لكل رحلة فتنتها وزوادتها، التي يعود بها المسافر من تجواله، فالسفر رحلة للبصر والبصيرة وأجنحة للروح يحط بها هنا وهناك، كي تتسع المدارك وتغتني المعارف ويغتبط القلب. والمسافر يجني قطافه من أصيص المدن، ومن جذورها العميقة كي يتزود بنسغ الحياة الغني، فيتعمق إحساسه بالآخر وتتسع حدقتاه لتلتهما حدائق الأرض، متواشجاً ومتناغماً مع النسيج الكوني للإنسان، ودائماً ثمة رحلة أولى ومغامرة أولى تشكل أول الشغف وبداية الخطى..
والمغامرة الأولى للتربوي ورجل الأعمال إسماعيل عبدالله الحوسني، كانت مع رحلات الكشافة أثناء دراسته في جامعة الإمارات، حيث نصب أعمدة المخيمات الكشفية في مدينة أبها في السعودية وهناك تعلّم الكثير عن تقاليد الرحلات الجماعية وظهرت بجلاء روح المبادرة لديه وحصل على «الشارة الخشبية» والتي تشير إلى تميزه وتؤهله كي يكون مدرباً في الكشافة.
أما رحلته الأولى إلى أوروبا فكانت إلى ميونيخ وكانت عبارة عن معسكر شبابي أتاح له الاطلاع على تلك المدينة بغاباتها الكثيفة الساحرة وبأناسها الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة والتي مكنه الاحتكاك بهم والاطلاع على ثقافتهم وطبيعتهم من اكتساب معارف وخبرات جديدة.
للسفر ثلاثة أشكال
والحوسني يقسم الرحلات إلى ثلاثة أنواع، يقول: النوع الأول يندرج ضمن الرحلات التعليمية والتربوية التي زار من خلالها معظم الدول العربية وشارك فيها بالعديد من المؤتمرات والندوات التي أقيمت في تلك المدن إلى جانب الهند وهامبورغ وفرنسا. أما رحلته التعليمية الطويلة فكانت إبان وجوده في استراليا والتي حصل فيها على الماجستير في تنمية الموارد البشرية.
أما النوع الثاني من الرحلات فهي ذات الطابع الترفيهي والاستكشافي برفقة الأصدقاء والأهل والتي أفضت به إلى تركيا، نيوزلندا، بانكوك، سنغافورة، ماليزيا، سيدني، بريطانيا، وصلالة وأبها، والتي قدمت له ولصحبته المتعة الوفيرة والمعرفة بطبائع الناس والأجناس وهو يتجول في وهاد الأرض وجبالها ويقارب صحاريها وبحارها.
في حين يرى أن النوع الثالث من الرحلات، هو ذلك الذي قصد من خلاله العديد من الدول بغية التجارة والعمل واقتناص الفرص التجارية، وقد رافقه في تلك الرحلات مجموعة من الأصدقاء حيث تعرف إلى (كوانزو) في الصين تلك المدينة التي تستضيف أهم المعارض التجارية على مستوى العالم، كما تعرف على (حيدر آباد) في الهند، وبانكوك، وتايوان وزار مصانع ميلانو في إيطاليا، إلى جانب المعارض التي تقام في الدول العربية والخليجية والتي كان يسعى من خلالها للتعرف على الأسواق العقارية والمصانع المتعلقة بألعاب الأطفال التي تشكل جانباً من استثمارات الحوسني.
ويجد الحوسني أن من الضروري أن يعد المسافر أجندة خاصة بأهدافه وغاياته التي يريد أن يحققها من خلال السفر، وأن من الضروري أيضاً أن يطلع على معلومات كافية عن المدن التي يزورها وخصوصاً حين تكون رحلته مقامة لأجل التجارة والعمل.
