العمارة التراثية كائنات تستعيد أنفاسها حين تجد الأيادي الخبيرة التي تعمل على إحيائها وإعادتها إلى مدارج أيامنا ودقائقنا، بأنفاس الذين سكنوها أو مروا بها وبأغاني وأهازيج الذين شيدوها.

والدكتور عبد الستار العزاوي خبير الترميم والصيانة وخبير الآثار العربية الإسلامية، أحد الذين أوقفوا حياتهم على صيانة وتوثيق المباني التراثية وإعادة إحيائها من جديد عمل في إمارة الشارقة في مختلف المواقع الأثرية وفي كلباء والذيد ووادي الحلو

وخورفكان ودبا وعمل في أبوظبي في جزيرة دلما وألف العديد من الكتب عن أساليب الترميم وقد كتب ووثق كل عمل أنجزه، وأشكال التوثيق تتدرج مابين صور التنفيذ لجميع مراحل العمل ثم الكتابة والبحث العلمي عن الموضوع

العزاوي يحرص على تدريب العاملين معه على كيفية البحث العلمي وأكثر كتبه عن العمارة التراثية في الإمارات وهو إلى ذلك متابع ودؤوب لجميع ما يصدر من نشرات وكتب ووثائق حول تطور أعمال الصيانة.

له أسلوبه الخاص في الصيانة وذلك في الحفاظ على المباني على حالتها الطبيعية على سبيل المثال الحفاظ على وضعية البرج المائل في منزل إبراهيم المدفع وعدم إزالة أي جزء، ويعمد إلى استخدام المواد الإنشائية نفسها في الترميم والصيانة،

ويرى العزاوي أن المسألة الجذرية تتركز في فكرة إحياء المباني وليس مجرد ترميمها وثم تحويلها إلى مرافق سياحية وثقافية وخدمية تحمل هويتنا في العمارة، فالمسجد والسوق بعد الترميم يصبح الإقبال عليهما أكثر من سواهما لخصوصية مثل هذه الأمكنة ولما تحمله من عبق التاريخ وأصداء الماضي.

خصوصية مساجد الخليج

وعن مراحل التوثيق يقول: الأعمال التي أقوم بتوثيقها تتدرج من توثيقها بصور الأبيض والأسود وعمل السلايدات لها ولدي دفتر يومي أدون فيه كل ملاحظاتي عن مواقع العمل، وفي الترميم اعتمدت بالدرجة الأولى على الصور القديمة ويرى أن المباني التراثية في الإمارات تطورت حسب ظروف البيئة

وكان ظهور البراجيل هو تطور عن البراجيل الموجودة في الجزران، والمواد الإنشائية في البيئة ضمنت ظهور عناصر معمارية تنسجم مع عناصر العمارة الإسلامية ومع الحياة في المنطقة، ونرى على سبيل المثال أنه لا يوجد صحن في المساجد وأن المآذن قليلة لأن النسيج المعماري متداخل والبيوت متداخلة وبسبب كثرة المساجد فلا حاجة عملية لكثرة المآذن،

كذلك نلاحظ وجود المحراب المزدوج في مساجد الإمارات أي وجود محراب للإمام وبجانبه محراب مرتفع عنه للخطيب وهي ظاهرة منتشرة في مساجد الخليج القديمة وبدأت تؤثر على طريقة بناء المساجد الحديثة بهذا الاستخدام.

عناصر العمارة التراثية

يقسم العزاوي المباني التراثية إلى دينية ومدنية ودفاعية. أما عن أهم العناصر المعمارية والزخرفية في المباني التراثية فيرى العزاوي أن المباني الدينية التي تشمل الجوامع والمساجد يكون فيها بناء المحراب مجوفاً ـ حنية في الداخل ـ وبروز من الخارج أو طابقين كما في مسجد الدليل. وجود الظلة في مدخل بيت الصلاة.

الصحن بالوسط مكشوف. توجد أعمدة مبنية من الحجر في بيت الصلاة والظلة شكلها دائري ومضلع ومنها نصفي مندمج مع الجدار، وتكون العقود نصف دائرية أو ذات دبب خفيفة كما يوجد ميضأة جانبية، أو سقيفة من أخشاب تحتها بئر، وداخل الميضأة يوجد بئر أو اثنتان حسب الحاجة للوضوء.

