سواء اختلفنا في التوجهات والأفكار أم اتفقنا، ومحاولة التقريب بين وجهات النظر وفهم الطرف الآخر.

ولا ننسى أن الرسول عليه السلام طالبنا بنصرة إخواننا ظالمين أو مظلومين. إننا إخوة في بلد واحد، فعلام نتحارب؟

لقد أصبحنا اليوم كدولة نتكلم عن كيفية تجسير الهوة بين الثقافات المختلفة في العالم، وكيف أن تجسير تلك الهوة كفيلة بأن تقارب بين وجهات النظر وتعمق من فهمنا للآخر وتحارب الإرهاب والتشدد، إلا أننا وفي ذات الوقت نمر بفترة نجد فيها عددا من الهوات بين فئة المواطنين أنفسهم.

أليس من المنطق أن نقوم بتجسير تلك الهوة فيما بيننا قبل تجسيرها بيننا وبين غيرنا؟ نحن المثقفين قابلون للتشكل.

laila_badri@yahoo.com