هل الروح حقاً هي ماء العبارة ووقودها الذي لا ينضب؟ وأية صورة للكاتب تلك التي ارتسمت في أذهاننا والتي افترقت عن صخب الحياة وضجيجها الأصم؟ وما الذي يعنيه «أراغون» بقوله: «الق بأوراقك جميعاً.. الربح في الخسران» وماذا إن كان طموح الكاتب أن يصبح نجماً وأن تتصدر صورته أغلفة المجلات؟ وكيف نعيد الاعتبار إلى الشعراء الذين نصبوا خيامهم خارج مضارب القبيلة وأشهروا حروفهم بوجه القيم المكرّسة وكتابات الموالاة النابذة لجوهرة الروح والمعنى؟
أسئلة كثيرة.. ومرارات كبيرة، وعلامات استفهام تنطوي أقواسها الحانية على شظايا القلب الحادة.. إلا أن للحياة أوجه لا تُحصى، وللإنسان طرائق في قراءة الحياة والتعبير عنها لا تقف عند حد، ونحن بحضرة الأسطر المقبلة نمضي مع روائية شابة، ابتدأت علاقتها مع الكتابة منذ أن كان عمرها 12 سنة وأصدرت روايتها الأولى وهي بنت 14 سنة.
والروائية ريما جبارة تكتب باللغة الانجليزية، لمعرفتها العميقة بهذه اللغة والتي تأتت عن تعليمها في المدارس الأميركية والأجنبية منذ المراحل الأولى وهي لا تجد مشكلة بذلك، فالانجليزية على حد تعبيرها، لغة عالمية، ومن خلالها يستطيع الكاتب ان يصل إلى عدد أكبر من القراء، وهي ترى ان واقع الكاتب والمبدع العربي واقع بائس فتقول: الكاتب العربي يموت معدماً وفقيراً وهو لا يستطيع الحصول على قوت يومه من كتابته،
ولا يلقى الاحترام الذي يستحقه على نقيض ما يحدث في الغرب، لكنها لا تخفي إعجابها ببعض الكتاب العرب وفي مقدمتهم غادة السمان التي تعدها أفضل كاتبة عربية ونزار قباني الذي تتخذه مثلها الأعلى في الشعر، كما أنها تحب نجيب محفوظ لكنها تفضل إحسان عبدالقدوس عليه.
رواية كل سنة
لا تعرف كيف وجدت ريما جبارة نفسها وهي مسترسلة في عالم الكتابة خصوصاً أنها على حد قولها، لم تر أحداً من أهلها يحمل كتاباً، وأنه ليس ثمة مكتبة في بيتهم، سوى المكتبة التي جمعتها فيما بعد رغم ان والدها كان يعمل صحافياً إلا أنها لا تتذكر تلك المرحلة، ولم تتلق تشجيعاً من أحد، تقول: وجدت نفسي أكتب دون ان اعرف كيف ولماذا؟
وقد كنت بعمر الثانية عشرة حيث بدأت كتابة القصص القصيرة التي أعدت صياغتها فيما بعد وحولتها إلى رواية تحمل عنوان (الحب الجارف) وأصدرتها وأنا في الرابعة عشرة، ولعل موضوع الحب وأجواء الرواية، قد جاءت من تأثري بقراءتي لنزار قباني في تلك الفترة ومتابعتي الدائمة للمسلسلات المكسيكية ذات الطابع الرومانسي والتي لامست داخلي بشدة، ثم توالت إصداراتي بمعدل رواية كل عام تقريباً.
وتضيف: ان روايتها الثانية والثالثة كانت مواضيعها تدور حول الحب أيضاً لكنها تحولت فيما بعد إلى مواضيع ومجالات أخرى، غير ان القاسم المشترك في أْمالها، هو المرأة، وهي تريد بذلك ان يتعرف القارئ وخصوصاً الرجل على الكيفية التي تفكر بها المرأة والطريقة التي تعبر بها عن نفسها.
وليست أية امرأة انها المرأة الحرة والمستقلة التي لا تسمح لأحد بالتدخل في شؤونها الخاصة وبحياتها بشكل عام أنها تقدم نموذجاً عن المرأة الجريئة التي تعتد بنفسها وبقراراتها الصادرة من نفسها فحسب وهي تمزج بأعمالها بين الواقع والخيال وتستمد موضوعاتها من البيئة القريبة أو المتخيلة.
رغم ان أبطالها يعيشون أحداثهم في بيئة أخرى غير التي تعرفها، إلا أنها تعزز معرفتها بالأمكنة التي يعيشون خلالها سواء في أميركا أو أوروبا عن طريق البحث في الانترنت واستخلاص معلومات دقيقة ومكثفة عنها. وهي تعزو اختيارها لتلك الأماكن، بأن تلك الأحداث لا يمكن أن تقع في مجتمعاتنا العربية، فموضوعاتها والنماذج التي تقدمها لا تسمح بها الثقافة العربية أو طبيعة الحياة الاجتماعية هنا.
فقد رصدت في أحد أعمالها موضوع الحب في عالم الموضة والأزياء وما يحدث من تناقضات وصراعات ونماذج مركبة في ذلك العالم وتضيف إلى أن اختيارها لتلك المواضيع يعود إلى شغفها القديم بعروض الأزياء حتى أنها تعلمت المشي على طريقة عارضات الأزياء، وكيف تقف مثلهن أمام الكاميرا، تقول: من ذلك كله تعلمت كيف أقف أمام عدسة الكاميرا وأبرز جمالي وكأنني إزاء رجل.
