رجل يتعاطى مع كل شيء بشفافية وصدق مثقف لا تعوزه الحكمة وطرح الحجة في وجه المستجدات الغريبة، صاحب ذاكرة ارشيفية حاضرة فيها الأسماء والأمكنة والأحداث، يحتفظ في مكتبه بصور نادرة لمدينة دبي القديمة، وصور أخرى كثيرة مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في رحلات القنص والاستجمام، بطي بن بشر شخصية فريدة بما يملك من معلومات ومشاهدات وقربه من شخصيات مؤثرة في صناعة القرار.

ولكونه تعلم في فترة عز فيها المتعلمون، وبادر بنفسه لتعلم كل ما هو جديد فكان أول من أجاد الطباعة على الآلة الكاتبة وهو شاهد على تفاصيل كثيرة لمخاض قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، والأهم من ذلك كله أنه يتحدث سارداً ذكرياته مع الأسماء والأمكنة كعاشق.

عزالدين الأسواني

ويستهل بن بشر حديثه بالدعاء قائلاً: إن الله وفق حكاماً ببلد وبلداً بحكام، فقد اجتهدوا في فرض النظام والأمن والأمان للمواطنين، فنعم صاحب التجارة والصياد وكل أصحاب المهن بالاستقرار بل وبدعم من الشيوخ وتشجيع منقطع النظير، بدليل أنهم لم يفرضوا ضرائب على أصحاب الأعمال والتجار،

والأمان في دبي بالتحديد كان موجوداً ومتوفراً لسكانها الذين بلغوا ما يقارب عشرة آلاف نسمة موزعين في منطقتي ديرة وبر دبي، وكانت العائلات المواطنة معروفة ببيوتها ورجالها، وكانت عائلتي مرتبطة بمنطقة بر دبي وبالتحديد في الشندغة،

ومنطقة بر دبي كانت تبدأ من مربعة عبيد «دوار الصقر سابقاً» وحتى المقبرة وما يقابلها، وكانت المنطقة محاطة بسور يضم داخله البيوت وقلعة الفهيدي ومجموعة من المربعات التي كانت تستخدم لأغراض أمنية يصعد الحراس أعلاها يراقبون الغرباء، وهذه المربعات كانت موجودة بكثرة في منطقتي ديرة وبر دبي، ومنها ما هو موجود حتى الآن مثل برج نهار،

وكانت هناك مربعة تسمى «أم رجول» قرب مبنى بلدية دبي الآن، وكان الحراس داخل الأسواق يتجولون أثناء الليل وينادون على بعضهم البعض في حالة وجود لصوص، لكنهم كانوا يداومون على إطلاق الصيحات العالية دليلاً على وجودهم ويقظتهم فيخاف اللصوص وفي نفس الوقت يشعر السكان بالأمان.

حكاية شعرة لحية أبيه

ولكن الأمان في الأصل كان ينبع من داخل الناس، فقد كان الدين هو عماد المعاملات بين السكان، وخشية الله كانت هي الغالبة، ولذلك قليلاً ما كانت تحدث جرائم، وإن حدثت فقد كان هناك القضاة الذين ينظرون في مثل هذه الأمور، كان هناك قاض للمخالفات، وآخر للشؤون العائلية، وثالث للمعاملات التجارية وقاض للأملاك،

وكل قاض يتخذ من مجلسه في بيته مكاناً للنظر فيما يعرض عليه، ومعظم المشاكل والقضايا كانت تحل بالاتفاق والتراضي بين المتخاصمين، أما الحياة الاجتماعية نفسها فقد كانت بسيطة للغاية، ولا يشوبها التعقيدات الموجودة حالياً، فالجار يعرف حق جاره عليه، وكلمة الرجل أقوى بكثير من العقود التي تبرم حالياً، والأمانة صفة يتميز بها التجار قبل الناس العاديين،

وهنا اذكر واقعة حدثت مع والدي وكان تاجراً معروفاً بكثرة أسفاره لإفريقيا والهند والسند والعراق، فتعرضت سفينته لحادث وهو في طريقه إلى العراق لشراء بضاعة، وأثناء ذلك فقد الصندوق الذي يحتفظ فيه بالنقود، وعندما وصل أبلغ البائع بأنه لا يملك نقوداً ثمناً للبضاعة، وأعطى للتاجر أمانة مغلقة لحين سداد المبلغ،

