تكاد مهمة نشر العدالة والأمن في المجتمع تكون من أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة، ولذلك فإن ترسيخ قواعد العدالة يحتاج إلى عناصر أو أشخاص يمتلكون في ذاتهم القدرة على تطبيق العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه. وبلا شك يجب على هؤلاء التمتع بثقة عالية في النفس، وطول النَفس وعمق التفكير الذي يؤدي إلى اتخاذ القرار السليم.

وفي هذا الحقل، ينشط الكثير ممن امتلكوا القدرة على الفصل بين الناس والحكم بينهم بالعدل، ومن يقرأ التاريخ يجد أننا نحن المسلمين نمتلك رصيداً ثرياً في القضاء. دخلنا قاعات القضاء في الشارقة، وعشنا لحظات بعضاً من ضجيجها الذي لا ينتهي، ولامسنا هموم الناس، وقد وقفوا بين يدي القاضي، ضيفنا كان هناك، ينتظر قدومنا وقد فرغ من جلساته.

وأثناء اجتماعنا به في مكتبه المطل على الماء، دخلت علينا فتاة صغيرة في عمرها، لتسأله عن إحدى القضايا، وما إن انتهى الحديث حتى قالت له، «أنا واحدة من الفتيات اللاتي تدربن على يديك أثناء عملك وكيلا لنيابة الذيد»، وشكرته كثيراً على سعة صدره وحسن تعامله، ضحك تواضعاً وقال لها: «لا شكر على واجب».

لا أنكر أن هذا الموقف قد زاد ضيفي هيبة ووقاراً، ليس أمامي فقط إنما في قرارة نفسه أيضاً، وما إن خرجت حتى بدأنا الحديث معاً عن أبرز مراحل حياته التي أضاءت دربه، وأدخلت السرور إلى قلب والدته التي طالما حلمت باليوم الذي يجلس فيه ولدها على كرسي القضاء فاصلاً في المنازعات، معطياً لكل صاحب حق حقه، متروياً في قراراته ومتحكماً في عواطفه بعيداً عن ضغوط الحياة ومشاغلها التي لا تنتهي أبداً.

إنه القاضي «إبراهيم عبد الله فكري»، الذي استطاع أن يحوز على ثقة الجميع، الأمر الذي منحه فرصة الارتقاء ليصبح قاضياً بعد شغله لمنصب وكيل للنيابة العامة في عددٍ من مناطق الشارقة.

ولم يكن حديثنا مع القاضي إبراهيم فكري، متشعباً وزاخراً بالمصطلحات والمواد القانونية، بل على العكس تماماً، فقد حاولنا من خلاله استكشاف حياة وسيرة هذا الرجل، الذي تتمكن بنظرة واحدة إلى ملامحه أن تقرأ شخصيته الجادة والمرحة في الوقت ذاته،

وما إن تبدأ الحديث معه حتى تكتشف امتلاكه الخبرة العميقة وتفرسه في القانون ومواده وخباياه، والقدرة على التعبير الجميل وترويه في الحديث، وجرأته وحبه للمغامرة، فهو صاحب خبرة طويلة في «جوالة الكشافة»، وهو من عشاق الغوص والسفر والقراءة.

ترحال أيام النشأة

في بداية حوارنا معه يعود بنا فكري إلى سنوات نشأته الأولى فيقول: «ولدت عام 1972 أي مع بداية نشأة وتكوين الاتحاد، في إمارة الشارقة وتحديداً في منطقة المجرة، حيث يقع حالياً سوق المجرة وجسر الخليج أصبحت حالياً من المناطق التجارية المهمة في الشارقة، ثم انتقلنا بعد ذلك للعيش في منطقة القادسية، ليستقر بنا المطاف بعد ذلك في منطقة الرمثة التي ما زلنا نعيش فيها حتى الآن».

