من منا لم تشكل له الطائرة سرا كبيرا، حين يسمع هديرها أول الأمر وهو يشق عباب السماء، ثم يرى ذلك الطائر الفضي اللامع في سماء طفولته البعيدة. من منا لم يسحره ذلك الوميض المعدني ويفتح له بوابة الأسئلة المطلة على المعنى. من منا لم يرغب أن يحلق عاليا وأن يضم أجنحة المخيلة والحلم إلى الأجنحة المفردة على جانبي الطائرة وهي تجوب الآفاق من سماء إلى أخرى وتهبط من أرض إلى أخرى..
تلك السفينة الطائرة التي لا تكف عن الإبحار وهي تطل على الأرض وتضم المسافرين المفتونين ببساطة الأرض الملون وهم يرتشفون أزرق المحيط العميق وذهب الصحاري الشاسعة ومن مراقبة الطائرة والافتتان بها، إلى امتطائها وقيادتها يحدثنا الطيار حمدان راشد الزعابي عن رحلة البصر بين الأرض والسماء وعن كيفية اختياره لدراسة الطيران. يقول:
منذ طفولتي وأنا أراقب الطائرة بحب ومتعة كبيرة، ولا أدري لما ارتبطت الطائرة لدي والتحليق بالآفاق بالوالد المرحوم بإذن الله تعالى الشيخ زايد فكنت كلما ارى طائرة أقول «بابا زايد» وظل اسمه مرتبطا لدي بالسماء وكنت أتوقع أن كل طائرة تمر في السماء يكون على متنها الشيخ زايد، وقد قدر للإنسان أن يسعى في الأرض ويسير عليها فكيف به إذا ينظر إليها من ارتفاع 35 ألف قدم ويرى مشاهد تخلب الأبصار وتفتنها وبكل غناها وتنوعها.
حلم الطيران .. حلم قديم منذ ابتكار أجنحة تحاكي أجنحة الطير أو التحليق في مسافات قصيرة حتى الطائرات الشراعية وحتى الوصول إلى الكواكب السابحة في كوننا الشاسع، حلم أتيح للبعض أن يحقق وأن يصبح مهنة له وأن تصبح السماء دوربه المعتادة وعن هذا الحلم ويقول الزعابي:
بين التحليق والتجديف
حبي للمغامرة والاكتشاف هو ما وجهني تجاه الطيران وكان بي ولع خاص بالطيران الحربي نتج عن تأثير بعض العروض العسكرية التي كانت تبث في التلفزيون بطريقة خاصة والتي ضاعفت شغفي بالطيران إلا أن والدتي كان لديها حكمة وتبصر، فهي تدرك بعمق أن بنيتي النفسية ليست بنية عسكرية، وأني يمكن أن أعطي بشكل أكبر في اتجاهات أخرى، والحقيقة أن خياراتي للدراسة كانت بعيدة عن الطيران أول الأمر، فقد سجلت في كلية الاتصالات للهندسة بالشارقة، بعد إنهائي المرحلة الثانوية ولم أتابع الدراسة فيها.
وبعد ذلك كان لدي احد الأقارب يدرس في كلية الطيران المدني، وقال لي: اذكر أن لديك رغبة قوية في الطيران الحربي، فلم لا تجرب الانضمام إلى الطيران المدني، ويضيف الزعابي: أعجبتني الفكرة وكان طيران الإمارات يتبنى المواطنين، فتقدمت للاختبار مع حوالي 600 شخص لم يقبل منهم سوى خمسة طلاب كنت والحمد لله من بينهم، وقد كانت الاختبارات تشمل الفيزياء والرياضيات واللغة.
بالإضافة إلى الاختبارات الذهنية والصحية، بعدها ذهبنا إلى استراليا لمدة أسبوعين، كي يتم اختبارنا من ناحية قيادة الطيارة والقدرة على الاستيعاب ومعرفة سرعة البديهة والقدرة على التعلم السريع، وبعد هذه الاختبارات تم القبول والحمد لله عدنا بعد إلى استراليا من جديد وخضعنا لمدة عام كامل إلى العديد من الدروس والبرامج المكثفة وكان نظام الدراسة يتم ضمن جدول زمني قياسي وعلى مستوى عال جدا.
