عمر الديسي أطل على بواكير العمل الصحافي في الإمارات من خلال تجربة أرست قواعد الصحافة المحلية منذ العام 1965، وجاب مسالك الصحافة الوعرة في أشد فترات الأمة العربية فرحاً وانكساراً، فهو من مواليد القدس في ثلاثينات القرن الماضي، وتخرج من الكلية الرشيدية في عام 1948، لم تسعفه الظروف آنذاك ليكمل دراسته في جامعة هارفارد في بريطانيا فعاد إلى الأردن والتحق بجامعة عمان ليدرس القانون، وحصل على الاجتياز من جامعة لندن، ثم التحق بالعمل في دائرة المطبوعات في الأردن. وأصدر في تلك الأثناء نشرة إخبارية ضمن إصدارات الدائرة، إلى أن تحولت هذه النشرة إلى وكالة الأنباء الأردنية فأصبح مؤسساً للوكالة وأول رئيس لها، كان ذلك في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وأصبح بعد ذلك المرافق الإعلامي للراحل الملك حسين إلى أن تم إعادته ليكون مديراً لدائرة إعلام دبي ورئيس تحرير أخبار دبي في العام 1972، مروراً بعمله في «البيان» ثم غرفة دبي التجارية منسقاً إعلامياً.
قال عمر الديسي جئت إلى دبي معاراً في العام 1972 وبناءً على طلب من دائرة إعلام دبي لأكون مديراً لها ورئيساً لتحرير مجلة «أخبار دبي»، في ذلك الوقت كانت الصحافة الإماراتية تخطو خطواتها الأولى بصدور جريدتي «الخليج» و«الاتحاد»، لكن «أخبار دبي» كانت قد بدأت المسيرة منذ عام 1965 وكانت تصدر على هيئة نشرة من أربع صفحات تهتم بالأخبار الاجتماعية والسياسية في إمارة دبي، ثم اتخذت شكلاً متطوراً في عام 1969 لتصبح مجلة تضم أبواباً متعددة وتقدم خدمات تهم المواطن، وتلامس متطلباته اليومية، ثم تطورت كثيراً بعد قيام الاتحاد، وتنوعت الموضوعات التي تتناولها بشكل أسبوعي، ومن أهم الموضوعات التي كانت تتناولها المجلة تلك التي تعكس نبض الشارع، من حيث الخدمات المطلوبة، وطرح المشكلات ومحاولة إيجاد الحلول والحق ان هذا النهج كان مقصوداً تماماً عندنا في «أخبار دبي»، فقد كانت جريدتا «الاتحاد» و«الخليج» تهتمان أكثر بالخبر اليومي وهما جريدتان يوميتان، لكننا في «أخبار دبي» كنا نتابع ما وراء الخبر ونعمل على توصيله للقارئ، وكنا في هذا الصدد نعي تماماً طبيعة إصدارنا الأسبوعي، ولهذا استطعنا المحافظة على هذا التوجه سنوات دون أن ندخل في منافسة مع غيرنا لاختلاف المضامين المطروحة، ولكن أؤكد على وعينا التام بهذه الأمور، أن حدث وأصدرنا ثلاثة أعداد أسبوعياً لكي نستطيع أن نجاري حدثاً مهماً على الساحة المحلية، حينها توصلنا في دائرة الإعلام لقناعة بأن يصبح الإصدار يومياً، وبالفعل تحولت «أخبار دبي» من مجلة أسبوعية إلى جريدة يومية باسم «البيان»، وعملت حينها رئيساً لقسم الجزيرة العربية، وكان ذلك في عام 1980.