ويواصل: «دراستي الأولى كانت في الشارقة، وأتذكر أن أجهزة الدولة في ذلك الوقت ما زالت فتية ولم تكتمل قوتها، وكان التعليم في تلك الفترة موزعاً ما بين «التعليم الحكومي» و«التعليم الديني» (الكُتاب) أو «المطوع» حسبما يطلق عليه أهل هذه المنطقة، وبالنسبة لي فقد تعلمت مبادئ القراءة على يد «الملا طاهر» الذي له فضل كبير على أبناء المنطقة،

وكان ذلك في مركز سليمان الفارسي لتعليم القرآن الكريم، الذي كان يشرف عليه «الملا طاهر»، وفي ذلك الوقت أنشأ «الملا طاهر» بالتعاون مع أهل الخير مسجداً اتخذ منه مركزا لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم أصول اللغة ومبادئ القراءة والحساب، حيث مكثت فيه ما يقارب ثلاث سنوات.

بعد ذلك التحق فكري بمرحلة التعليم الابتدائي، يذكر لنا أن القائمين على مدرسة علي بن أبي طالب الموجودة في منطقة القليعة، رفضوا تسجيله في المدرسة لعدم بلوغه السن القانونية، وفي السنة التالية انضم إلى مدرسة البدر الابتدائية التي كانت تقع مقابل فندق «راديسون ساس» الحالي، حيث تعلم على يد بعض المعلمات الفاضلات ويذكر منهن «أبلة شمس» التي درَّسته مبادئ القراءة وأصول اللغة العربية،

ثم انتقل في الصف الثاني الابتدائي إلى مدرسة حطين الواقعة في منطقة البطينة مقابل مستشفى زليخة، حيث درس على يد أساتذة رجال، ليعود في الصف الثالث ليتلقى تعليمه على يد معلمات إناث. ومع انتهائه من الصف الثالث، انتقل للدراسة في مدرسة علي بن أبي طالب الجديدة الواقعة في منطقة أم خنور،

لينتقل بعدها إلى مدرسة ابن خلدون في منطقة الناصرية، ثم مدرسة خالد بن محمد التي أنهى فيها تعليمه الإعدادي، وفي المرحلة الأخيرة أو الثانوية انتقل إلى مدرسة العروبة، ويذكر أنه كان من أوائل الطلبة الذين طبق عليهم منهج دراسة الكمبيوتر وكان ذلك في الصف الأول الثانوي.

كنا في ذلك الوقت نحصل على الدعم من دولة الكويت، سواء كان من حيث الزي المدرسي، أو الغذاء، وحتى الدعم المادي، وأذكر أن الأستاذ كان يضع لنا الدراهم في جيوبنا ويغلقها جيداً خشية الضياع، أما في الصف الثالث الابتدائي فقد اختلف الوضع وبدأت وزارة التربية والتعليم والشباب تطبيق المنهج الوطني علينا،

وتحولنا من الزي المدرسي الكويتي، الذي كان عبارة عن بنطلون وقميص، إلى الزي الوطني أو «الكندورة»، «كانت تلك الفترة مليئة بالبراءة والمجتمع فيها بسيط، يخلو من الماديات الكثيرة، ولم يكن فيه الإسراف الذي نشهده حالياً، فالأحياء كانت قريبة جداً من بعضها، وكان للمدرس هيبته ومكانته في المجتمع، لدرجة أننا كنا نخاف منهم كثيراً ونعتبرهم في منزلة آبائنا، وكانت المدارس قريبة من الأحياء السكنية، نذهب إليها مشياً على الأقدام».

ويتذكر فكري عملية غزو الكويت أثناء تقديمه لامتحانات الثانوية العامة، وهي العملية التي أجبرته هو وزملاءه على التوقف لبعض الوقت عن مواصلة الدراسة وتقديم الامتحانات، وسرعان ما عادت الحياة إلى طبيعتها الأولى،

وكما هو معروف الانتقال من مرحلة الثانوية إلى الجامعة يصاحبه العديد من التغيرات والضغوط، فكل طرف يريد أن ينتصر لرأيه وتوجهاته، وهو ما يعتبرها فكري من أبرز مراحل حياته، حيث كانت المواجهات كثيرة فهناك من يريده في السلك العسكري ضمن نطاق القوات المسلحة،

وهناك من يود استقطابه للالتحاق بكلية الشرطة، بالمقابل هناك من وجه له النداء لِيتم دراسته خارج الدولة، ولكنه خالف الجميع واتجه إلى ما كان يطمح إليه يوماً ما، حيث التحق بجامعة الإمارات في العين ليدرس في كلية الشريعة والقانون التي تخرج فيها عام 1997.