ثم أبحر لإفريقيا وباع ما لديه ثم عاد قافلاً إلى العراق دون أن يمر على دبي كعادته، فوصل إلى العراق في غير الموعد المعتاد فتعجب التاجر من هذا الأمر وهو يتسلم نقوده، وقبل أن يعيد الأمانة لوالدي سأله عما في الصندوق، ففتحه والدي وأخرج منه شعرة كان قد انتزعها من لحيته وهو يقول إن استعادة هذه الشعرة لا تعادلها أموال الدنيا كلها.

وكما قلت كانت التجارة متنقلة بين الهند والسند، باكستان وبنغلاديش حالياً وإيران والعراق، وكان هناك تجار يأتون من إفريقيا أيضاً، وهذا يفسر الكثير من الأمور سواء على مستوى المفردات أو الأهازيج التي يتداولها الناس دون أن يعرفوا أنها غريبة وكانت نتاجا لتبادل الثقافات عبر هذه الرحلات التجارية،

أما السلع التي كانت تأتي إلى دبي فهي كثيرة وفي معظمها تكون مواد غذائية مثل الأرز والتمور والشمريش وهو نوع من الذرة، وكانت دبي مستوردة لهذه السلع ولم يكن لديها ما تصدره، غير أن أهل المنطقة عموماً ودبي خاصة كانوا مشهورين بتجارة اللؤلؤ.

وعودة لحياة الناس في دبي فقد كانوا يتناولون وجبتين غذائيتين فقط كل يوم، وجبة الغداء ووجبة العشاء، أما الفطور فكان مقتصراً على كوب الشاي وقليل من التمور، وأحياناً كان الأهالي يستغنون عن وجبة العشاء فيناموا خفافا،

وكانوا يقضون جل وقتهم في العمل الذي يتطلب السفر سواء للاتجار أو للصيد والغوص، وكانوا يقضون فترة الشتاء في منطقة الشندغة، أما في الصيف فكانوا ينتقلون إلى بر دبي مقابل المقبرة، وكانت هذه المنطقة عبارة عن غابة نخيل ومزارع، وفيها تكون درجة الحرارة أشد وطأة في غيرها من الأماكن، تماماً كما هو الحال بالنسبة لديرة التي كانت مشهورة بمنطقة البراحة كمصيف يذهب إليه الناس.

النظام التعليمي القديم أفضل

وعن التعليم الذي كان سائداً قديماً في دبي يقول بن بشر: كانت الكتاتيب أكثر مكان يذهب إليه الأطفال، وكان تعلم القراءة والكتابة هو أول ما نتعلمه، كنا نتعامل مع الحروف حفظاً ونطقاً سليماً، ثم بعد ذلك نتعلم المفردات وتكوين الجمل إعرابا وصرفاً ثم ننتقل إلى القرآن ونبدأ بالفاتحة، لم يكن التلميذ يقترب من القرآن إلا بعد أن يتمكن من اللغة العربية ومعرفته بأصول الإعراب والصرف،

فإذا ما بدأ في قراءة القرآن وحفظه ومن ثم تلاوته وتجويده فهو يكون قد عرف معاني الكلمات القرآنية، فلم يكن الحفظ لمجرد الحفظ فقط كما هو حاصل الآن، لهذا فإن جميع من تتلمذوا وتعلموا في هذه الكتاتيب أصبحوا فيما بعد ضالعين في اللغة العربية،

وأتحدى أن يقف أمامهم خريجو الجامعات الآن أو أن يصمدوا أمام اللغة العربية مثلهم، واذكر أنني أمليت على أحدهم أبيات شعر لأحد الشعراء الجاهليين وجعلته يكتبها بنفسه، ثم طلبت منه أن يقرأ ما كتب، فتلعثم كثيراً ولم أسمع منه مفردة صحيحة في إعرابها أو حتى في نطقها،

وهكذا أرى أن طريقة التعليم التي شببنا عليها كانت مفيدة فلا أكثر من أنك تبدأ بثقافة محترمة منذ الصغر، وإن جئت للحساب والأرقام ستجد الفارق كبيراً بين ما تعلمناه وما يتعلمه الطلاب الآن، فقد كنا نحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب، ونقوم بالعمليات الحسابية المعقدة غيابياً، أما الآن فترى التلاميذ يلجأون إلى الآلة الحاسبة في أجوبتهم عن المسائل الرياضية، واعتبر هذا تراجعاً كبيراً في طريقة التعليم وتنشيط ذهنية الطالب وتحفيزه على الابتكار وإعمال العقل.

