هل تنتمي إلى أولئك الذين يعتقدون بأن الرياضة المنتظمة المقرونة بالنظام الغذائي قليل الدسم هي أفضل ما يمكن أن يقدموه لصحتهم؟ ليس بالضبط. فإن كنت تنتمي إلى تلك الفئة، فقد يغير ما ستقرؤه في الفقرة التالية ذلك الاعتقاد بشكل كامل.

يعتقد الخبراء بأن العطاء يكسبنا أكثر بكثير من مجرد لحظة عابرة من الإحساس بالسعادة. فصحتنا هي الكاسبة الأولى من عملية العطاء. ففي دراسة شملت ألفي شخص تم إجراؤها بمعهد باك لبحوث التقدم في السن في نوفاتو بكاليفورنيا، توصل الخبراء إلى نتيجة مذهلة.

وهي أن الأشخاص الذين تطوعوا بمنظمتين أو أكثر كانوا بمنأى عن الموت بنسبة أربع وأربعين بالمئة مقارنة بالأشخاص الذين لم يقوموا بالتطوع في أية جهة، وذلك بعد تعديل أوضاعهم الصحية والرياضية والزواجية. كما تغلب التطوع على ممارسة الرياضة لأربعة أيام في الأسبوع.

واكتشفت دراسة أخرى أجريت على أربعمئة وسبع وعشرين امرأة بأن أولئك اللواتي مارسن أي نوع من التطوع تمتعن بوظائف جسدية أفضل بعد ثلاثين سنة. لذا فإن العطاء هو أفضل ما يمكنك تقديمه لصحتك.

إن النتائج السابقة ليست بغريبة علينا كعرب ومسلمين. فنحن نعلم بأن العطاء يولد بيننا وبين من نعطيه الكثير من المشاعر الإيجابية التي تنعكس بدورها علينا وتمنحنا الشعور بالسعادة في ذات اللحظة وبالرضا عن النفس لفترة طويلة، والأهم من ذلك كله الشعور بالطمأنينة الذي تمنحنا إياه تقوية علاقتنا بالله خاصة إن كان ذلك العطاء واجباً دينياً.

فالعطاء في شتى صوره ينمي العلاقات والروابط بين أفراد المجتمع ويقويها، ويشيع في قلوب مستقبلي العطاء الطمأنينة بوجود من يسندهم في حال الحاجة، ويرتقي بالمجتمع الممارس للعطاء إلى الترفع عن صغائر الأمور وإلى زكوة النفوس.

فهلا تمعّنا في «وما تنفقوا من خير فلأنفسكم»، وكم تحوي من معان ودلالات قد تغيب عن بعضنا؟

إن التكاتف والتآزر وإغاثة الملهوف من شيم العرب الأصيلة، ومن أخلاقهم الرفيعة، إلا أن المدنية الطارئة على المجتمع عصفت بالكثير من تلك المعاني الجميلة التي تمتع بها العرب في الماضي، وأصبحت الكثير من العادات الدخيلة على المجتمع العربي تزاحم الأصالة والرقي في التعامل بين أفراد المجتمع.

فانقطعت صلات الرحم في الكثير من العائلات، وانقطع الوصل بين الجيران الذين لا يفصل بينهم إلا سور مشترك، وغلبت الكثير من المشاعر المادية العلاقات بين أفراد المجتمع، فتفشت الكثير من الأمراض والاعتلالات الجسدية بين الناس.

فلنهب ما نملك، ولنهب ما نحب، ولنفكر بغيرنا من الناس، ولنشعر بالفرحة لفرحة الغير، لا بالغيرة والحسد، ولنعطي غيرنا ما نحتاج نحن إليه، ولنمرر الفانوس الذي ينير دربنا لغيرنا، ولنطرح الأنانية أرضاً لتعود كل تلك المشاعر الجميلة التي افتقدناها يوماً، وليعود خير كل ما وهبناه لأنفسنا.

laila_badri@yahoo.com