أحد أمثلة حكمة راشد... وعن مساحة الحرية التي كانت متاحة أمامه لتناول الموضوعات الاجتماعية في ذلك الوقت يقول عمر الديسي: دعني أقول أولاً ان من أسرار نجاح الصحافة أن تكون القيادة ناجحة، وكلاهما مرتبط بالآخر ارتباطاً وثيقاً، وأن لقب السلطة الرابعة الذي أطلق على الصحافة لم يأت من فراغ أبداً بشرط أن تقوم بأداء واجبها وتلعب دورها كاملاً، بمعنى أن تتبنى المطالب الشعبية وأن تكون المرأة التي تعكس نبض الجماهير لتنير الطريق أمام القيادة لتتبنى مطالب الوطن والمواطنين، فكلما كانت الصحافة قريبة من الشعب وعكست مشكلاته كلما أصبحت صحافة ناجحة، ومن وجهة نظري ليس صحيحاً على الإطلاق أن القيادة ترغب دائماً في أن يقرع لها الطبول وينفخ لها في المزامير، ولهذا أضرب لك مثلاً واقعياً من خلال تجربتي في «أخبار دبي»، حين قامت الحكومة في 1975 ببناء مستشفى راشد، وحضرت حينها حفل الافتتاح، وصدر العدد التالي من «أخبار دبي» حاملاً وقائع الاحتفال، ومع تلك الوقائع كتبنا معالجة تهاجم فيها المجلة إدارة المستشفى، وفي اليوم التالي للصدور، استدعيت إلى مجلس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ورأيت إلى جانبه مدير الخدمات الطبية د. هانيمان وبين يديه العدد الصادر، وكان هانيمان قد اتهمني عند الشيخ راشد بأنني هاجمت الحكومة في مجلة الحكومة، وعندما سمعت هذا الكلام من الشيخ راشد، أوضحت له أن الحكومة أنفقت الملايين على بناء المستشفى حتى توفر للمواطنين خدمة علاجية على أعلى مستوى، لكن إدارة المستشفى من الفراشين والممرضين والأطباء والإداريين، ليس من بينهم من يتحدث اللغة العربية على الإطلاق، فكيف يستطيع أبناء البلد نقل شكواهم المرضية أو ان يعرف الوصفات الطبية من موظفين لا يتقنون سوى اللغة الانجليزية أو بعض اللغات لدول آسيوية، حينها استفسر الشيخ راشد، رحمه الله، عن هذا الكلام فارتبك هانيمان، ولم يستطع إيجاد تفسير مقنع، ولك أن تتخيل ردة فعل الشيخ راشد وكلامه لي بعد ذلك، إذ أمر هانيمان بأن يصلح إدارته قبل أن يتوجه بالشكوى وإطلاق الاتهامات، بينما أمرني بان أقوم بواجبي وان استقصي الأحوال، وأكتب عن الخدمات المقدمة للجمهور، ولكن دون اتهامات لأحد بدون سند واقعي، واختتم كلامه لي بأنه دائماً سيكون معي طالما أكتب عن الحق والحقيقة.
هذا مثال عن مساحة الحرية التي سألتني عنها، وفي هذا الصدد ليس من باب التباهي ان تقول بأن رؤساء الدوائر والمؤسسات كانوا من أوائل المتابعين لـ «أخبار دبي» وما تنشره من نقد، وأذكر أن المجلة نشرت رسالة لأحد المواطنين يشكو فيها من وجود الحشرات بكثرة في غرف مستشفى الكويت، وكانت النتيجة أن قام وكيل وزارة الصحة بتنظيم حملة نظافة شملت مبنى المستشفى بكامل مرافقه، وقام أيضاً بزيارة إلى مكتب «أخبار دبي»، وعاتبنا على عدم إبلاغه بتلك الشكوى سنوياً بدلاً من نشرها، هكذا كنا حلقة وصل بين الجمهور والمؤسسات المعنية كما هو الحال في تبنينا لمشكلات المواطنين مثلما حدث مع المهندس عبيد الطاير، وكان حديث التخرج من جامعة أميركية، وانضم للعمل في شركة كهرباء دبي، لكن تمت محاربته من قبل الموظفين الآسيويين في الدائرة لإبعاده عن العمل، وتبنت «أخبار دبي» قضيته إلى أن عاد لوظيفته كمواطن له الأولوية ما دامت لديه الكفاءة والقدرة على خدمة وطنه.
