العديد من المفاهيم والأفعال تأسست منذ الطفولة البعيدة وتحولت إلى قيمة أخلاقية أولى تنظم الحياة وتندرج ضمن الأساسيات التي رسخها الإنسان عبر تاريخه الطويل.
ولعل محاولة تحقيق وإيجاد نوع من التكافل الاجتماعي ودفع العوز والفقر عن بعض المحتاجين وجد تعبيراً في الكثير من التعاليم الدينية والأعراف والأخلاقيات الاجتماعية، إلا أنه بالتأكيد لم ينجح في استئصال الفقر أو التخفيف من حدته وانتشاره، لكنه يبقى ضمن دائرة التعبير عن النازع الإنساني الأصيل والرغبة في فعل الخير سواء بالمعنى المادي أو المعنوي. والعديد من البشر يمارسون هذا الفعل بشكل يومي ومتواصل على مستوى الأفراد والمؤسسات وهم بذلك يسهمون ولو بقدر يسير في تخفيف بعض آلام الفقر المستشرية في العديد من المجتمعات.
وقراءة سريعة لخارطة الأرض، تؤكد أن الفقر ظاهرة موجودة حتى في أكثر الدول الغنية التي حققت رفاهاً اجتماعياً كبيراً والعمل الخيري من ضمن الاهتمامات التي يوليها الشيخ عبدالعزيز النعيمي أهمية كبيرة، خصوصاً انه يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمركز الإحسان الخيري، إلى جانب اهتمامه بالبيئة وإشرافه على دار نشر معنية بتقديم الكتاب الذي ينطوي على قيمة أخلاقية ومعرفية وخصوصاً ما يتعلق بالإصدارات الموجهة إلى الطفل.
وعن اهتمام النعيمي بالعمل الخيري وكيفية تحويله من فكرة إلى واقع يقول: بذرة العمل الخيري موجودة في داخلي بالأصل، لكنها لم تكن قد نضجت بالشكل الكافي، وكنت أقدم من وقتي الكثير لمساعدة الآخرين، وإذا سمعت أن ثمة أسرة محتاجة كنت أبادر للمساعدة، وكانت تلك المبادرات هي الأرضية التي عملت على أساسها، رغم أنها لم تكن منظمة قبل عملي في مركز الإحسان الخيري في عجمان.
فقد كنت أساعد قدر المستطاع، وعلى أقل تقدير في إي وظيفة لأحدهم أو أكون حلقة وصل بين بعض المحتاجين والجهات المعنية، والتنسيق لتقديم ذوي الكفاءات وإبراز قدراتهم وخبراتهم، وفي مرات كثيرة يكمن العمل الخيري في تقديم المشورة والنصح أو تقديم الابتسامة والكلمة الطيبة.
من الخوف إلى الألفة
ويرى النعيمي أن العمل الخيري والتكافل الاجتماعي يشملان بدورهما الحيوان والنبات التي يجب تقديم الرعاية الدائمة لهما، ويضيف: أتذكر إحدى الحوادث المتعلقة، بالحيوان، فقد كنا في أميركا وكان ولدي عمر لم يتجاوز السنة ونصف السنة بعد وقد هجم عليه كلب فأصيب برعب كبير وتحوّل هذا إلى عقدة عنده وأصبح لديه خوف دائم من الكلاب،
ومرت الأيام وبعد بضع سنوات، سمعت أنين كلب جوار البيت وأصوات صبية يرشقونه بالحجارة، فخلصت الكلب منهم، ثم أدخلته البيت وسقيته الماء وأطعمته، وبقى الكلب في حديقة المكتب فقد امتنع عن مغادرة البيت حين فتحت له الباب، ثم تذكرت عمر وخوفه من الكلاب وكان قد بلغ 7 سنوات وأتيت به إلى الكلب وهكذا رويداً رويداً نشأت بينه وبين عمر علاقة وألفة وتجاوز عقدة الخوف تلك.
بعد هذه الحادثة يعود بنا النعيمي إلى مفهوم العمل الخيري، ويقول: العمل الخيري موجود منذ أبد الدهر، وفاعل الخير يجد نفسه مقصراً على الدوام، إلا أننا الآن نشعر بأن ما ينتقص هو الوعي الخيري وكيفية القيام به وتنظيمه.. إلا أنه مبني على ثوابت وأساسيات لا يمكن تجاوزها والقفز عنها، وإن كان بدرهم صدقة، أو إماطة الأذى عن الطريق، وإن كان بوقت تقدمه أو جهد تقوم به أو فكرة تدليها لمن يسأل.
مركز الإحسان
ولعل النواة الأساسية المنظمة للفعل الخيري في عجمان والتي جاءت لتكمل النازع الإيجابي لأبناء هذه الإمارة، كان بتأسيس مركز الإحسان الخيري عام 1998م وهو يعمل من خلال برامجه ومشاريعه على أن يكون صرحاً رائداً للأعمال الإنسانية والاجتماعية في الدولة وأن يساهم بشكل فاعل ومؤثر في خدمة المجتمع.
ويعد الشيخ محمد حبيب كاظم من المؤسسين الأفاضل لمركز الإحسان الخيري، وقد كان بنفسه بعد خطبة الجمعة يبكي حين تحدث عن الأرامل والمطلقات اللواتي لا يجدن معيلاً لهن. في فترة الصيف الحارقة وهن مقيمات في بيوت غير صحية دون مكيفات أو ثلاجات.
