الحفر في الزمن بالعيش وسط متناقضات، ومفارقات قد لا نقدر على تصورها، لولا حدوثها أمامنا هي مسألة خارج نطاق الفانتازيا، والواقعية السحرية، استطاع الرجال الذين عاصروا المجاعة التي اجتاحت منطقة الخليج أيام قيام الحرب العالمية الثانية، أن ينجوا، ويعيشوا، ويواصلوا ليخبرونا عن تلك الفترة العصيبة، كما كدوا وتعبوا في حياتهم إلى أن جاء ذلك اليوم الذي فتح الله عليهم أبواب السعد يوم تسلم زايد مقاليد الحكم.

كان ضيفنا قريبا منه رحمه الله منذ تباشير الفجر الأولى، حيث كان زايد يستيقظ مبكرا كما يقول شاهد العيان ، وبعد أداء الصلاة يبدأ يومه الطويل الذي كرسه لخدمة أبناء شعبه لتصل دولة الإمارات التي أرسى أساساتها، ودعائمها إلى مصاف الدول المتحضرة المتقدمة، بفترة زمنية قياسية لا يقدر على انجازها إلا قلب رحيم، وعقل متفتح نير، وإنسان مخلص لأمته وشعبه آمن بالله، وبقدرة هذا الإنسان الذي وضع مسألة العناية به والارتقاء بقدراته كأول أولويات فلسفته في الحكم..

هاذاك اليوم الناس ما عندهم شيء مثل ما عندنا اليوم، يعني كان الحكي قصيد وشعر.. هكذا يبدأ الشاعر الوالد معيوف بن شوين بن احمد المصيقري الكتبي حديثه عن بداياته الشعرية، التي حاولنا تقصيها من الهير المنطقة التي سكنتها قبيلته بني كتب منذ القدم حول طوي ( بئر ) اليفار الذي مازال موجودا، مرورا بالشويب والمدام وسيح أيدية، وامتدادا إلى منطقة مسافي، وصولا إلى « الساعدي » البلدة التي سكنها شاعر الإمارات الأسطورة الماجدي بن ظاهر خمسة وثلاثين عاما من حياته قبل ان يتوفاه الله ويدفن في الخران بإمارة رأس الخيمة، هذه البلدة التي كان يتردد إليها شاعرنا مرارا خلال حياته زائرا لشقيقته وبني عمه من بني كتب الذين سكنوا أيضاً هذه المنطقة مجاورين للخواطر.

* في البداية سألناه : أنت وين طحت وين مولود؟

ـ أنا طايح في السيح، سيح ايدية (ويقع خلف الشويب مابين المدام والشويب) هناك طايح..

* ما تحيد سنة كم مولود ؟

ـ ما اعلم، يمكن وصلت اليوم في الثمانين من العمر، وان سالت عن الوقت هذاك يبالة راحة ويبالة حد عرب يلوس ويترددون عليه لين يمسكونه ويقبضون القصيد أنت تسأل عن القصيد، وإلا القصيد اللي قصدناه ترى بيسير بلاش ..

* من وين جاءك الشعر حد من اهلك كان شاعر، من جدودك من عمومتك؟

ـ انا طلعت على عمي وكان شاعراً، طلعت عليه هو كان يسوي سوالف وقصيد، واسمه سعيد بن احمد، وأبوي شوين بن احمد وهم طايحين هني وكانوا يسوون قصيد، الشاعر عندك مثل مطر بن معيوف هذا شاعر حتى زايد الله يرحمه خبرني عنه قال لي شاعر هذا..

* مطر بن معيوف من وين سكن؟

ـ مطر بن معيوف كتبي هو من بني كتب (من قبيلة بني كتب القبيلة العربية المعروفة التي سكن ابناؤها في المناطق المحيطة بالهير والفقع والشويب والمدام وصولا إلى الذيد ورأس الخيمة ) ساكن على الفقع، والشاعر حي وموجود..

* ما تقبض له قصيد؟

ـ طال عمرك القصيد اللي يسويه هو ما يابوه لنا إلا عنده هو. تسألني عن حياتنا لأول بخبرك، الحرمة لأول كانت سادة بيتها كامل، يوم يصبح الصبح ضوت الضو وروت الماء من البير تروي على مصارى (نوع من الحمير معروفة في المنطقة كانت تستخدم للتنقل والحمل) أول بادي يو يخطبوها الحرمة، يوم تكبر البنت يوها ناس من أهلها وإلا من غيرهم يخطبوها، والناس كانوا يساعدون المعرس، عندك ودونك، حد يجيب له هوش وحد يجيبله فلوس وحد يجيبله مطية، وسووا له كل شي وجو الناس وباركوله ..

