للحديث معه طعم خاص لا تستطيع تحديد مصدره، هل هو في صراحته في سرد الأحداث، بما في ذلك ما يلامسه شخصياً، أم في ثقته بنفسه وفي مسيرته؟ لربما كانت لباقته وسرعة بديهته وذاكرته غلافاً ناعماً لصراحته وثقته بنفسه، فيأتي الحديث شيقاً.
خليفة حارب، شخصية فرضت نفسها على الساحة الرياضية وفي وقت مبكر من خلال العمل المتواصل والدراسة الأكاديمية في علم الإدارة، له إسهاماته العديدة في إثراء الحركة الرياضية، فأسس وهو في مرحلة الثانوية فريقاً لكرة القدم ضم إليه لاعبين بارزين في الأندية،
وهو في الجانب الاجتماعي يحتل نموذجاً لأجيال إذا ما عرفنا شأنه بالعمل وهو في مراحل الدراسة، فقط ليشغل وقت الفراغ ويتعلم كيف يتحمّل المسؤولية منذ الصغر فنسج مسيرة حافلة. وفي أواخر الخمسينات في منطقة فريج المرر بدبي ولد خليفة حارب، وفي عائلة تمتهن ركوب البحر،
نشأ وترعرع وسط أجواء اجتماعية متوسطة تغلفها البساطة والتواضع، وعن ذكرياته مع مرحلة الطفولة يقول: كان جدّي حارب بن حارب يمتلك مراكب صيد ويعمل في الصيد والغوص، ومعظم أفراد العائلة أخذوا عن جدي المهنة فعمل والدي غواصاً فترة ثم فضّل الالتحاق بشركة «كري ماكنزي» كقبطان على ما كان يسمى «تك» لسحب السفن الكبيرة إلى داخل الخور،
كنت أكبر الأبناء فاستفدت من تجربته أشياء كثيرة أهمها الصبر والقناعة، فقد كان حريصاً على تربيتنا بطريقة متوازنة تجمع بين الشدة والمرونة، ولأنني الأكبر فقد كان يقربني منه ويعاملني كأخ ليؤهلني لتحمل المسؤولية، وما عدا ذلك لم أكن أحظى بمعاملة مميزة، اللهم من زيادة في المصروف مقارنة ببقية إخوتي الصغار،
لكن مالا أنساه أبداً هو حرصه على أخذنا لبيت جدّي في منطقة بر دبي كل أسبوع. كانت العائلة تجتمع وتتبادل الآراء في الشؤون العامة والخاصة، وكانت هذه الأجواء فرصة لنلتقي بأبناء العمومة خلفان حارب وخالد حارب وحمد حارب، والأجمل أنني كنت أسير من منطقة فريج المرر إلى الخور مستغلاً العبرة، فكانت هذه الرحلة تمثل متعة خاصة لا أنساها، بالمناسبة فان بيت جدي في بر دبي تم ترميمه في الآونة الأخيرة وأصبح ضمن المزارات السياحية في منطقة بر دبي.
مسيرة دراسية
منطقة فريج المرر شهدت أحلى أيام طفولتي، كانت الساحات الشعبية كثيرة وواسعة وتستوعب ألعابنا ومغامراتنا الصبيانية، مارسنا الألعاب الشعبية بمختلف أنواعها، وكنا نمارس كرة القدم على استحياء لأننا لم نعرفها في ذلك الوقت إلا من خلال من سبقونا بدخول المدرسة،
لكنها بعد ذلك أصبحت لعبتنا المفضلة خصوصا بعد ان التحقت بمدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية مع يوسف السركال وحميد المري وجاسم محمد وآخرين، هناك تعرفنا على لعبة كرة القدم مع الأساتذة العرب، لكنني أيضا انخرطت في أنشطة أخرى مثل الاذاعة المدرسية وكنت القي الاخبار، أيضا كانت لي مشاركاتي الثقافية في بعض المسرحيات ومثلت في مسرحية بعنوان «المهلب بن أبي صفرة»،
ومع أنني كنت جريئاً جداً إلا أن مسألة التحاقي بالمدرسة في الأيام الأولى كانت مغلقة بالخوف والرهبة، وكانت العادة ان يصطحب الأب أبناءه في الأيام الأولى للمدرسة إلى ان يتعود على الوضع الجديد، وعلى الرغم من ذهاب أصدقاء من الفريج معي إلا ان رهبة طابور الصباح وكثرة التلاميذ ومشاهدة الأساتذة عن قرب أصابنا بالخوف،
خصوصا تحية العلم التي كانت تهز وجداني، لكن الأساتذة وجميعهم أفاضل ومتمكنون استطاعوا ان يزيلوا عنا هذه الرهبة فبادرت سريعاً لأقف وسط طابور الصباح مشاركاً في الإذاعة المدرسية، وأظن ان هذه التجربة كان لها الأثر الكبير فيما بعد في محاورة الآخرين والتعامل معهم.