وقد دعا إلى إعانتهن والوقوف إلى جانبهن، وقد كان بدوره موظفاً في أوقاف عجمان ويدفع من راتبه الخاص لسد احتياجات الآخرين، وقد شكل ذلك النداء الخطوة الأولى لافتتاح مركز الإحسان الخيري لإعانة الأسر وبالذات النساء بلا معين والأطفال. ويضيف: المركز الآن يعيل 1600 أسرة من مختلف الجنسيات إعانة مادية وعينية وغذائية بشكل شهري ويومي، بالإضافة إلى رعاية طبية.
ويقول: لدينا أول مركز طبي خيري في الإمارات ويعمل به 4 أطباء وصيادلة وفنيو مختبر، وهناك أطباء متطوعون كما افتتحت عيادة للأسنان بالتعاون مع جامعة عجمان، ورغم أن هذا المركز غير متكامل إلا أنه يغطي الاحتياجات الصحية الأولية والمركز يدفع للبعض لاستكمال فحوصاتهم الطبية في المستشفيات الخارجية،
وهو يوفر الكشف المجاني والدواء المجاني والفحوص المخبرية التي تقدم بنصف القيمة ثم توسع المركز بعد أن تغير الموقع وأضيفت له عيادة للحجامة تستقبل حوالي 100 شخص كل يوم اثنين وتجري لهم الحجامة بشكل مجاني والآن بصدد إضافة قسم للأشعة.
مشاريع أخرى تتعلق بالاهتمامات الطبية والصحية لمركز الإحسان الخيري وقد ذكر النعيمي بعضها كالمشاريع النسائية المتعلقة بافتتاح عيادة ولادة وهي أول عيادة خيرية في الدولة وسيتم هذا الأمر في غضون 3 أشهر.
ويعتبر النعيمي أن المجتمع الطبي هو متكامل مع الهيئات الصحية الأخرى في الدولة وهو مرخص من قبل وزارة الصحة بمختلف أقسامه وعياداته بالإضافة إلى الزيارات الدورية التي يقوم بها أطباء من خارج المركز للإطلاع على نوعية الخدمة الصحية المقدمة.
ويضيف أن مركز الإحسان يقوم بشكل يومي بتوزيع الغذاء الطازج والحليب وغيره من الأغذية الضرورية. ثمانية أشهر أمضاها النعيمي في مركز الإحسان، تعلم خلالها أن العمل الخيري يجب أن يكون منظماً ومدروساً، ويجب أن يكون ضمن بنية تحتية مؤسسية وأن لا يكون مرتبطاً لأفراد، كي يضمن استمراريته وتطوره .
كما ينبغي أن يرتبط في عمله مع سائر المؤسسات الخيرية الأخرى في الدولة وعن هذا الجانب يقول: لدينا تواصل وعلاقة طيبة مع جمعية دار البر في دبي تؤمن تبادل الخبرات والبرامج والأفكار ويتم الاستفادة من تجاربهم في بعض المشاريع الخيرية المتميزة.
ولدينا علاقة مع بيت الشارقة الخيري حتى أنهم قدموا لنا بعض موظفيهم الأكفاء، ونحن بصدد إجراء اتفاقية ومبادرات تعاون معهم كي تكون المشاريع متكاملة وتحقق أعلى فائدة مرجوة، وبهذا السياق نحاول تعديل بعض النظم الأساسية كي تكون المشاركة فعالة ومنظمة بشكل أكبر.
شرائح متباينة
وعن كيفية اختيار العوائل والجهات التي يتم ضمها إلى برنامج المركز وشملها بدعمه ورعايته، يقول: لدينا نخبة مؤلفة من دكتور في الدراسات الشرعية وإمام مسجد ولجنة الفتاوى والدراسات بالإضافة إلى رجل أعمال واستشاري قانوني وباحثة اجتماعية.
ويضيف النعيمي أن ضيوف المركز ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة وهم إجمالاً من الفقراء المحتاجين ومن المسنين الخيّرين. ويعد النعيمي أن من أشكال الدعم الأساسية التي يقدمها المركز للفقراء هي تأهيلهم وتدريبهم وتطوير إمكاناتهم، كي يتمكنوا في الانخراط في القطاع المنتج بالمجتمع،
وبالتالي يتسنى لهم أن يؤمنوا احتياجاتهم بشكل ذاتي كما يشير إلى أكبر التبرعات المقدمة إلى المركز تأتي من دبي وأبوظبي عن طريق بعض المؤسسات والشيوخ ورجال الأعمال والمصارف. والجدير ذكره أن مركز الإحسان الخيري هو مقر
وقفي وهو باسم الشيخ محمد بن راشد علي النعيمي، وهو شقيق عبدالعزيز النعيمي، ويشغل حالياً منصب رئيس دائرة العدل في محاكم عجمان، ولديه مركز خيري آخر، كما يشغل منصب رئيس مجلس إدارة «منار الإيمان».
وهنالك رؤية لتطوير وتوسيع مركز الإحسان الخيري وهو مشروع وقفي بحيث يكون الريع كله للاستثمارات الخيرية ويتحول المجتمع الطبي إلى مستشفى خيري، وسوف يتم تسويق المشروع كأسهم.
وتشمل أنشطة النعيمي التأليف والنشر، فقد أصدر النعيمي كتاباً بعنوان «بيئتنا الجميلة»، ووزع 500 نسخة لصالح أصدقاء مرضى السرطان، ويعد الكتاب بحدّ ذاته تتويجاً لفهم النعيمي عن البيئة وكيفية العناية بها، وعملاً إنسانياً يندرج ضمن المساحة الأخلاقية والخيرية التي يحاول أن يشغلها في غمار حياته الحافلة بالعطاءات.
اسماعيل الرفاعي