* نبغيك تحدثنا عن شعرك متى جاءك القصيد كم كان عمرك ؟

ـ انا أبو سبع سنين ثماني سنين يوم ياني القصيد

* تذكر أول قصيدة قصدتها ؟

ـ ماروم أعدها كاملة

* ولو بيت او بيتين ؟

ـ ابدا بها: يازين يا ترف الشبابي

* وين كنتم عايشين يوم تقول هذي القصيدة؟

ـ كنا عايشين على اليفار (طوي ماء معروف قرب الهير) عايشين هنا والعرب لأول كانت أتواصل مب مثل الحين..

سريع يسابق الغزال

* يقال انك كنت في مرحلة الشباب كنت سريع الجري بحيث يمكنك ان (تختل) للغزال وتمسكه ومثله الأرنب لو تخبرنا عن هذا الجانب من حياتك ..

ـ صحيح هذا الكلام، كنت اجري في الجهة المقابلة لمسار الغزال وما اوقف عنه لين امسكه ومثله الأرنب والثعلب بعد زخيناه .. في منطقة « مرقب » هذي كلها دارنا من دبي والشارجة ولين العين هني هذي كلها دارنا، عايشين فيها أهلنا وأهل أهلنا..

* هل سافرت على ركاب؟

ـ أنا كنت بقولك أنا اللي سافرت على ركاب أكد مني لين البريمي ومن البريمي لين دبي والحير والوطا كله أسير على ركاب..

* وماذا عن حياتك في هذه المنطقة طوي اليفار وعمرك بين سبع وعشر سنين كيف كانت؟

ـ عايشين على أيام حياة السعودي الله يغفر له هو ورباعته (سعيد بن سالم المصيقري الكتبي من أشهر رجال قبيلة بني كتب الذين سكنوا منطقة اليفار والهير الذين كان لهم دور بارز في استقرار البدو في هذه المناطق ولعلاقته القديمة والقوية مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

حيث كان مقربا ومقدما عنده) كانوا يشلون رفعات من البريمي على ركاب الواحد عنده خمسة وستة وثمانية وعشر يشلون رفعات تمر ولومي وأشياء غير انا كنت ابو سبع سنين هاذيك الأيام ويطرشون دبي، ويرفعون من هناك رفعات عيش وطحين وقهوة، وكنا نوصل العين وراس الخيمة وحفيت وظنك على ركاب.

* مع من كنت تسير وتطرش لأول؟

ـ مع السعودي وأخوه حماد (حماد بن سالم الكتبي) الله يغفر لهم، وأبو الشيخة فاطمة الشيخ مبارك ما حد جاب من الكتبيات ولا غيرهن حد مثله، ابن عمنا هو الله يرحمه، كنت صغير هاذيك الأيام لكن كنت افطن عمري حول ثمان تسع سنين ..

* أنت سرت مع الشيخ مبارك مكان معين ؟

ـ سرت نعم وياه دبي وييت (جئت) وسرت عمان وييت، شيخ شيخ ريال ونعم ريال حشيم معروف..

* لو تحدثنا شوي عن أطباعه الله يرحمه؟

ـ أطباعه الحشمة والمرايل (المراجل) والكرم هذي الثلاثة هو حايزنهن..

* أي المناطق سكنتم غير اليفار؟

ـ هاي بقعتنا لأول الهير، منطقة خب الثور أو يسمونها الخب عند بن ضاحي، نحن المصاقرة والسواري (عشائر معروفة من قبيلة بني كتب) فكينا ياي، سكنا شمالي الهير..

* وماذا تذكر من حوادث تلك الأيام التي لا تنساها ؟

ـ أيام الشيخ راشد بن سعيد بن مكتوم الله يرحمه هذاك اليوم كان يا (جاء) محل (قحط) والدنيا تغلقت والناس تدور حتى حبة العيش ما يلقونها مب لاقين شي (يتحدث عن أيام الحرب العالمية الثانية) استوت مجاعة هني، شو سوى راشد بن سعيد فتح لهم الصبيخة (منطقة السبخة في دبي)، عدال وين بن كرم مسوين دكان فتح الباب الشيخ راشد وقال لهم كدوا، حشوا الثمام (نوع من الشجر) والحطب والصخام (فحم محلي) يشجعهم ويقولهم الله كريم وان شاء الله بتلقون خير وصدق مثل ما قال العرب عاشت ..