كانت مدرسة عمر بن الخطاب قريبة من البحر «مقابل حياة ريجنسي الآن»، وعندما يحدث المد كانت المنطقة تغرق في المياه فتعطل المدرسة عدة أيام، كنا نمرح وننتهز هذه الفرصة للهو واللعب في المياه الضحلة، لكنني في نفس الوقت كنت محبا للمدرسة والدراسة،
وكنت متفوقا إلى حد ما، وهذا يعود إلى رغبة والدي واهتمامه بتعليمنا وحرصه على ذلك، وربما يفسر ذلك عدم ممارسة كرة القدم كلاعب بصورة جدية، وعلى هذا المنوال سارت مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة، بين تحصيل دراستي وحب لحصة التربية الرياضية والأنشطة المدرسية التي كانت تشمل أيضا نشاطات اجتماعية من خلال الصحة المدرسية والهلال الأحمر.
كما كانت لنا تجربتنا الجميلة والرائدة عندما شكلنا مجموعة عملت على إنشاء إدارة مقصف المدرسة تحت اشراف احد المدرسين، منذ كنا نعد ونبيع الأطعمة والمأكولات للتلاميذ، وقد أفادتني هذه التجارب في العمل الإداري بعد ذلك.
تشكيل فريق القادسية
أما مرحلة الثانوية فقد كانت مختلفة تماما فقد كبرنا وأصبحنا شبابا باستطاعتنا اختيار ممارساة هوايتنا اعتماداً على أنفسنا، وكانت ثانوية دبي في ذلك الوقت تشع علماً وثقافة وأنشطة رياضية مختلفة، يكفي ان فريقها الكروي كان يضم لاعبين مميزين أمثال أحمد عيسى وحسن علي وغيرهم،
كنا نحن الحديثين في المدرسة نكتفي بمشاهدة مباريات الفريق وتدريباتهم والاستمتاع بالفرجة عليهم، صحيح أننا كنا نمارس اللعبة في المدرسة ونتدرب معهم، لكن لم يكن باستطاعتنا مجاراتهم في المهارة، ولذلك لم يقع الاختيار علي لانضم للفريق،
لكنني عوضت عن ذلك خارج المدرسة وانشأتـ فريقاً لكرة القدم أسميته القادسية، وكنت مشرفا عليه اداريا وكابتن الفريق في نفس الوقت، وكان من ضمن أعضاء الفريق عنتر مرزوق وعبدالرسول لاعب الأهلي السابق، ويوسف عزيز وعيسى صنقور وسهيل سالم وآخرين. ومع هذا الفريق قضيت أياماً جميلة سواء على مستوى المشاركات في الدورات الرمضانية والاحتكاك بالفرق الأخرى، أو على مستوى الصداقة التي جمعتنا.
إداري رياضي
في مرحلة الثانوية وخارج نطاق المدرسة كنا نتابع مباريات النصر والأهلي، وكانت تجمعني بلاعبي الفريقين علاقة وطيدة، لكن علاقتي بالنادي العربي «الشباب» كانت أكثر تميزاً خصوصاً مع اللاعبين حسن علي وإبراهيم ياقوت وسعيد سالم وكانوا أصدقاء مقربين، والفارق بيني وبينهم أنهم أخلصوا لكرة القدم واتجهوا إليها،
في حين فضلت أنا اكمال دراستي والالتحاق بالجامعة، في هذه المرحلة الفاصلة كان والدي كعادته إلى جانبي يقدم النصح بإكمال الدراسة لانها الأهم، وأن الرياضة لا تطعم خبزاً، وبالفعل التحقت بالجامعة ودرست في كلية الآداب قسم اجتماع،
وهذا يُكن مفارقة لابد وأن أذكرها، وهي انني كنت محباً لمادة الرياضيات ومتفوقاً فيها، لكن التخصص الأدبي هو الذي كان مسيطراً على عقولنا في مرحلة الثانوية، وكان يزاملني في تلك المرحلة الدكتور أيوب بدري وكان متفوقاً جداً فرحت أجاريه في المذاكرة والتفوق، وعندما تخصص في القسم الأدبي فعلت نفس الشيء مع صديقي عنتر مرزوق وسعيد سالم.