ولا ينكر فكري ما واجهه من صعوبات وتحديات أثناء دراسته في الكلية التي لم تكن تضم أعداداً كبيرة من الطلبة في ذلك الوقت، حيث إن بعض المساقات لم تكن تضم أكثر من خمسة طلاب وفي بعض الأحيان يصل العدد إلى ثلاثة فقط، ولكنه تمكن من مجابهتها واجتيازها بالاجتهاد والمتابعة.

ويواصل: «في العام 1994 ـ 1995 بدأت الكلية تأخذ سمعة حسنة، وهو ما زاد عدد الطلبة المقبولين فيها ليصل في بعض المساقات إلى من 30 إلى 35 طالباً، ويقيناً كان هذا التطور نتيجة لتشجيع الدولة على دراسة القانون، إلى جانب زيادة وعي الجمهور بأهمية هذا المجال».

تنوع النشاط في الجامعة

وكان فكري قد انضم أثناء دراسته الجامعية إلى الحركة الكشفية / جوالة جامعة الإمارات، وله فيها مواقف ذكريات عدة بدءاً من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومدير الجامعة الدكتور هادف الظاهري وعميد كلية الشريعة والقانون وغيرهم،

وتمكن من الحصول على العديد من الأوسمة والدروع نتيجة مشاركاته المختلفة في هذا المجال، «تعرفت على الحركة الكشفية أثناء أيام المدرسة ولكن لم أحتك فيها بشكل كبير، وعندما دخلت الجامعة، كان لدي وقت فراغ طويل، ولذلك فكرت باستغلاله عبر الانضمام إلى الحركة الكشفية في الجامعة إلى جانب العضوية في الجمعيات العملية التابعة للكليات،

حيث كنا ننظم العديد من الفعاليات والمحاضرات والأنشطة التي من شأنها زيادة وعي الطلبة وثقافتهم، وقد وجدت في الحركة الكشفية ما كنت أبحث عنه من المتعة التي تشحذ همة الطالب وتنمي مهاراته الذاتية وتعلمه حياة الشدة والقسوة، إلى جانب مساهمتها في بناء علاقات اجتماعية واسعة مع الطلبة من الكليات الأخرى وحتى الدول الأخرى،

حيث كنا نخرج بشكل دائم للتخييم في الصحراء، مبتعدين بذلك عن الحياة المدنية مقتربين من الحياة الطبيعية التي نشأ عليها أجدادنا وآباؤنا، والمميز في هذه الرحلات أنها كانت تمنحنا الفرصة للتعرف على الطبيعة وممارسة هواياتنا المختلفة».

الحياة العملية

وبالتأكيد، إن أجمل المراحل التي قد يمر بها أي فرد في المجتمع هي تخرجه من الجامعة، لما فيها من دلالات النجاح، إلى جانب كونها تمهيداً للانتقال إلى محطة جديدة تحمل في طياتها مسؤولية كبيرة، تجاه النفس والمجتمع، مرحلة التخرج من طور التعلم إلى طور العمل والتطبيق.

يتوقف فكري في هذه المحطة قليلاً ليعبر عن حزنه لفقدانه بحكم الزمن عدداً من الأساتذة الأفاضل أمثال الدكتور جاسم الشامسي، عميد كلية الشريعة والقانون حالياً، والدكتور محمد المرسي زهرة، والدكتور نجيب الفيلي، والدكتور سعيد حارب، والدكتور حسن المرزوقي، والدكتور بابكر الحسن، أستاذ أصول الفقه،

ولكن في الوقت ذاته لم يغب الفرح عن فكري وعائلته في هذه المناسبة، فقد شحذ النجاح همته للمواصلة والمتابعة في الخط الذي اختاره لنفسه. وحول فترة ما بعد التخرج، يقول: «الحمد لله لم أعش بعد تخرجي من الجامعة فترة عصيبة مثل غيري، فقد وفقني الله تعالى، وتم قبولي في المعهد القضائي بسرعة، ولذلك فقد كانت فترة الفراغ بالنسبة لي ضيقة جداً».