وكنت أباشر بنفسي تغطية الأحداث مثلما حدث في حادث الطائرة اليابانية المختطفة في عام 1975 فقد حط الخاطفون بالطائرة في مطار دبي، وكان لابد من تنظيم عملية تهافت وسائل الإعلام ووكالات الأنباء على تغطية الخبر، فتوجهت إلى مطار دبي بصفتي مدير دائرة الإعلام، ومكثت في مكتبي هناك طوال فترة توقف الطائرة لمتابعة التطورات لحظة بلحظة وأزود وكالات الأنباء بعمليات التفاوض مع الخاطفين إلى ان انتهى الأمر بسلام.
الغرفة مرآة دبي
مع بداية الثمانينات كان دور دبي التجاري على المستويين الإقليمي والدولي في اتساع مستمر، وتطلب ذلك زيادة واتساع في دور غرفة دبي التجارية وخدمة التجارة بما في ذلك تعزيز اتصالاتها الخارجية مع الغرف التجارية والهيئات المشرفة على التجارة في أنحاء العالم، وفي عام 1982 اختارني سيف الغرير وكان رئيساً للغرفة آنذاك لأعمل مسؤولاً عن العلاقات الخارجية ومنسقاً إعلامياً بما في ذلك الإشراف على تنظيم واستقبال الوفود من جميع أنحاء العالم.
وأيضاً وضع برامج زيارة وفد الغرفة من دبي إلى المراكز التجارية العالمية، واستمر عملي بالغرفة حتى عام 2003 واستطيع القول ان غرفة دبي التجارية كانت تستقبل سنوياً حوالي 150 وفداً تجارياً من مختلف دول العالم، وترسل وفوداً إلى أكثر من عشر دول سنوياً، وفي تلك الفترة أشرفت على تأسيس حوالي 30 مجلس عمل لمؤسسات أجنبية تعمل في دبي.
كما ساهمت بصورة فعالة في تأسيس ونمو حركة إقامة المعارض التجارية في دبي والتي أصبح عددها الآن يزيد على 100 معرض في مختلف التخصصات سنوياً، والحق ان غرفة دبي ما هي إلا مرآة تعكس النمو التجاري والاقتصادي لدبي على المستويين الإقليمي والعالمي، وربما أكون قد زرت أكثر من أربعين دولة ضمن الوفود التجارية التي نظمتها الغرفة لتعزيز الدور الاقتصادي مع مختلف دول العالم، من الصين شرقاً حتى تشيلي غرباً، وبالطبع كان من ضمن المهام الموكلة إلي ان أتابع نشر أخبار الغرفة في الصحافة المحلية، ومد الصحف بمختلف الفعاليات والمعارض والمؤتمرات التي تنظمها.
تجربة الصحافة الإماراتية ثرية جداً ومتنوعة بما يفي بالغرض المطلوب منها، فهناك بالإضافة إلى تجربة «أخبار دبي» برزت تجربتا «الخليج» و«الاتحاد» والأزمنة العربية التي أخذت منحى سياسياً متفرداً، ومع اتساع مساحة الحريات في إصدار مطبوعات جديدة خرجت العديد من المجلات والدوريات الأسبوعية والشهرية.
منها من اهتمت بالشأن الثقافي وتخصصت فيه، والبيئة تراوحت اهتماماتها بالمنوعات والأخبار الفنية، وهنا أسجل ملاحظة من غاية الأهمية وهي دخول الإعلان بشكل قوي على صفحات الجرائد، وأصبحت الإعلانات تحتل مساحة كبيرة على حساب الخبر والمادة، مع أن معيار شغل الإعلان مساحة من المطبوعة لا يجوز أن يتجاوز 25% من المساحة، وهذا معيار معمول به على المستوى العالمي، وفي رأيي إذا تجاوز الإعلان هذه المساحة فهذا يعني أن نوزع المطبوعة مجاناً على القراء.
عزالدين الأسواني