العلاقة مع زايد

أعمال كثيرة مارسها بطي بن بشر ومهام كثيرة أوكلت إليه أهمها اختيار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان له ليكون سكرتيراً خاصاً لفترة طويلة، لكن عملية الاختيار سبقتها محطات تعطي إشارات لما كانت عليه الأحوال في فترتي الخمسينات والستينات، يقول بن بشر: الشيخ زايد قبل كل شيء كان صديقاً للوالد، وكانت هناك زيارات متبادلة مع آل نهيان عموماً،

وفي تلك الفترة كنت صديقاً للشيخ سعيد بن شخبوط عم الشيخ زايد الذي كان يستدعيني عندما يذهب إلى مدينة العين للاستجمام، وكنت أذهب إليه بسيارتي إلى أبوظبي ومن ثم ننطلق إلى العين، أو ألحق به مباشرة من دبي إلى العين، والسبب في ذلك أن عدد السيارات في أبوظبي وقتها لا يتجاوز العشر سيارات كانت مملوكة للأعيان، وكنت أذهب بسيارتي لأساعده في نقل الأشياء والمستلزمات وللسمر معه،

وهنا أنوه إلى أن عملية السفر والانتقال كانت في غاية الصعوبة، وكانت السفن هي أهم الوسائل بين دبي وأبوظبي خصوصاً وأنها كانت تحمل الماء إلى أبوظبي، أما وسائل السفر الأخرى فكانت تنحصر في قوافل الجمال التي تأخذ وقتاً كبيراً،

وصعوبة السفر بالجمال أو بالسيارة كانت تتطلب مهارة ومعرفة بالطرق والاتجاهات، المهم أنني تعرفت إلى المغفور له الشيخ زايد من خلال صداقتي للشيخ شخبوط، كنت في تلك الفترة أيضاً صديقاً لماجد الغرير الذي كان يفكر في منتصف الستينات في إنشاء بنك عمان،

واختارني أنا وعبد الله بن حارب وأحمد بالحصا لنكون معه، ثم بعد ذلك أراد أن يفتتح فرعاً للبنك في أبوظبي، ولكن الشيخ شخبوط رفض ذلك بشدة، فاقترحت على ماجد الغرير أن يفتتح الفرع في مدينة العين، وكان الشيخ زايد في ذلك الوقت حاكماً على العين، فذهبنا أنا وعمير بن عبد الله بن سعيد الفلاسي وكان أيضاً صديقاً للشيخ زايد،

ومعنا خليفة الصيري وبعض أعيان دبي، وصلنا إلى العين بعد الظهر، واستقبلنا الشيخ زايد على العشاء في قصره، ثم أخذني على انفراد وسألني، زيارة أم رحالة؟ فحكيت له قصة افتتاح فرع لبنك عمان في العين بعد رفض الشيخ شخبوط، ورحب بالطلب بشرط أن أكون أنا مديراً للفرع، كان ذلك في عام 1965، وقام هو بافتتاح الفرع الذي توليت الإشراف على تسيير أموره وأشرت على ماجد أن يعين مديراً للفرع يباشر العمل الداخلي،

وفي 6/ 8/ 1966 تولى الشيخ زايد الحكم في أبوظبي وفي نفس العام وبالتحديد في 25/ 12/ 1966 وكان موافقاً للاحتفال بأعياد رأس السنة وبالتالي سيكون البنك في عطلة، فذهبت مع سيف الغرير وعمير الفلاسي لقضاء العطلة، وفي طريقنا إلى العين رأينا سيارات الجيش متواجدة في الواحة وعرفنا أن الشيخ زايد موجود في المنطقة، فذهبنا للسلام عليه،

