كانت القاهرة أحدث سفريات مصممة الأزياء الإماراتية رانية البستكي، التي سافرت إلى هناك قبل عشر سنوات تقريباً، وقتها لم تستمتع بالرحلة جيداً بسبب صغر سنها، وهذا جعلها لا ترغب كثيراً في زيارة مصر مرة ثانية، إلا أنها وفي تلك السفرة التي جاءت مباغتة بسبب دعوتها لتقديم عرض للأزياء في فندق موفنبيك غيرت رأيها بالكامل وأصبحت تردد أن مصر هي البلد الذي تتمنى أن تزوره دائماً.

فقد أعجبتها القاهرة بشوارعها العتيقة والشوارع والحواري والأزقة الشعبية، والآثار القديمة، والشعب الذي يمتاز بالود والطيبة، وكانت قبل سفرها إلى القاهرة مباشرة عائدة من روما حيث عرضت فيها مجموعتها الجديدة لهذا العام والتي لاقت استحساناً كبيراً من الحضور من جاليات عربية ومن الإيطاليين أنفسهم حتى أن قرينة عمدة روما منحتها شهادة العالمية في تصميم الأزياء.

ورانية البستكي تهوى السفر لأنه يتيح لها فرصة التعرف على ثقافة الشعوب وحضارتهم، وهي تؤكد أن زواجها من طيار ليس هو سبب تعدد سفرياتها حول العالم لأنها تعشق السفر حتى قبل أن تقترن برجل يجوب بلدان العالم بحكم عمله.

وزارت البستكي العديد من البلدان منها باكستان والهند وماليزيا وتايلاند وانجلترا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وأميركا، وكل البلدان الخليجية ومصر ولبنان، وهي في كل بلد تذهب إليه لا تترك شيئاً رأته وأعجبها إلا سعت لشرائه، فهي عاشقة للتسوق، كذلك تسعى للتعرف على الأكلات التي تشتهر بها تلك البلاد،

وكثيراً ما تشتري بعض الأجبان أو الصلصات التي تعجبها كي تستخدمها عندما تعود، وكمصممة أزياء تبحث البستكي عن أزياء الشعوب في البلدان التي تذهب إليها، كذلك تشتري أقمشة وإكسسوارات وحلي حتى تستفيد منها في دمجها مع الأثواب التي تصممها، ولرانية البستكي هواية تستحوذ على جزء كبير من اهتمامها وهي تجميع أكبر قدر ممكن من الزينة المغناطيسية التي تزين بها أبواب الثلاجات.

تقول البستكي تعودت على السفر منذ الطفولة وذلك عندما كنت أذهب بصحبة عائلتي للسياحة، وعندما كنت صغيرة لم أستطع الاستمتاع جيداً بتلك السفريات، كما هو الحال الآن، فمثلاً ذهبت إلى القاهرة منذ عشر سنوات إلا أنني لم أشعر بأنها جميلة وممتعة مثل تلك المرة،

فقد جاءت زيارتي لها بشكل مفاجئ لم أخطط له مسبقاً، رغم أنني كنت أرغب في ذلك خاصة وبعد أن حدثنا زوج أختي عن حبه الجارف لمصر بعد أن عاش في القاهرة فترة طويلة من أجل الدورات الخاصة بالعمل، فقد نقل لنا صورة حقيقية عن الحياة هناك وكيف أنه استمتع كثيراً بتلك الفترة حتى أنه يرغب في شراء شقة هناك لتكون مقراً للعائلة في حالة رغبتهم في زيارة مصر.

وذهبت إلى القاهرة وكان فندق موفنبيك المطار هو مقر إقامتي، إلا أنني كنت لا أفضل البقاء في الفندق كما يفعل البعض بل كان الفندق بالنسبة لي مكاناً للنوم فقط، إذ كنت أخرج من الصباح ولا أعود إلا ليلاً بعد أن تتعب قدماي من السير وشاهدت «مولات» في مدينة نصر لم أصدق أن تكون بهذه الروعة والجمال فهي مثل أفخم المولات في الإمارات،

إلا أنني قلت لنفسي أنا لا أرغب أن أرى ما أراه في الإمارات، بل أريد أن أذهب إلى أماكن أخرى أشعر بأنها مصرية صميمة، فذهبت إلى وسط البلد وتجولت في الشوارع واشتريت أحذية وحقائب، ودخلت السينما وشاهدت العديد من الأفلام المصرية،

وصاحبتني صديقة مصرية ومن خلال سيارتها شاهدت شوارع القاهرة العتيقة والحديثة، ووجدت أن القاهرة تغيرت بشكل كبير وأصبحت مدينة لا حدود لها، فهناك كم هائل من البشر والبنايات الشاهقة بجانب البنايات القديمة، والذي أبهرني فعلاً أن أهل القاهرة لا يعرفون النوم فهم في الشوارع ليل نهار ولا أعرف كيف؟