أحيانا تتواجد دعائم لرفع السقف أو الظلة. المدخل من الخارج للصحن ومن الجهة المقابلة لجدار القبلة، ولا توجد مداخل من جوانبه. وتخترق الشبابيك واجهات جدران بيت الصلاة والظلة. وتوجد ملاقف هوائية منفردة منفصلة في الجدار أو مشتركة مع الشبابيك وحنايا داخلية وعقود نصف دائرية أو مدببة.

تكون الأبواب والشبابيك والمزاريب من الخشب، وتوجد كوى مستطيلة صغيرة في جدران المحاريب، دائرية في جدران بيت الصلاة. يظهر بروز المحراب في منتصف جدار القبلة من الخارج مدرج أو نصف قبة. توجد زخارف جصية وهي عبارة عن شريط في أعلى جدران بيت الصلاة أو الظلة وجوانب المحاريب، وزخارف مخرمة أصولها هندسية أو نباتية متطورة.

توجد كتابات ـ آيات قرآنية ـ جصية في جدار بيت الصلاة، كما في مسجد الدوسري ـ جزيرة دلما. السقوف والسطوح تتطلب وضع الجندل، نسج الدعون، فرش، الحصر (الخوص ) أو بارية (من قصب)، طبقات من الجص والحجر الصغير. جميع واجهات الجدران مطلية (كساء، تغليف، تبطين، بلاستر) من الخارج والداخل بطبقة من الجص.

المباني المدنية

أهم تلك المباني المدنية القصور والبيوت والأسواق الخدمية وحسب استخدامها وعلاقة الحالة الاجتماعية الاقتصادية على عناصرها المعمارية والزخرفية ويرى العزاوي أن الفناء للبيوت والساحات للأسواق يعد المحور الأساسي في تنظيم بناء وحداتها، ومنها طابق واحد أو طابقان. مدخل البيت يبنى دائما منكسرا لأهداف اجتماعية وعسكرية أو توجد مداخل للأسواق تغلق وتفتح حسب الحاجة،

وتكون الأبواب الخشبية تفتح نحو الفراغات الداخلية، تختلف حسب أحجامها في البيوت والدكاكين، ذات زخارف ويستخدم فيها مسامير حديد ابو كبة او نحاسية. الشبابيك غالبا في الداخل مختلفة الأحجام، والخارجية للطابق الأول أحياناً مغلفة بمشبك حديد. توجد كوى صغيرة فوق الأبواب والشبابيك مختلفة الأحجام والأشكال ـ مربعة،

مستطيلة والأعمدة مبنية من الحجر او الخشب، ولها قاعدة وبدن وتاج لحمل سقوف الأواوين ومنها نصفي مندمج مع الجدار. والدعائم من الحجر والجص لرفع السقوف وهنالك مساند لأركان المباني من الخارج كما أن العقود بأنواعها متواجدة في المباني التراثية المدنية والخدمية كالعقد نصف الدائري والمدبب،

ويختلف سمك الجدران والستارة في المباني المدنية حسب موقعها وفوائدها، ويمتاز تقسيم المباني التراثية للأغراض المدنية إلى غرف تحتوي على زاوية داخلية وإيوان وحمامات فيما تكون المباني الخدمية مختلفة الأحجام بالنسبة لمخازنها حسب ما تتطلبه البضائع، كما تمتاز المباني بالسلالم الدائرية

وتظهر البراجيل كعنصر معماري مميز وغالبيتها معروفة وهي متنوعة الأشكال والأحجام ومنها ما له فتحتان أو أربع فتحات أو فتحة واحدة وتوجد في غالبية المباني البئر وتظهر مسننات فوق سطوح المباني كالمربعات وتثبت المزاريب لتصريف المياه. وتوجد حنيات فوق الأبواب والشبابيك في باطنها كوى ذات زخارف والحنية عقد مفصص لأهداف زخرفية.