في الجامعة كونت صداقات جديدة، وأصبحت أكثر خبرة في إدارة العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، وفي السنة الثانية تم انتخابي رئيساً لجمعية الاجتماعيين بالجامعة، ثم مديراً لفريق الجامعة لكرم القدم، وفي ذلك الوقت كان عمر عبدالعزيز الحاي هو مدير الأنشطة الرياضية بالجامعة،
وهو شخصية أكن لها الاحترام فقد اعطاني الفرصة مع الزميل والصديق عبدالمحسن الدوسري لنكون مشرفين على الأنشطة الرياضية الجامعية، وكان داعماً لي في هذا الجانب فاستفدت منه الكثير من خبايا علوم الإدارة،
وكان فريق الجامعة آنذاك يضم أسماء كبيرة مثل علي بوجسيم ومحمد عبيد الملا وعلي إبراهيم وحمد حارث وسالم حديد، وكانت تلك الفترة حافلة بالأنشطة والفعاليات سواء داخل الجامعة أو خارج الدولة، فقد سافرت مع فريق الجامعة إلى تونس وتايلاند كإداري مع البعثات، لكن المحطة الأهم في تلك الفترة كانت في عام 1982،
ففي هذا العام صدر قرار من الجهات الرياضية المختصة في الدولة بالاستغناء عن اللاعبين الأجانب المحترفين في الأندية، وفي بادرة طيبة أراد الشيخ حمدان بن مبارك أن يكرم هؤلاء المحترفين على طريقته الخاصة،
واقترح إقامة مباراة تكريمية بين المحترفين بتقسيمهم إلى فريقين، واختارني لأكون مديراً لفريق ضم اللاعب القدير حسن بولو ورابح مادجر وخالد بو الأبيض وهبيطة وحسن نظري وفزكي وكان المدرب لهذا الفريق دون ريفي، اما الفريق الآخر فكان عبدالمحسن الدوسري مديراً له، واقيمت المباراة تحت شعار «مهرجان الوفاء».
هكذا عملت إداريا وانا مازلت طالباً في الجامعة، وقبل التخرج بعام طلب مني أحمد سيف بالحصا أن أتولى منصب مدير الكرة بالفريق الأول لنادي الشباب في هذا المنصب والعمل في نادي الشباب حتى الآن، فقد توليت أيضا إدارة فريق الشباب بالنادي، ورئيس لجنة كرة القدم، وأمين السر المساعد، وأمين السر العام، والآن عضو في مجلس الإدارة،
وفي خط متواز مع سيرتي في الحقل الرياضي، كانت سيرتي في حياتي المهنية التي بدأت بعد التخرج مباشرة بالتحاقي بوزارة العمل وعملت فيها رئيساً لقسم التنمية الاجتماعية عامين، ثم انتقلت بعد ذلك للعمل في بلدية دبي رئيساً لقسم السجل التجاري، وبعد عام رقيت لمنصب رئيس قسم التفتيش التجاري، ثم نائباً لمدير إدارة الترخيص إلى جانب عملي في التفتيش التجاري.
زوج وأب على مقاعد الدراسة
كانت مرحلة الجامعة محطة مهمة في حياتي المهنية والرياضية، لكنها ايضاً كانت مهمة في حياتي الاجتماعية، فبعد حصولي على الثانوية وقبل دخولي الجامعة تزوجت، كان زواجاً تقليداً باختيار الأهل، وكان لوالدي رأي في هذا الشأن، مفاده أن الزواج في هذا السن يحفظ الشباب، كذلك كان الأهل يحبون أن يروا أحفادهم ويلعبوا معهم،
وهكذا وجدت نفسي أباً وأنا في السنة الأولى من الجامعة، بدأت الجامعة ولدي طفلان، محمد وشمة، كان الأمر صعباً على نفسي وأنا لا أراهم لمدة أسبوع، ولكن الحمد لله، هذه التجربة جعلتني أتحمل المسؤولية في وقت مبكر، ومع أنني فخور بهذه التجربة وأؤيد فكرة الزواج المبكر، لكنني لا أطبقها على أولادي أبداً، وأترك لهم الحرية التامة في تسيير أمورهم الدراسية والاجتماعية،
فالوقت تغير، ولكل جيل أفكاره وقناعاته، ولا أرى أن هذا الجيل باستطاعته أن يجاري ما فعلناه نحن، وأذكر أنني كنت أعمل في الإجازات الصيفية وفي مهن مختلفة منها صراف تذاكر في إحدى دور العرض السينمائية، وعملت في دوائر حكومية كثيرة، وعملت أيضا سائق تاكسي في سيارة كان يمتلكها والدي، وأذكر أنني دفعت أول قسط لأول سيارة اشتريتها بعد أن عملت في وزارة المالية، صحيح أنني لم أكن بحاجة شديدة للمال حتى أعمل،
لكنه الإصرار لتحمل المسؤولية واكتساب الخبرات وإشغال وقت الفراغ أيضاً، والحق أن الوالد كان يشجعني على ذلك ويشد على يدي، والخلاصة أن الأحوال المادية كانت ميسورة، والأهل لا يبخلون علينا، ومع ذلك كنا نعمل ونجتهد، وكنا أيضاً نلعب ونمارس هواياتنا في الوقت نفسه.