ففي أي وقت تنزل فيه إلى الشارع تشعر وكأنك في فترة الظهر، حيث تمتلئ الشوارع بالناس والزحام والمحلات هناك لا تغلق أبوابها. ذهبت إلى المقطم وهي منطقة جبلية ترتفع كثيراً عن الأرض ومن خلالها تستطيع مشاهدة القاهرة، ورغم حرارة الجو إلا أن تلك المنطقة تتميز بالطقس الجميل، وجلسنا في الهواء الطلق، كما زرت المتحف المصري والحقيقة أنني شاهدت آثاراً فرعونية كثيرة،

وقد بهرت بعظمة الحضارة الفرعونية، وكيف سبق هؤلاء الناس عصرهم وبنوا حضارة عظيمة تحير علماء العالم حتى يومنا هذا. شاهدت المومياء الفرعونية والتوابيت المصنوعة من الخشب والذهب، وكيف كان يعيش الفراعنة، ملابسهم، ذهبهم، زينتهم، وغيرها، كما زرت الاهرامات وهي حقاً إحدى عجائب الدنيا السبع بلا منازع.

ليلة شرقية في روما

وتتحدث رانية البستكي عن عرضها للأزياء في روما قائلة: لقد كان هذا العرض أهم عروض الأزياء التي قدمتها حيث إنني نلت بعده شهادة من قرينة عمدة روما بأنني مصممة أزياء عالمية، وبعد مشاركتي في عرض خاص «للهوت كوتور»، أقيم في فندق غراند سان ريدجز في روما تحت عنوان (ليلة شرقية)، شارك فيه مصمم الأزياء المصري العالمي وخبير الأزياء الخاص بالفنانات العرب هاني البحيري،

ومصممة الأزياء البحرينية سيما، ومصمم الأزياء ومخرج العروض البحريني وفيق صلبيخ، وخبيرة التجميل السعودية شعاع الدحيلان، وحضره عبدالله الضنحاني من سفارة دولة الإمارات، ووليد النجار القائم بأعمال السفارة المصرية، وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي العربي في روما، وجمهور غفير من الإيطاليين والسياح الأجانب.

وتحت عنوان (عروس الإمارات) وعلى الإيقاعات والموسيقى الخليجية قدمت 14 ثوبا إماراتيا من تصميمي استطاعت انتزاع تصفيق الحضور الذين أثنوا على جمال الأزياء وروعة التصاميم، وكانت مفاجأة العرض حقائب تتناسب مع الأثواب مصنوعة من سعف النخيل كانت تستخدم قديما كأغطية للطعام ولكن بشكل عصري ومطرزة بالكريستال والمرايا، وبعضها مغطى بقماش الشماغ،

بجانب مهفات اليد المصنوعة من ريش النعام، والبراقع الإماراتية المطرزة بالكريستالات ولكن بالشكل الايطالي الذي يجعل المرأة تمسك ببرقعها عن طريق عصا جانبية، فتضعه على وجهها أو ترفعه عنه بسهولة كلما أحبت ذلك.

وتتحدث البستكي عن انبهارها بروما قائلة هي مدينة عبارة عن متحف مفتوح ففي كل مكان يمكنك ان ترى الآثار القديمة في الشوارع بجانب الأبنية الحديثة، هناك زرت نافورة تريفي وهي نافورة رائعة الجمال عبارة عن تماثيل يندفع من أسفلها الماء، ويلقي الزوار فيها النقود بعد ان يتمنوا بعض الأمنيات، كذلك شاهدت المسلة الفرعونية، والسلالم الأسبانية، والكولسيو والمتحف الحربي.

وتعود البستكي لذاكرتها في الزمن البعيد القريب وتقول كانت أول بلد سافرت إليها وأنا طفلة صغيرة هي باكستان، ومازلت أذكر تلك الرحلة وكأنها حلم في خاطري، وذهبنا هناك إلى شمال باكستان وإسلام آباد ولاهور وتلك المناطق تمتاز بالطبيعة الساحرة والجو البارد،

وقد أقمنا هناك في فندق على شكل كوخ يتمتع نزلاؤه بممارسة الحياة الطبيعية مثل الأكل المطهو على الخشب ويشربون من العصائر الموضوعة في قنينات داخل النهر وتكون باردة للغاية وكأنها خرجت من الثلاجة.