بعد تخرجي في الجامعة فكرت كثيراً في الأعمال الحرة أو سلك المحاماة إن صح التعبير، إلا أن والدتي لم تحبذ هذه الفكرة أبداً، وكانت تتمنى دائماً أن أكون عضواً في السلطة القضائية، على الرغم من أنني في ذلك الوقت لم أفكر كثيراً في أن أكون في هذا المنصب،

وأذكر هنا أنني كنت على مدار ثلاثة أيام أجهز أوراقي لتقديمها إلى قسم المحاماة في وزارة العدل، إلا أنني لم أكن أستيقظ مبكراً، وهو ما كان يجبرني على التأجيل لليوم التالي، وبعد مرور ثلاثة أيام اقتنعت أنه لا خير لي في هذه المهنة،

واتجهت نحو القضاء، وبعد مرور أقل من أسبوع تم قبولي في وظيفة متدرب قضائي، وتوجهت إلى المقابلة، ولحسن الحظ أنني كنت واحداً من أبناء الدفعة الأولى التي قابلها وزير العدل شخصياً، ولذلك يطلقون علينا «دفعة الوزير»،

وقضيت مدة عام ونصف العام في المعهد القضائي، لتصدر بعد ذلك المراسيم الرئاسية التي تقضي بتعييني وعدد من زملائي وكلاء للنيابة، حيث باشرت عملي على الفور في عدد من المناطق التابعة لإمارة الشارقة.

ويعتبر فكري أن مرحلة أداء اليمين القانونية أمام وزير العدل كانت من أبرز المحطات في حياته العملية، والتي جاءت بعد صدور مرسوم الشيخ زايد طيب الله ثراه بتعيينه وكيلاً للنيابة العامة، فهو يعتبرها مرحلة انتقال كبيرة ومهمة، تتطلب الكثير من الجهد والأمانة لما فيها من الأسرار التي تخص المجتمع وأفراده، ولما تفرضه من واجبات لا يمكن التراجع عنها مهما كلف الثمن.

استقبلت والدتي الخبر بفرحة عارمة، فقد كان هذا التعيين بمثابة إنجاز كبير لجهودها، وكان بمثابة تحقيق لأحلامها وطموحاتها. وبلا شك أن منصب وكيل النيابة يفرض على صاحبه التعامل بشكل مباشر مع أفراد المجتمع، كما يفرض عليه التعامل مع الكثير من القضايا التي قد تحتمل العديد من الجوانب الإنسانية والغريبة في الوقت ذاته.

جوانب إنسانية

وحول أبرز الجوانب الإنسانية التي واجهها فكري أثناء عمله وكيلاً للنيابة يقول: «لابد في البداية أن نعي جيداً أن العمل القضائي هو رحمة بالناس وللناس، وقد تجد أن الكثير من أفراد المجتمع يظنون أن وكيل النيابة مجرد سجان يأمر بالحبس وإحالة الأفراد إلى المحكمة، ويقف مطالباً بتوقيع العقوبة عليهم، وأن قلبه يخلو من الرحمة أو الإنسانية،

ولكن ما لا قد يتوقعونه أن هذا الوكيل هو في النهاية إنسان يتصف بالمشاعر الإنسانية والرحمة والحنان، وأنه يعمل لتطبيق القانون دون محاباة أو خشية، وأعتقد أنه لا ذنب له إذا كان كل زائريه من المتهمين، وبالتالي يجب عليه أن يتعامل معهم وفقاً لما يفرضه القانون علماً بأن الناس بطبعهم لا تحب الانصياع للقانون، ولو التزم الناس بالقانون لما رأينا في المحاكم مراجعاً وقضايا لا تعد ولا تحصى».

العمل بالنيابة مليء بالجوانب الإنسانية، فهناك أسباب قانونية وأخرى موضوعية لحفظ القضايا والوقوف بها عند الحد الذي بلغته دون إحالة المتهم للمحكمة، وأذكر من أسباب الحفظ عدم توافر الأدلة أو كفايتها في الجريمة أو لتنازل المجني عليه في بعض الجرائم، أو لعدم أهميتها، أو لعدم معرفة الفاعل فيها، وغيرها.