الآن الأمور مختلفة، والجيل الجديد له رؤيته الخاصة، ويكفي أن أقول لك بأنني أردت إهداء ابني محمد هدية بمناسبة نجاحه، وأردت أن أجعلها مفاجأة له، فاشتريت له سيارة لكنها لم تعجبه، كان يريدها بمواصفات معينة ونسي أنها مجرد هدية فهو تفوق في الدراسة ويهوى البحر والصيد، وتنحصر هواياته في التقنيات والكمبيوتر، شمة متزوجة وتبقى مريم وهي آخر العنقود ودلوعة البيت.
وكما قلت، أنا أترك حرية الاختيار لأولادي، لكنني لا أتهاون في رد المخطئ وتصويبه، كما أنني أحرص على اصطحابهم لزيارة جدتهم حتى يتعلموا الترابط والتواصل الأسري، أما رحلاتي معهم فهي كثيرة ومتعددة، ولهم حقهم في الخروج معهم أسبوعياً إلى السينما أو المطاعم.
بالنسبة لي فالسفر أمر عادي في حياتي، استمتع وأختزن الذكريات والمشاهد الجميلة في كل رحلة أقوم بها سواء على مستوى العمل أو الاستجمام، ومن خلال سفراتي كونت صداقات كثيرة مع شخصيات رياضية في كثير من الدول التي زرتها،
وعلى المستوى المحلي فأنا محب للرحلات الداخلية، وكنا نذهب كمجموعة إلى الإمارات الشمالية ونخيم فيها لعدة أيام، وكان منظم هذه الرحلات الصديق سالم جمعة، وكان يشرف على كل شيء وخصوصا الطهي. وكنت أجرب أن أشارك في إعداد الطعام ولكن لست ضليعاً في هذا الجانب، على الرغم من أنني أحب أن أتلذذ بما طهوته.
صاحب بصمات رياضية
يقول أحمد عيسى: خليفة حارب من الرموز البارزة على الساحة الرياضية كإداري ناجح لا يُشق له غبار، وله بصماته الواضحة سواء في نادي الشباب أو في الحركة الرياضية الإماراتية، فهو رجل المهام الصعبة، التي يؤديها بكل تفانٍ ونجاح، فهو محب لعمله ولبلده ولأصدقائه،
ومخلص في كل شيء، يبدي رأيه بكل صراحة ومن دون مواربة، وعلى المستوى الشخصي ورغم أنني كنت لاعباً في النادي الأهلي إلا أن خليفة حارب كان له دور كبير في دعمي وتعزيز ثقتي بنفسي كلاعب، نعم كنا نتواصل في الحياة العامة كلاعبين وإداريين في نادي النصر والنادي الأهلي ونادي الشباب والوصل، وتبقى المنافسة داخل الملعب فقط، لم تكن هناك حساسيات أيام جيلنا،
وخليفة حارب من ذلك الجيل الذي أعطى وما زال يعطي حتى الآن من دون تعصُّب لناديه أو فريقه، وهو إلى ذلك من أوائل المتابعين للحركة الرياضية وأعطاها الكثير من وقته وجهده، كما انه على المستوى الاجتماعي خلوق يتواصل مع أصدقائه ودائم الوفاء لهم.
عنتر مرزوق: لا شك أن خليفة حارب من الإداريين المميزين الذين آثروا الساحة الرياضية منذ فترة طويلة، سواء من خلال مناصبه المتعددة في نادي الشباب أو من خلال تواصله مع الأندية الأخرى، وهو على مدار 20 عاماً من العمل المتواصل في نادي الشباب قدم الكثير وما زال يجتهد في عطائه حتى الآن، ويُشار إليه كواحد من الكفاءات النادرة في مجال العمل الإداري،
ويؤخذ عليه أنه ابتعد قليلاً في فترة سابقة عن العمل الرياضي لكنه عاد وبقوة الآن ليواصل ما بدأه من قبل. وخليفة حارب رجل صريح لا يعرف المواربة في حديثه ولا يخاف في الحق لومة لائم، ويبدو أن الصحافة في زمننا تغضب الآخرين، وأرى أن صراحة خليفة وجرأته أثرت كثيراً على وضعه المهني، فهو يستحق أكثر مما هو عليه لولا أنه لا يحب مجاملة أو منافقة أحد
عزالدين الأسواني



