يتغير وجه الدنيا يوماً إثر يوم.. تضيق مساحات وتتسع أخرى. ولا سبيل للدائرة إلا أن تدور، وللحكاية إلا أن تكتمل عناصرها كي تندغم في نسيج الحياة وما يبدو مرحلياً يصبح جوهرياً ذات حين، وما يبدو رقعة خالية سرعان ما يغص بالخلائق وتتفجر به طاقة قصوى تفعل كل ما حولها. على هذه الحال تصبح الدنيا وتمسي، ونحن نصغي إلى النشيد اليومي والتجربة اليومية التي تغتني بتراكم الخبرات، خصوصاً حين تتأسس هذه الخبرات من خلال مشاركتها في أوائل المعرفة العملية، وتكون شاهدة على تبدل وتطور مرحلة بأكملها.

من هنا التقينا محمد سعيد الموعد مدير معهد بوليفلوت للغات الذي يحمل الترخيص رقم (1) كأقدم المعاهد التخصصية في الدولة. ولا شك أن الإلمام باللغات، هو من الضرورات الملحة التي فرضتها أشكال الحياة المنفتحة على بعضها البعض في رقعة تضم بين جدرانها مختلف الجنسيات والأعراق، وتضع نصب عينيها طموحات لا يحدها حد. ومحمد الموعد إماراتي من أصل فلسطيني، ولد في قرية (الغازية) في لبنان وعاش طفولته في عين الحلوة واشتد عوده في مدينة صيدا، وتعود أصوله إلى قرية صفورية في فلسطين التي يعتبرها حلمه الدائم الذي لابد أن يعانقه ذات يوم. تجربته في الحياة وتنامي خبراته يدين بها إلى دبي والتي تمثل له عشقه الدائم، حيث قدم منذ مطلع السبعينات، والتصق بها التصاقاً وثيقاً حتى الآن.

والموعد حاصل على دبلوم فن معماري، عمل أول الأمر في شركة مقاولات ثم توظف في حكومة دبي كمراقب مبان. وقد أتاح له وقت الفراغ المسائي آنذاك الالتحاق بمعهد بوليفلوت للغات، كأحد طلبته، قبل أن يتحول إلى إدارته ومن ثم إلى صاحب المعهد الذي تشارك في إدارته مع زوجته ديانا الموعد البريطانية الأصل. وعن سيرته مع المعهد والدور الذي قام به في تأهيل وتدريب العديد من الكفاءات والخبرات الوطنية والوافدة، يقول: كان لدي رغبة في تطوير مهاراتي في اللغة الانجليزية، حيث التحقت بالمعهد البريطاني، ثم قصدت معهد بوليفلوت الذي كان موقعه على الخور، وكان يحتل طابقاً كاملاً في بناية خوري، وكنت إلى جانب تعلمي للغة أمارس هواية في لعب تنس الطاولة، وكان المعهد بسيطاً بمعداته وأدواته رغم مساحته الكبيرة وموقعه المهم.

ورغم الكفاءات التي تدرس فيه، وقد شعرت بأن المعهد ينقصه لمسة خاصة ومعدات أخرى يمكن أن تدخل إليه التحسينات الضرورية، فتوجهت إلى المدير وقدمت له اقتراحاتي وكان المعهد الوحيد في الدولة آنذاك وهو أحد فروع معاهد بوليفلوت العالمية التي تتخذ من لندن مقراً لها. وكان صاحب الامتياز الأساسي ألماني الأصل، فيما كان يديره بريطاني الأصل. المهم أنه أبدى ارتياحه لمبادرتي وطلب مني أن أعمل معهم في الفترة المسائية، كي أشرف بنفسي على التعديلات المقترحة. ثم بدأت العمل بجدية وقد ألغيت غرفة الطاولة وجلبت معدات حديثة ووسائل نموذجية للتدريس. وأصبح المعهد يستقطب المزيد من الطلبة محققاً إقبالاً وجانباً ربحياً لا بأس به. ويضيف لم تمض سنة حتى جاء صاحب المعهد وأعجبته التحسينات، والجهد الذي بذلناه، وبعد فترة من الزمن استقال مدير المعهد، فتوظفت زوجتي مديرة له وبدأنا سوية.

وفي الثمانينات عرض علينا صاحب المعهد فكرة شرائه وهكذا اشتريناه ونحن عاقدون العزم على المضي في تقديم أفضل ما نستطيعه من كفاءات تدريسية ودورات تخصصية. وقد كان المعهد يدرس الألمانية والفرنسية، إلى جانب اللغة الإنجليزية ودورات السكرتارية التنفيذية.

وكانت البرامج الأساسية التي نعلمها معترفا بها من بريطانيا وتابعنا المسيرة بنظام دقيق وأجور معتدلة. وكان طلابنا من القيادات والمسؤولين وأغلب الخبرات التي تراها الآن كانوا من طلاب معهد بوليفلوت والعديد من الضباط والألوية والسيدات البارزات درسوا في المعهد، كما كان لدينا باع طويل في تعليم البنوك والبلديات والجهات الرسمية التي أبرمنا معها العقود لتعليم اللغة الانجليزية لموظفيها.

ومازلنا حتى الآن نعمل دون أن يقدم بحقنا إنذار أو إدانة، فنحن مسؤولون أولاً وأخيراً أمام أنفسنا وأمام طلبتنا، ونحن الآن نعلم دورات كامبريدج للكمبيوتر ودورات التوفل القديمة والحديثة ودورات بيسماتر للسكرتارية التنفيذية.