أما الجوانب الغريبة التي قد تمتاز بها بعض القضايا، فيقول: «في ظل التقدم الهائل الذي شهده العلم الجنائي وأبحاثه، وما يتوفر من أجهزة لازمة للكشف عن الجريمة، فقد أصبح من اليسير الوصول إلى المجرم،

خاصةً أن المجرم دائماً ومهما عمل يظل تفكيره قاصراً عن بلوغ حد الإتقان أثناء تنفيذه لجريمته، إذ لا بد له أن يترك دليلا للتوصل إليه وإدانته، ومن الطرائف الغريبة التي حدثت معنا، أننا توصلنا في بعض القضايا إلى المتهم بواسطة شعرة نعجة مملوكة له، وثان بواسطة لعابه، وآخر بواسطة بصمة الأذن».

عقب سيجارة يكشف قاتلاً

وكما هو معروف فإن عملية اتخاذ القرار تكون صعبة جداً في عمل وكيل النيابة، لأن أي خطأ صغير قد يؤدي إلى تدمير أسرة أو بيت، وبالتالي فهو يحتاج إلى بعض المراجع التي تساعده في اتخاذ مثل هذا القرار، وعن ذلك يحدثنا فكري، فيقول: «بعد الدعاء والطلب من المولى القدير التوفيق، كنت أستشير المكتب الفني للنائب العام،

وبعض المستشارين الذين أثق بعلمهم وإخلاصهم، كما أنني كثير الاطلاع على المواضيع الجديدة خاصةً في القضايا المعروضة، فعلى سبيل المثال، إذا عرضت علي قضية قتل عمد، كنت أرجع للمراجع الشرعية والقانونية الشارحة لجريمة القتل العمد وكل ما يتصل بها،

وأبني الفكرة وأباشر التحقيق محاولاً لم شعث الأوراق وعدم تبعثرها في أمور أخرى قد تضيع التحقيق أو القضية، فالمحقق الذي لا يجمع شتات فكره قد يتيه في خضم التحقيقات بأمور جانبية، والواجب أن يركز على الأركان المادية والمعنوية لجريمة القتل والقصد الجنائي ..الخ»،

ويذكر لنا في خضم حديثه عن مرحلة توليه لمنصب «وكيل النيابة» عن إحدى القضايا التي تعب كثيراً في الإمساك بخيوطها، فيقول: «أذكر أنه في إحدى أيام شهر رمضان المبارك وتحديداً بعد العصر، أبلغت بوجود جثة على سطح أحد المنازل، وبوصولي إلى الموقع شاهدت الجثة بكامل ملابسها، والسكين ملقاة على جانبها والنعال عند القدمين،

وقد وضعت الأيدي على الصدر، لتبدو للوهلة الأولى كأنها نائمة، ولم يكن هناك أي مظهر يدل على حدوث عراك بين الجاني والمجني عليه، وبفضل الله عز وجل وتعاون الأجهزة الأمنية تمكنت من الوصول إلى الجاني من خلال أعقاب السجائر التي كانت ملقاة في غرفة الدرج التابع للمنزل».

من النيابة إلى القضاء

وبعد شغله لمنصب «وكيل النيابة العامة» لمدة تزيد على سبع سنوات، استطاع فكري أن يصعد السلم وصولاً لمنصب «قاض» يفصل بحكم منصبه بين الناس وينظر في القضايا المعروضة أمامه، متحلياً بالصبر ودماثة النفس والخلق، مطبقاً للقانون دون خشية أو محاباة لأحد، وعلى الرغم من ذلك، لا يتوقف فكري في منصبه الجديد عن استشارة القضاة الذين سبقوه في هذا المجال.