علاقة الكاتبة والغلاف
«دقائق من الطين»، «كلمات متشابكة» «الدمار الصامت»، «حلم لشخصين» «آنسة إغراء»، «كهرمان»، «أمل»، «أسمهان»، «الطريق إلى الجحيم»، «شمس»، و «ثلاثية الحب».. تلك مسميات بعض إصدارات ريما جبارة التي تتخير لها أغلفة غاية في الأناقة وتقوم بوضع التصاميم بنفسها، وتعد جبارة الغلاف أهم شيء في الكتاب حتى أنها تقتني الكتب إن أعجبتها الأغلفة الخاصة بها.
وتقول: إذا رأيت غلافاً مملاً لكتاب فأنا لا أنظر إليه، أما عن أغلفتي فقد وضعت في كل غلاف صممته شيئاً مني وعلى سبيل المثال وضعت صورة شفاهي على غلاف آنسة إغراء، وخيالي على كهرمان، ووضعت صورتي كاملة على «حلم لشخصين».
وقلما تجد كاتبة جريئة مثلي تضع صورتها على الغلاف الأول، غير أنني أتصور بطريقة تعكس فهماً مختلفاً وتشعرك بأن ثمة قصة معينة تقف خلف هذه الصورة، وأنا لا أتصور بشكل عادي، حتى أنني أقصد أشهر المصورين وأبرعهم لالتقاط صوري، ولدي ما يقارب 4000 صورة شخصية وكلها ملتقطة بشكل مختلف ومميز.
وأنا أهتم بصورتي كثيراً وأحب نفسي كثيراً وقد أمضي أكثر من 5 أو 6 ساعات أمام المرآة وأتأمل نفسي وأدرس عظام وجهي وأعرف بالضبط كيفية إبراز الجمال فيه، فأنا لا أتصور صوراً تقليدية ومملة مثل سائر الكتاب، فصوري يجب أن تحتوي على اللون والحياة وأن تستطيع إثارة الأسئلة والدهشة. تولي ريما الأهمية الكبرى في كتاباتها إلى الفكرة
وخصوصاً الجريئة منها وهي تبحث عن التميز في الكلمة وعن البساطة في التعبير، تقول درست ضمن تخصصي الجامعي في اللغة الانجليزية أدب شكسبير والأدب الايرلندي، وقد أصبح لدي كره للغة المعقدة، فرحت أكتب باللغة الانجليزية المبسطة فما يهمني هو جوهر الموضوع وليس شكله،
وأن يصل القارئ إلى ما وراء الفكرة التي أريدها، ولا أحفل بكيفية تقدم هذه الفكرة فالمهم أن تكون قادرة على التعبير عن موقفي وقناعاتي في هذا العالم وأن تحمل هواجس شخصياتي وتأملاتهم، وأن تأخذ مكانها في الحيز النقدي الذي أحاول إثارته في مجمل أعمالي.
طقس الكتابة
وعن طقوسها في الكتابة تقول: لا أستطيع الكتابة دون أن أنصت إلى الموسيقى الروحية وخاصة لسارة برايتمان، ويجب أن تفوح رائحة الياسمين في أرجاء المكان، والذي يجب أن تكون ألوانه بنفسجية بأكملها، حتى أنني لا أعرف أن أكتب إلا بالحبر البنفسجي وبريشة الكتابة،
وأحب الأضواء الخافتة وأضواء الشموع، وأحب بخور الياسمين الهندي، كما أن هناك الكثير الكثير من نماذج متنوعة لليوم الذي أتفاءل به كثيراً. أنهت ريما جبارة الماجستير في «الماركتينغ» وتنوي إكمال الدكتوراه في التمثيل أو المسرح،
وتقول إن قراءها أكثرهم من الهنود والفلبين وكذلك من السعودية والبحرين، وقد عرفت ذلك عن طريق بريد المعجبين والزوار على موقعها الإلكتروني التي توليه عناية كبيرة، والموقع يتجدد سنوياً بشكل كامل من الصور والكلام وهو يتضمن مقابلاتها الصحافية وصور من سفراتها حول العالم،
بالإضافة إلى موقع الغاليري الذي يتضمن صورها المتنوعة وهنالك باب يتضمن آراء كتاب آخرين وقائمة بالأشياء التي تحبها والتي لا تحبها، وباب يتضمن بعض أسرارها كالهدايا المتميزة التي تلقتها في حياتها، كمحبين لحمار تلقته من أبيها وريشة من حبر بنفسجي تلقته من أحد أصدقائها.
وتنتهي جبارة إلى أنها تحب أن تلقّب بالكاتبة غير التقليدية، وهي تسعى إلى تكريس هذا اللقب عن طريق كتاباتها بالدرجة الأولى وعن طريق ارتدائها لبعض الأزياء الغربية كثوب الريش اللافت التي أجرت مقابلة تلفزيونية وهي ترتديه، كما أنها تعمد إلى صبغ شعرها بألوان غريبة، كالأزرق والأبيض والأحمر الناري.. فهي تحب التغيير سواء كان التغيير جميلاً أم لا..
إسماعيل الرفاعي