وأتذكر أننا اثناء وجودنا في استراليا، اشتركنا نحن من طيران الإمارات في مسابقة للتجديف على مستوى الكلية ومستوى شمال استراليا وأحرزنا المركز الأول على مستوى الكلية والثاني على مستوى شمال استراليا، كما شاركنا في بطولة كرة القدم وفزنا بكأس البطولة وقد أحرزت بدوري عدة ألقاب منها هداف البطولة وأفضل لاعب.
القراءة والخيل
هوايات متعددة ومهارات مختلفة يمتلكها الزعابي إلى جانب عشقه للطيران. فكرة القدم هي من أكثر الهوايات الأثيرة لديه والتي يتمتع بها بمهارة عالية وهو لا يزال يمارسها كلما أتيحت له الفرصة. غير أن أكثر الهوايات التي يعتز بها والتي يعتبرها شخصية ولا يحاول نشرها.. هي الكتابة فهو يمارس كتابة الشعر النبطي وإن كان قد كتب بعض القصائد الفصيحة. ولعل علاقته بالكتابة نشأت من تعلقه بالكتاب والذي أسهمت فيه والدته بشكل كبير. وعن هذا يقول: والدتي إنسانة مثقفة وحكيمة ولها دور كبير في التأثير علي وفي بناء شخصيتي.
وأتذكر أن اول كتاب أهدتني إياه كان كتاب (حرب النجوم) لأحمد توفيق وحين قرأت القصة عشت في هذا العالم الفني والتخيلي الذي لبى شغفي للمغامرة وعرفت معنى الكتابة، وقرأت بعض أجزاء الألف ليلة وليلة وفتنتني عوالمها ولغتها البسيطة، وكان لدي هاجس في التعمق باللغة وتحسس مفاصلها وتراكيبها الأمر الذي قادني ايضا الى الكتابة.
وقرأت للعديد من الكتاب من أمثال: أحمد شوقي ونبيل فاروق وباولو كويللو وبالتحديد روايته الرائعة (الخيميائي) كما قرأت لاجاثا كريستي وأعجبتني الشخصيات التي تصفهم في رواياتها وقدرتها على ابراز البعد النفسي، وكنت أحاول معرفة اللغز الذي تطرحه في أعمالها إلى جانب حبي للقراءة، فأنا أحب ركوب الخيل وأستمتع جدا بجمال الخيل وسماته النبيلة والأصيلة.
من جديد يعود بنا الزعابي إلى مقاعد الدراسة وهواياته واسهاماته مع زملائه يقول: درست في عجمان وأم القيوين وكان لي حضور بارز في المدرسة، لقد كنت مقرر اللجنة الثقافية. في مدرسة أم القيوين ونظمت مع سيف الجابري ندوة لطلاب المدرسة، كما ألفت وأخرجت مسرحية بعنوان «من زوجتي» ونلت جائزة عليها وفي نهاية المسرحية ألفت «شلة» وأداها احد الطلبة وقد كان جميع الممثلين من زملائي في المدرسة. آنذاك كنت أريد أن أصبح مهندس جينات، أو أن أدرس سيكلوجيا الجريمة وأن أدرس ضمن تخصص نادر وأكون الأول والوحيد في بلدي.
وكان لدي كلمة دائمة أرددها (اتق شر من أحسنت إليه) ولدي عبرة في حياتي اسمها القناعة ولا أقدم على شيء دون قناعة ولا أغير رأي أؤمن به دون قناعة. بين مدارج الطفولة والصبا ومدارج الطيران، يحط بنا الزعابي في استراليا من جديد وهو يتذكر ناسها وهواءها يقول: استراليا قارة شاسعة، يستغرق اجتيازها من أولها إلى اخرها 4 ساعات طيران، وهي تضم جغرافيا متعددة المناخات وتضم على أرضها جنسيات وثقافات مختلفة، وهم شعب طيب وودود ومضياف ولم تصادفنا أية عوائق أو مشاكل هناك، المهم أن تعرف كيف تفرض احترامك على الاخرين.
برهة من حياة الزعابي تجولنا فيها بمناطق وملامح متعددة، وهو بانتظار أن تحمله اجنحة طيران الإمارات بعد رمضان المقبل إلى اكتشافات ومدن جديدة تلبي رغبته في التعرف على العالم والاطلاع على حضاراته وثقافاته لاسيما وان لديه العديد من الاصدقاء الذين التقى بهم من قبل من ايطاليا والمكسيك واسبانيا، اصدقاء يتبادل معهم الرسائل بشكل دائم وثمة برهة اخرى من الحياة حافلة بأصدقاء جدد وحياة جديدة.
إسماعيل الرفاعي