* عندما كنم تدخلون دبي على ركاب وين العادة تنوخون ركابكم؟

- العرب ينوخون لأول في الصبيخة هذه في نفس السوق مرة، مب إلا أنا خلق الله كلها تنوخ هناك، وعاشت الناس والحمد لله، وباعوا الثمام والحطب والصخام واشتروه منهم الحضر والبدو وييون (يأتون) ناس بلنشات (قوارب) من البحرين ومن الكويت ومن كل دار وياخذون السح بعد، ونحن نتمير من دبي ناخذ الدهان والعيش والقهوة والملح .. وشوابنا لاوليين كانوا يقولون بييكم وقت الريال بيغدي رييل والرييل بيغدي ريال وبتكون الشيمة في الريال (الرجال)..

* في تلك الفترة وعمرك قارب السبعة عشر عاماً الم تكن تعد قصيد؟

ـ نعم، كنت اعد وعديت مثل هذه القصيدة التي أقول فيها:

يا ذعذاع الهبايب

لي ما لياهلي لفيت

واتخبرك وش يايب

كان الوطن مريت

ياخذني بالغصايب

ومن دونه ما سليت

دمع عيوني سكايب

والبيه ما خفيت

كان تييبه طلايب

بسوق اماحويت

انا اتخطى العتايب

واحصل ما بغيت

* وشو مناسبة هالقصيد شو سالفتها ؟

هذه مناسبتها وحدة ظهرت جدامي وانا ماعندي طريج، ريتها في العين من شافتني وانا شفتها وكان اكسر النظر عنها ويا القصيد ..لأول نشرت من اليفار لين غدير الصوف (مواقع) ما بينهم كيلوين تقريبا، واسوي قصيدة عادة وانا امشي يوم سرت كيلوين وقلت:

بزغت مثل سحب هزالي

ياحي من لاقيته اليوم

سود عيونه لي شكالي

ومن الوضيحي ماخذ علوم

لكن في وصله محالي

دونه يبال ودونه علوم

هذي القصيدة عديتها هني على اليفار والحرمة كانت في العين؟

* أنت عشت طال عمرك في رأس الخيمة ويا الشيخ سلطان الخاطري في منطقة الساعدي ماذا تخبرنا عن تلك الفترة؟

ـ في رأس الخيمة هناك أهلي، أختي هناك، عشت أسبوع في الساعدي عند الشيخ سلطان الخاطري شيخ الخواطر، كنا نسير نوصل هناك ندور مرعى لأول حق البوش، والبوش غاليات عندنا غاليات عند الناس

* ما هي سلالات البوش (الجمال) التي كانت عندكم في تلك الأيام؟

- بوش عندنا وايدات، عندنا من بنات ظبيان.. وهاذيك الأيام عديت قصيدة مطلعها يقول:

يا لاخو لي كنت ولهاني

من وليف ترفه ينوبه

صاحب بالود شكاني

لي لحق في نفسي توبة

بو يديل عن الهدلاني

وان مشى يوصل على كعوبة

* متى عديت هذه القصيدة ؟

ـ يي (يجي) من أربعين سنة تقريبا..

* بو احمد اين عملت، سمعت انك اشتغلت في الدمام كما اخبرنا الشاعر مهير بن دري وفي جزيرة داس مع شركات التنقيب عن البترول؟

ـ تعرف عبد الله بن ربيع شيخ بني كتب الينوبيين (الجنوبيين)، يوم سرنا غرب (يقصد فترة عمله في الدمام في المملكة العربية السعودية في مطلع شبابه) كان هناك هو، واشكيت له الحال، وعديت هذي القصيدة أقول له فيها:

بوحميد القلب مالاقي

بيح بسد مغبنه

ناحوت

مناوح الورق على فنة

يشتكي من كثر لفراقي

والهجر قوة مقسنة

اه يامن ون معتاقي

مدرك والعوق سابنه

ف الدخاتر ماله اعلاجي

غير ذي كان السبب منه

بات دمع العين هراقي

وعبرتي م اليوم منكنه

من ذكر داره ومشتاقي

والوطن لي فيه ملفنه

طاري اللي مالي الساقي

بالمعاني قاطع الهنة

بويدايل سمر واطلاقي

لي ورد عالعد يسقنه

مسكنه في طرف الاشراقي

موقع يشبه على الجنة

يعلهم يسقون براقي

م السحب ورعوده مدنه

والعشب تايه في لاوراقي

من فضل رب مسونة

وقد رد علي الشيخ عبد الله بن ربيع ورد على مشاكاتي وقال لي:

لايليج ولا بعد لاقي

ولامقام الدار راضنه

ييت وياه بالهواقي

وفاح مافي الجوف خافنه

مافيه لا طب وعلاجي

ولاماي ناس اطفنه

السفر إلى الدمام

وبن ربيع كنا انا وهو ومهير في الدمام سرنا من أبوظبي بلنشات هاذيك الأيام يوم نعد هذا القصيد. اشتغلنا في شركة بترول في الظهران بعد، وكان معاشنا امية وخمسين ريالا في الشهر، ماشي كانت الدنيا ضعيفة والعربان في مجاعة، يلسنا شهرين ثلاثة وعقب ردينا كلنا وحتى اذكر اني شاكيت الشاعر مهير بن دري الكتبي اقول فيها :

يا مهير عوق يهباني

والسجايا صوبك ايهني

من وليف صرت ولهاني

صاحب وده مشقني

ومن ذكريات الدمام كان معنا يشتغلون جماعة من بلوش المازم، تقريبا خمسة عشر شخصا، نحن نشتغل مسوين خيام ويبنا حطب غضا نكوده عند الخيام ونوري منه ونسوي قروص ونسوي خبز، عندي من البلوش خمسة عشر سبعة عشر من رباعتنا ومن بني كتب من الينوب (الجنوب) منهم تقريبا عشرة يشتغلون كلهم في الكنكري وغيره، يومها قلت:

حطيت حالي حال بيدار

نطار وأسوق المحافير

من عقب ما انا بوني اخيار

عند الغضي بوسن صغير

إلا على أهل الود صبار

والله يفريني على خير

في جيب والا موتر أخيار

وإلا على خطو الطيايير

ويكون في الهزات منشار

ابا يماسي ناس

عسى وطنهم جود الأمطار

وايام اشتغلنا في جزيرة داس أول ما ظهر البترول بعد عديت قصيد وقلت مرة :

اون يا من حالي

في داس يأخذ مدة شهور

ما فيها ظل

زمان قيظ ووقت حرور

أفز لونومي غشاني

لي من طرالي حلو الصور

محد مثلك يباني

غير شبهته على الحور

حبه مشيد له مباني

وسط الحشا بان له قصور

وهناك ما حدن لفاني

عنده ولا بانت له خبور

زايد يتفقد الرعية

* يقال انك من الذين حضروا عرس الشيخ زايد الله يرحمه والشيخة فاطمة؟

ـ يوم يعرس الشيخ زايد بالشيخة فاطمة اذكر أول بادي ين حرمات هني الهير، ساكنين لأول نحن على غافات زاخر هي منطقة قريبة من طوي اليفار في منطقة الهير والغافات، إحنا وأهل فاطمة رفاقة وأهل، عقب سارن الحرمات بعد ما يلسن، وقالن للشيخ زايد مرة قص رقابنا هذي الحرمة ماحد مثلها في الدار أبداً، عقب فترة أسبوعين كذي وان ين (جاءن) السيارات، عقب طرش الشيخ زايد واحد ريال معروف يسمى يهويل الحميري وعقب استوى العرس والمطر كان يصب صبيب يومها خير واستوى العشب والناس فرحت واستأنست واستوت مراكيض.

* عرفنا انك اشتغلت في العين في قصر العين؟

نعم كنت مسؤولا فيه لمدة خمس سنين عند زايد الله يرحمه، وكنت أسير حسب المسؤوليات والدوريات إلى قلعة المربعة والجاهلي وغيرها وفي الجاهلي كان غليطن هناك ضابط من جيش بريطانيا لأول وميجر باد وهم انجليز، وكان عندنا حمد البادي، وكان زايد ما يرقد ينش الساعة أربعة الفجر وكنت أنا في الحرس عنده. وكان من الفير (الفجر) يسير ويطالع ويتخبر عن الناس والعرب كلها كانت تحبه وتفرح بشوفته.

عمار السنجري