المباني العسكرية الدفاعية

وأشهرها القلاع والحصون والأبراج والمربعات والأسوار وهي تمتاز بوجود الأبراج المنفصلة أو المتصلة كمواقع دفاعية وتعتمد على استخدام الحجارة الكبيرة الحجم في سمك الجدران وعند الأسس ومن العناصر الدفاعية في تلك المباني الأنف الذي يخرج بارزاً عن واجهات الجدران من الخارج المربعات والأبراج والمداخل،

والمزاغل العمودية والأفقية والدائرية وهي شقوق بمقاسات مختلفة تستخدم لأغراض الرمي وصب السوائل الساخنة والاطلاع، ولا توجد سلالم ظاهرة في الوحدات الدفاعية فهي تعتمد على السلالم المتحركة التي تنصب حسب الحاجة وتبنى المربعات منفردة وسط القلاع أو مندمجة مع الوحدات الأخرى في الحصون، ويستغل الطابق الأرضي كمخزن، والأول للدفاع أو يستخدم كمجلس.

مداخل اللوحات الدفاعية صغيرة كالأبراج أو المربعات. توجد مسننات (طرابيش) عليا لهذه المباني مهما اختلف شكلها أو حجمها فإنها لأغراض دفاعية، من خلال فتحاتها يتم الاطلاع والرمي. ولا توجد شبابيك وإن وجدت تكون صغيرة ولهدف الاطلاع والرمي. تنصب مظلة من أخشاب في سطوح المربعات او الأبراج لاستراحة الحرس وللاطلاع.

تنفرد بعض الأبراج والقلاع بعيدا على أطراف المدن وتبنى فوق مرتفعات طبيعية أو اصطناعية. تبنى بعض الوحدات الدفاعية عند مواقع تحتاج للحماية كالسواحل ـ موقع ميناء ـ أو عين ماء (فلج ) أو قرب أسوار المدن كي تشترك بالدفاع سوية.

الزخارف الجصية في المباني الدفاعية بسيطة أو كشريط علوي للواجهات من الداخل. تكون الأبواب والشبابيك من الخشب القوي و لها غلق خشبي لإحكام الأبواب وقد يبلغ أكثر من ثلاثة أو خمسة مغالق خشبية من الخلف.

مواد الترميم والإنشاء

ويضيف العزاوي أن المباني التراثية امتازت باستخدام المواد الأولية المحلية والتي تنسجم مع طبيعة المواقع، وهي مواد إنشائية من البيئة المحلية بنت الطبيعة وتتفاعل معها. وأشهر تلك المواد المستخدمة في المباني التراثية الحجر البحري الذي يعرف بالحجر المرجاني ويطلق عليه محليا (البيم) ونوع آخر (الصلافة)

بشكل أحجار مسطحة تشترك في بناء الستائر تجعل سكان السواحل التي تخلو من مواد بناء كالطين أو حجر من الجبال يفكرون في استغلال البحر. يستخرج الحجر المرجاني من البحر، بعدها يترك على الساحل حتى يجف، ويدخل كمادة أولية في بناء الجدران بعد قطعه وتهذيبه حسب حاجة البناء،

فالأحجام الكبيرة تدخل في بناء الجدران والصغيرة تشترك في بطون الجدران أو السطوح والأرضيات يمتاز الحجر البحري بكثرة المسامات والتجاويف، تساعد في تماسكه مع مادة الربط (الجص)، وتساعد على المحافظة لمعدلات الحرارة سيما بأن جدران المباني التراثية سميكة. كما جلبت أحجار من جزيرة أبو موسى دخلت في بناء السور والمحلوسة في حصن الشارقة.

ثم يأتي الجص وهو المادة الرابطة للحجر في بناء الجدران، الطلاء، السطوح الأرضيا ت والزخارف. يستخرج بعد حرق الحجر المرجاني ويدق بشكل مسحوق، بعدها يخلط مع الماء للحصول على مزيج عجينة الجص بعد حرق الحجر المرجاني ويدق بشكل مسحوق، بعدها يخلط مع الماء للحصول على مزيج عجينة الجص للاستعمال حسب الحاجة،

ويختلف لون الجص من الأبيض إلى الأسمر حسب نقاوة الحجر وطريقة تحضيره، أما الأخشاب المستعملة فهي جذوع النخيل وعود الجندل المستورد والدعون وهو مادة محلية يتم الحصول عليها من سعف النخيل بعد ربطه ويستخدم في السقوف فوق عود الجندل وينسج بالحبال بأسلوب السداة واللحمة،

وقصب البانبو الذي يساعد على ضبط الاستواء لأخشاب السقف. والحصر التي تفرش فوق الدعون للسقوف لها نوعان حصر الخوص وحصر البارية، وتستخدم أيضاً حبال القنب والحديد والنحاس ومواد أخرى.

إسماعيل الرفاعي