تبدلات وأصول

بعد أن كان لبوليفلوت الريادة والأسبقية على مستوى معاهد تعليم اللغة ودورات السكرتارية، اجتاحت الإمارة موجة كبيرة من المعاهد بطريقة تفوق احتياجات المكان الحقيقية ذلك أن البلد شهد تطوّراً ونموّاً سريعاً وانفتاحاً على العالم بمختلف جنسياته.

وأصبح قبلة لمختلف الشركات العالمية، إلى جانب نمو الجانب التعليمي والأكاديمي الذي أصبح يدرس بدوره اللغات المختلفة، ورغم ذلك استمر بوليفلوت محافظاً على مبادئه الأساسية بالعناية وتقديم المناهج التعليمية الصحيحة وبعيداً عن الهدف الربحي والتجاري رغم وجود العديد من المعاهد التي حاولت استقطاب الشريحة المعنية بكافة الوسائل، إلا أن غاياتها الأساسية كانت تجارية بالدرجة الأولى.

وذلك ما يؤكده الموعد في سياق حديثه عن تطوّر ونمو الاستثمارات في مختلف القطاعات التجارية أو العلمية ويقول: ما يميزنا عن سوانا هو أن معهدنا تأسيس بالأصل في بريطانيا ولدينا التزام دقيق بكافة القواعد والأسس التي اشتهرت بها سلسلة معاهد بوليفلوت إلا أن الكثير من المعاهد أخذت تقلدنا بدءاً من أساليب الإعلان وانتهاء بعدد ساعات الدورات، إلا أننا الوحيدون الذين لديهم كتاب خاص يدرس اللغة العربية كلغة أجنبية.

ولدينا كتاب باللغة الانجليزية أشرف على صياغته 9 مختصين من مختلف الأقطار وضعنا فيه عصارة فكرنا لإبراز وجه الإمارات الحضاري، وقد نلنا عليه جائزة دولية في الوقت الذي لم يلتفت إليه أبناء بلدنا رغم أنني أرسلته إلى مختلف المعنيين والمسؤولين في الدولة وكنت أتوقع أنه سيتم بيع الكتاب وتوزيعه واعتماده، رغم اعتزازي وتقديري لالتفاتة محمد المرّ وتنويهه عن الكتاب في إحدى مقالاته.

ويعود الموعد إلى همه الأساسي حيث يقول: نحن معهد خدماتي معني بمصلحة الطالب أولاً، رغم أنه لا يحقق الآن سوى أرباح بسيطة بسبب توسع البلد وأزمة المواقف والسير وبسبب استشراء ظاهرة المعاهد الخاصة وغير المرخصة التي يجب إغلاقها، ويجب أن تمارس وزارة التربية والتي أصبحت الآن «هيئة المعرفة» أن تمارس دورها بالإشراف على هذه المعاهد ومتابعتها وإقصاء التجاري فيها.

وعن هذا الجانب المتعلق بالعمل الوزاري يقول: كان لدي العديد من الانتقادات تتعلق بازدواجية القوانين في وزارة التربية وبأخطاء بعض الموظفين وقد وجهت إليهم الرسائل البناءة التي تتضمن مقترحات عديدة تتعلق بضبط المعاهد وتطوير آلية العمل نفسها إلا أنني لم أتلق الردّ الشافي بانتظار أن تحقق ذلك «الهيئة الجديدة» إن شاء الله.

استراحة المحارب

ويضيف مازلنا نمثل استراحة المحارب بالنسبة لما يحدث ونحن نمثل الشكل المحافظ للمعاهد وقد عملنا أكثر من ربع قرن في هذا المجال كالقابضين على الجمر وعيونهم على تطور إمكانات ومهارات الطلبة.

من العام إلى الخاص ينتقل بنا موعد وهو يمزج تجربته اليومية ببعدها المستقبلي، يقول:

شاركت في بناء الحجر والبشر وأنا من أوائل الذين أسهموا جسدياً وذهنياً في خدمة البلد، فقد عملت في شركة الملا في أهم المشاريع الإنشائية آنذاك، وأول مسجد أنجزته كان عام 1976 وهو مسجد خت، وضعت في الحمرانية ووقعت عن منابر المساجد في عجمان، وتوغلنا في أقاصي الصحراء للعمل والبناء، أماكن لم يكن أحد ليصل إليها.

ويضيف: كتبت في جريدة الخليج تايمز زاوية اسمها (وصلة لغوية) وكان لي إسهامات في مجلة الرياضة والشباب، وكنت حريصا على تقديم خبراتي كلما استطعت ذلك والحقيقة أن ما ساعدني على ذلك هو ارتباطي بامرأة من أصول بريطانية عريقة وحاصلة في الوقت ذاته على بكالوريوس في اللغة العربية من جامعة لندن، ولديها شهادات تعليمية باللغة الانجليزية من عدة مستويات وعندها كفاءة استثنائية في أصول تعليم اللغة الانجليزية، ومعها ويدا بين ألفنا كتاب (مدرسة في الصحراء) السالف الذكر، وكتب اللغة العربية التي تدرس للأجانب.

وأشرفنا سويا على إدارة المعهد وإدارة المنزل الذي من الله علينا بعونه وفضله بأولاد متفوقين وبارزين في دراستهم وفي مواقعهم العملية.

هكذا ببساطة يتحدث الموعد عن سيرته ممزوجة بالمعهد الذي أمضى بين جدرانه ردحاً طويلاً من الزمن وهو ينظر بعين على الطلبة وعين على ما يحدث في العالم من تبدل للمفاهيم ونمو وتطور سريع وملحوظ في دولة استطاعت ان تنجز مشروعها وهي تضع دائماً عتبة الطموح فوق كل ما تحاول بنيانه أو تشييده.

اسماعيل الرفاعي