نيوزيلندا أكثر سحراً
أما عن المدن التي كانت في ذهنه، يقول: نيوزلندا هي أكثر البلاد التي أحببتها وقد كنت أرى سحرها وروعتها عن طريق الصور والمجلات، تلك الصور التي كانت تجمع بين الثلوج والخضرة وبين البحار والأنهار. لكن حين رأيتها.. كانت صورة الواقع أكثر سحراً وجمالاً، فهناك ترى المناظر الطبيعية على مدّ البصر، وهي آية من الجمال الذي اكتملت في أطره كل تضاريس الأرض، وما يزيد من المتعة، وجود الشعب الطيب الذي يتمتع بكل سمات الضيافة والود، واهتمامه الكبير بالعوائل والأسر التي تزورهم، وهم يقاربون طبائع الشرق في ذلك وتشعر بالاطمئنان والراحة لتواجدك بينهم.
وفي الجانب العملي يتوجه الحوسني إلى الشباب ويقدم إليهم النصيحة بأن من يرغب منهم بالتجارة فإن عليه أن يتوجه إلى الصين وأن يحضر المعارض المقامة فيها، ويضيف ما من أحد ذهب إليها بقصد التجارة إلا وانفتحت أمامه آفاق كبيرة. ويؤكد أن معظم التجار على المستوى العالمي يواظبون على حضور هذه المعارض والتي تشكل العامل الأساسي لنجاح أعمالهم.
تتداخل غايات السفر وتختلط إلا أن القاسم المشترك بينها، هو الاغتناء والمعرفة والمتعة، ولعل ذلك ما نلمسه في أحاديث كل من استبدّ بهم شغف السفر وأسعفهم الحظ في التجول في سائر مدن العالم. من جديد يعدد الحوسني المدن التي مرّ بها، حيث يتوقف هذه المرة في تركيا بجزرها ومناطقها المختلفة، وبقصور سلاطينها القديمة وطبيعتها الجميلة وبعمارتها الباذخة والمساجد التي تبرز فن العمارة الإسلامية والراسخة جوار الصرّوح الضخمة والعمارة الحديثة.
.. وسنغافورة أكثر تنظيمياً
ومن تركيا إلى بريزبن في استراليا والتي يرى فيها بيئة ممتازة للتعليم وهي تجمع بين الطبيعة الساحرة والحياة العلمية الصارمة، كل ذلك ضمن الحاضر الإنساني لساكنيها الذين يتصفون بالسماحة والطيبة، ومن بريزبن إلى سيدني التي يراها مناسبة للبيزنس والأعمال التجارية، ومن ثم إلى ملبورن التي يرى بأنها تجمع بين التجارة ووجود الجامعات القوية والتي تمثل أعلى مستويات التعليم. وقد تمكن أن يزور المنطقة بأكملها رغم المسافات الشاسعة التي بها متعة التجول تحمل المسافر على أكف الراحة وتضعه على تربة لينة.
أما عن بانكوك، فيقول: زرت بانكوك مرتين الأولى بغرض التجارة وقد وفقت بذلك، والثانية للسياحة إلا أنني لم استمتع بها كثيراً، وقد كنت أبحث بالأصل عن أماكن ترفيهية للأطفال والحقيقة أننا شاهدنا في بانكوك عروضاً جميلة للفيلة والتماسيح والأفاعي، كما أنها تتميز بوجود الفاكهة الطازجة والأسواق التراثية القديمة، وقد مررنا هناك بمدينة عائمة على الأنهار نتجول بها من خلال سفن صغيرة، تنقلنا في أرجاء تلك المدينة.
في سنغافورة وجد الحوسني الأسواق الكبيرة والنظام الدقيق وأكثر ما أثاره هو وجود البدائل الممتازة للمواصلات في طريق الدراجات الهوائية وغيرها، كما وجد لديهم المؤسسات التعليمية القوية، وهي تحتوي على جنسيات مختلفة ومتعددة حتى أنه وجد مدينة خاصة للهنود، أو أحياءً هندية متكاملة.
أما عن زيارته لميلانو، فقد وجد فيها العراقة والبنية المتناسقة والمتعلقة بالبعد الاحترافي في العمل وقد شملت الزيارة مجموعة كبيرة من الشركات المختصة في الأدوات المتعلقة بالنوادي الرياضية، وقد وجد هناك الأشياء المصنوعة بدقة عالية وبنوعية فاخرة.. فهناك في ميلانو لا تجد إلا أفضل النوعيات التي تصنع في العالم بأكمله.