وقتها سألني أين حقيبتك؟ فقلت له في سيارتي، وأمر أحد رجاله بأن ينقل حقيبتي من سيارتي إلى سيارته، واختارني لأكون سكرتيره الخاص، وهنا أيضاً يجب أن أشير إلى أنه لم تكن هناك حساسيات أو فرق بين أهل أبوظبي وأهل دبي أو الشارقة في أن يتولى أحدهم منصباً في إمارة أخرى،

فقد كان الإخلاص والعمل هما الأصل في الاختيارات وعلى ذكر الإخلاص في العمل حدث وكلفني الشيخ زايد بأن أدرب موظفين جددا في الديوان، وأثناء التدريب كنت أركز على الإخلاص لدرجة أنني قلت لهم بأنهم ليسوا مطالبين بالإخلاص للشيخ زايد، بل الإخلاص لله في زايد، وهذه العبارة نقلت محرفة لزايد بأنني أقول للموظفين لا تخلصوا له،

وغضب زايد وشعرت على مدار خمسة عشر يوماً أنه غير معاملته لي، بما في ذلك شيكات رواتب الموظفين، وفي إحدى المرات كان في مجلسه وكان الشيخ راشد بن سعيد موجوداً مع جمع من الشيوخ والأعيان، وعندما دخلت لوح بعصاه تجاهي وهو يقول ألا تخلص لي يا بطي،

قلت: أنت أعلم مني بنفسي يا شيخ، لكنه غضب أكثر وكنت أحسبه يمازحني، فأجبته إن أردت الحق أنا لا أخلص لك، ولكنني أخلص لله فيك، فصمت قليلاً وهو يضع ذقنه على عصاه ثم طلب الشيكات ووقع عليها دون أن ينظر لما فيها كعادته، فمازحته بأنني لو عرفت بأنه سيوقع بدون أن يدقق لوضعت شيكاً لنفسي، فضحك من قلبه، وعرفت منه بعد ذلك من نقل له كلامي محرفاً.

حكايات الخيران

في جانب من حديثه تطرق بن بشر لخور دبي باعتباره شرياناً حيوياً لمدينة دبي، يقول: جميع الخيران الموجودة في الإمارات وفي منطقة الخليج جاءت نتيجة لجريان السيول بعد هطول الأمطار على المناطق الجبلية، فخور دبي وخور الشارقة وعجمان وأم القيوين وغيرها كانت نتيجة لتدفق الماء في الأودية، وخور دبي كانت تأتيه المياه من سيح الغريف،

من الجبال ثم تمر بوادي بطيحة ثم الغابة إلى غدير المسند غرب البديع، مروراً بـ «لبدعات» ثم الخوانيج ثم وادي العمرجي إلى رأس الخور، وقسم يذهب من البديع إلى خور الممزر، هكذا تشكلت الخيران في دبي منذ آلاف السنين، ويعتبر خور دبي من أعمق الخيران الموجودة في المنطقة، ولهذا كانت السفن تقصده بكثرة لسببين، الأول لعمقه واتساعه مما يسهل عملية الملاحة فيه،

والثاني لأن دبي كانت مقصداً للتجار وللحركة التجارية بصورة عامة وخصوصاً تجارة اللؤلؤ، وأصبحت لدبي سمعة تجارية على خلفية خورها، والحق أن حكام دبي عرفوا قيمة الخور فاهتموا به وبنظافة شواطئه، وأنشئ في عام 1934 ما يمكن أن نطلق عليه البلدية،

وكانت من مهامها الرئيسية الإشراف على نظافة الخور من الفضلات وكل ما يمكن أن يعيق حركة الملاحة، وهكذا يمكننا أن نقول بأن دبي عرفت العمل البيئي منذ زمن بعيد، ونستدرك بأن مجرى السيول لم يكن يصل إلى مياه الخليج، ولكن تم الحفر فيما بعد لتدخل مياه الخليج على هذا النحو الذي نراه،

وحتى عام 1957 كانت توجد وسط الخور ما كان يسمى بالحدود، والحد هو جزيرة رملية صغيرة تظهر وتختفي مع عمليات المد والجزر، وفي ذاك العام أمر الشيخ راشد بن سعيد بإزالة هذه الحدود الرملية وتعميق الخور، ثم جاءت بعد ذلك عمليات توسيع وتعميق أخرى لتواكب حركة السفن وأحجامها.