كذلك ذهبت إلى ماليزيا، وذهبت إلى كوالالمبور وجنتنج ايلاند ولانكاوي وجزيرة بنج، وأجمل ما يميز ماليزيا «الشوبنج» فكل ما ترغب ان تشتريه يوجد لديهم، وذهبت إلى تايلاند وتمتاز بأسعارها الرخيصة والتنوع الكبير في الأكلات البحرية وأكثر ما لفت انتباهي هناك ان لديهم كمية كبيرة من الكلاب في الشوارع إلا أنها مسالمة جدا.

وأعجبتني ألمانيا كثيرا حيث زرت ميونيخ، كذلك أفضل زيارة جرمش في الشتاء للاستمتاع برؤية الثلج، ويعجبني هناك شكل البيوت والأكواخ فهي على شكل رسومات جميلة وألوان رائعة. وزرت الهند كثيرا، ذهبت إلى دلهي وبنجلور وبومباي،

وفي تلك الأخيرة شاهدت أعدادا كبيرة من الناس يعيشون في الشوارع، يبنون لأنفسهم بيوتا من الكارتون أو البلاستيك تحت الجسور ويمارسون حياتهم بشكل عادي، وذلك لأنهم عندما خططوا مدينة بومباي كانت لتستوعب مليوني نسمة، اليوم تعداد سكانها 18 مليون نسمة، فهناك تضخم كبير في السكان مقابل صغر حجم المدينة.

وذهبت إلى باريس في شهر العسل وزرت ديزني لاند وتمتعت بالتسوق هناك، كذلك زرت لندن أكثر من مرة وأكثر ما يعجبني هناك الهايد بارك والمقاهي، أما كندا فأجمل ما يميزها شلالات نياجرا، وذهبت إلى أميركا وتحديداً ولاية أوهايو ونيويورك منطقة منهاتن وذهبت إلى شارع فاشون استريت وحضرت أسبوع الموضة في نيويورك.

وزرت بروكسل في بلجيكا وأجمل ما يميزها نافورة الولد الذي يعتقد أنه أطفأ حريقاً ضخماً كاد يتسبب في تدمير المدينة، وأهلها يتبركون بهذا الطفل. ومن الدول العربية زرت بيروت حيث أقمت عرضا للأزياء هناك، وذهبت إلى كازابلانكا في المغرب، وذهبت إلى كل دول الخليج.

غارة القرود

وتؤكد البستكي أنها في كل بلد تذهب إليه تبحث عن أزيائه الشعبية والحديثة أيضا، وتسعى لشراء الأزياء التقليدية لتقتنيها، أو لتمنحها بعض الأفكار التي يمكنها أن تضيفها على تصاميمها الخاصة، ومن أجل الأزياء من وجهة نظرها الأزياء الألمانية.

وتضيف رانية في كل بلد أذهب إليه أحاول أن أزور الأماكن المشهورة، وأحب التعامل مع الناس حتى ولو بالإشارة، فأنا أترك الفندق وأنزل إلى الشارع وأتعايش مع الشعب نفسه، كذلك أسعى لمعرفة أكلاتهم المشهورة وتذوقها،

فمثلا في تايلاند أعجبتني شوربة تميوم سوب وهي من الروبيان والأعشاب البحرية، وأعجبني الخبز الهندي كثيراً، وفي روما لا يوجد منافس للطعام الايطالي من البيتزا والباستا، في مصر الحمام وأنواع المحاشي والكشري والفول والطعمية، في أميركا الستيك.

ومن المواقف الطريفة التي تعرضت لها في سفرياتي أنه أثناء ركوبنا للتلفريك في ماليزيا سمعت أصواتا مخيفة ومزعجة وكان الوقت في المساء، وقد شعرت بالخوف فعلا لأن التلفريك كان على ارتفاع كبير عن الأرض كذلك كنا نمر بغابات كثيفة الأشجار، إلا أنني عرفت أن تلك الأصوات المخيفة هي للقرود،

كذلك ذهبنا إلى جزيرة هناك لصيد السمك وبعدها انتقلنا إلى جزيرة أخرى ليقوموا هم بشي السمك وطهي ما اصطدناه لنأكله. وعندما بدأن الأكل وجدنا كماً هائلا من القرود تحيط بنا وتصدر أصواتاً مخيفة، فقذفنا الموز بعيدا حتى تذهب إليه ولنتمكن نحن من مغادرة المكان.

وذات مرة في باريس وفي أحد المطاعم الراقية طلبنا من النادل أكلة مكتوبة بالفرنسية في قائمة الطعام، وبعد فترة أحضر لنا صينية كبيرة جداً معبأة بالثلج وبها كم من المحار والأكلات البحرية إلا أنها تؤكل نيئة، وبمجرد أن وضعوا الأكل بدأ الناس حولنا يصفقون لنا ونحن كنا مستغربين مما يحدث، ودفعنا ثمن الطعام إلا أننا لم نأكل

إيمان قنديل