لحظة للقلب يخفق بها على هواه .. ثم ينطفئ. لحظة للروح تتسع بها لتضم الكون بأسره.. ثم تتلاشى لحظة للنشيد يصيغ حروفه من الماء.. فيجف الصدى.. لحظة للندى وللبكاء.. لحظة لسماء تزور الأرض في السرّ فتختلس وردة من ضفيرة صبية شاردة. لحظة واحدة لامرأة تكتشف طفولتها بعد فوات السنين. لحظة من أنين يقف عندها الأحياء والأموات.. لحظة لنا وأزل للحياة.. هكذا تمسنا الغبطة على غفلة منا حين نرى الطفولة تملأ الآفاق بصوتها المشاغب. بأرجوحة تطوي الأرض وتستفز موج البحر بالهبوب
بصبية تقلب الرمل بأصابعها الناعمة وتمشط الكون بشعرها.. بلحظة للعائلة تلتئم فيها الجروح بضحكة مجلجلة، بمائدة ممدودة على ضفاف البحر مزينة بثماره ومحاره.. بمظلة تمرر غيمة الظل إلى الجبين وتمسح الوردة بالندى.. بسيدة مستوحدة تقلب صور العمر على شاطئ القلب، بشاطئ يلتهم الجهات كلها.. شراع لا يرتوي، وبحر لا يحده حد.. بقبلة عالقة على خد طفل ينام على أيدي الأمومة وينهض على بوح الحياة.. وهكذا تمسنا الحكمة حين تنحسر العبارة أمام موجة الحياة الهادرة، وتنحسر الندوب أمام فيض السرور العابر، وتتلاشى الخطايا أمام لحظة خالصة للحب.
وهكذا ينحسر الموت ويتضاءل حتى يلتهم نفسه حين تفضي به الدروب إلى لعبة الطفولة يكفكف أسماله البالية ويمضي. إذن.. كيف لنا أن نغسل قلوبنا بمياه صباح جديد، وتستيقظ شمسنا معنا.. كيف نترك قناديل الروّح مسرجة، وتفيض بالضوء حين نقترب من روح العبارة؟كيف لنا إن أشحنا عن وجه الحياة الذي نريد، وكففنا عن رؤية الأشياء البسيطة، والجوهر في يومياتنا البسيطة.. ونحن نكتب على مهل سيرتنا العابرة؟
وكيف نتعلم أن نستعيد شغب الطفولة كلّ حين ونرى ما تراه، بعيون تلتهم الأشياء وتكتشف سحرها المتواري.. كيف لنا أن نغمر وردة اليباب بالندى، ونعيد لقلوبنا خفقته السادرة؟هكذا نقرأ وجهاً من أوجه الحياة حين يضع الصيف رماله وتعود أطفالنا أدراجهم إلى مقاعد الدراسة، وهم يقطرون من أصابعهم الطاقة ذاتها والقدرة ذاتها على الاستمتاع بما يقومون به، وهم يحررون أكفهم على الدفاتر الجديدة ويتأبطون حقيبتهم العامرة بالبهجة والألق.. متجهين صوب بوابة المعرفة الطازجة.
إسماعيل الرفاعي