علاقة حميمة

وبعيداً عن قاعات المحكمة ومواد القانون، واقتراباً من الوجه الآخر لفكري، سألناه عن طبيعة علاقته مع أهل بيته وأصدقائه، يقول: «أود أن أوضح أن هناك فرقاً في العلاقة، فإذا كانت مع «المُراجع» أثناء العمل، فهذه يحكمها القانون وأكثر من ذلك أقول له عذرا،

فهذه هي حدودك، أما العلاقة بيني وبين أهل بيتي فهي مختلفة تماماً تحكمني فيها علاقة اجتماعية تتسم بالاحترام والتفاهم والمودة وإعطاء هامش كبير للتعبير عن الرأي في حرية تامة، بينما في علاقتي مع الأصدقاء، فيحكمها رابط الصداقة وميثاق التواصل والنصح».

معجب بأفريقيا

يعشق فكري السفر والترحال، وقد زار العديد من الدول، وما إن تسأله عن ذلك، حتى يجيبك ببساطة تامة «أحب السفر كثيراً إلى إفريقيا، ففيها رأيت ما لم أره في الدول الأخرى»، ويصف فكري رحلاته وأسفاره بكلمات جميلة، حيث يقول: «حطت قدماي على أرض الكنانة ولم أعجب بها كثيراً، ورأت عيناي بلد المليون شهيد، ولامست يدي برودة ماء «كازاخستان»،

ورسمت صورتي على لوحة في «أوزبكستان»، واستنشقت عبير النكهة العربية في الشرق الإفريقي في «جزر القمر»، وشاهدت الحيوانات في غابات «كينيا»، ولاحظت سرب الظباء في «تنزانيا»، واستمتعت بالسباحة في المحيط الهندي يوم زرت «جزيرة موريشيوس»،

وتذوقت الحلويات في لبنان، والمنسف في بلده، وشاهدت الأنهار في «لاوس» و«كمبوديا» و«تايلاند»، ورأيت عظمة الخلفاء في الأستانة، وتذكرت محمد الفاتح وأنا على البحر الفاصل، وجبت بسيارتي دول مجلس التعاون الخليجي وصلاً للأرحام، وتقبيلاً للحجر الأسود وزيارة للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم».

ويرتبط فكري مع الكتابة الأدبية والفن بعلاقة حميمة، حيث يوجد لديه مخزون من الصور الفنية واللوحات والمقتنيات والمقطوعات الفنية والأدبية، ويذكر لنا «أن الدكتور جاسم، عميد كلية الشريعة والقانون طالما عيب عليه أسلوبه الأدبي في الكتابة، قائلاً له:«أنت طالب قانون، وعليك أن تكتب بلغة القانون».

وأشار فكري إلى أنه قريباً سيظهر للعيان أحد أعماله الأدبية. بالمقابل فهو دائم القراءة في التاريخ السياسي وسير الشخصيات والإصدارات الإستراتيجية والكتب الأدبية، ومطلع على كتب التراث الإسلامي، إلى جانب مطالعته الدائمة لكتب القانون التي تتصل بعلاقة مباشرة مع عمله،

ويقضي أوقات فراغه في خدمة أهله وممارسة رياضة الغوص، فهو حاصل على رخصة دولية في هذا المجال، «أحب كثيراً ممارسة هذه الهواية، وذلك لأسباب كثيرة، فهي إلى جانب أنها رياضية، تعطيك الفرصة للتعرف على عالم آخر تستشعر فيه عظمة الخالق، وضعف الإنسان الذي لا يستطيع العيش تحت الماء».

رجل وسطي

يقول القاضي عبد الصمد العامودي، الذي يعمل قاضياً في محكمة أم القيوين، والمحكمة الشرعية في الشارقة، وهو الذي عايش ضيفنا وارتبط معه بعلاقة صداقة قوية: «للحقيقة فإن إبراهيم فكري إنسان جدير بالاحترام، وإذا كان الحديث عنه كصديق وزميل فهو فوق الوصف، ولا تكفي الكلمات لأن أعطيه حقه،

أما إذا كان الحديث عنه كقاض، فأنا أرى أن الدولة قد اختارت لهذا المنصب شخصا قويا، ولذلك أقول بالفعل لقد كان خير رجل لخير مكان، فهو رجل وسطي يحكم بعقلانية متزنة في أموره الخاصة والعامة».

غسان خروب