.. العرب أكثر عراقة
رحلة يحملنا على متنها الحوسني إلى شوارع باريس وروائح العطر التي تفوح في كل الأمكنة لتصبح ذاكرة باريس ذاكرة أثرية تتخلل برج ايفل وشارع الشانزلزيه والحدائق المتفتحة على الدوام والمقاهي التي تعيد إليك أحاديث وهمهمات المثقفين والمبدعين الذين جلسوا على طاولاتها.
ومن الغرب إلى الشرق يوجه الحوسني بوصلة ترحاله فيقول: زرت كل الدول العربية عدا العراق وفلسطين ولكل دولة سمتها الخاصة، التي تؤكد هويتها وتمثل عنواناً لها.. رغم الوحدة والتكامل التي تشعرها وتنسج هذه الخارطة بخيط «واحد»، فمصر تمتاز بشعبها الطيب الذي يتصف بخفة الدم والطابع المضياف رغم الفقر المدقع والبادي في سائر الأمكنة التي تزورها وعلى وجوه الناس الذين تمرّ بهم. كما تمتاز بآثارها المهيبة والخالدة التي تفصح لك عن عراقة وعظمة تلك الحضارة التي سادت الأرض وانعكس ضياؤها على الشرق والغرب مقدماً صورة باهرة عن عظمة الإنسان وإنجازاته الكبيرة.
وفي سوريا يشير الحوسني إلى مناطق الزبداني واللاذقية ويتذكر قاسيون المطلة على دمشق حيث تراها من الأعلى وقد امتدت قدمها ونسيجها المعماري المتداخل. أما في بيروت فهي خلطة عجيبة وهي مدينة سياحية بامتياز وهناك تشعر كما في دمشق بأنك بين أهلك وناسك. في المملكة الأردنية لفتني نظافتها وعمارتها الجميلة وآثارها البديعة التي تمثل هي الأخرى عظمة وإنجاز تلك الحضارة التي كانت ذات يوم.
ومن جديد يعود بنا الحوسني إلى «كوينز لاند» في بريزبن والتي حصل من خلال إقامته فيها على الماجستير، وهناك مزج العلم بالاستكشاف واستطاع تكوين علاقات طيبة وعميقة مع الناس من مختلف جنسياتهم وانتماءاتهم وشكل مجموعة من طلبة الإمارات حاولوا أن يعطوا صورة عن البلد بأفضل ما يمكن.. كما أنه اجتاز العديد من التحديات التي كانت تمثل عائقاً له بالتواصل مع الآخرين حيث تمكن من تعلم اللغة الانجليزية بزمن قياسي رغم الاختلاف بين اللهجة الدارجة واللغة الأكاديمية التي عليه أن يتقنها وتمكن من الحصول على فرص عديدة لها علاقة بالتجارة إلى جانب التحصيل العلمي وكوّن ذكريات جميلة عن تلك الأيام التي شكلت منعطفاً كبيراً في حياته.
وإذا كان لابد من خلاصات وإن كان لابد من رحلة إياب يفرد بعدها المسافر حقائبه ويشهر كنوزه التي جناها من المدن ومن البشر الذين التقاهم، فالحوسني يرى أن للسفر فوائد لا تحصى، يقول: السفر يوسع المدارك ويعلمك كيفية التعامل مع الناس بمختلف أنواعهم وأجناسهم، ويفتح أمامك آفاقاً لم تكن تخطر لك على بال، وأبواب رزق وفير ويمكنك من إقامة وتكوين علاقات اجتماعية عديدة.
بحيث تذهب إلى أية دولة دون أن تشعر بالغربة، من جهة أخرى فالسفر يساعد على تفريج الهم ويخفف من أعباء وضغوطات الحياة، ولا ينسى الحوسني أن يقدم الامتنان إلى جمعية المعلمين التي أتاحت له العديد من الفرص التي تمكن من خلالها التعرف على دول العالم من خلال المشاركة بمؤتمراتها وبرامجها. بذلك يأتي الحوسني إلى نهاية حديثه عن السفر، فيما يبقى على حاله متنقلاً من مدينة إلى أخرى ومن واحة إلى أخرى كي يقطف ثمار السفر التي لا تذبل.
إسماعيل الرفاعي:إسماعيل الرفاعي



