قومي حتى النخاع تسكن أفكاره ثوابت الأمة التي تربى عليها، لا يزال على عهده رغم المتغيرات التي طرأت على الوضع العربي، وهو عصامي استطاع أن يقهر الظروف الاقتصادية الصعبة التي أحاطت به وبعائلته وأن يتحدى قسوة الشتات على طريقة «الشدائد تصنع الرجال» إبراهيم سليم بركة، تشم في حديثه عبق الماضي الأصيل، وتفاؤلا بمستقبل أفضل، يختزن في ذاكرته صوراً وأحداثاً كثيرة بحكم تنقلاته بين الدول العربية للدراسة والعمل، مثقف وتربوي ورياضي، عاشق لكرة القدم، وأسس فريقاً ابان عمله في السعودية وأشرف على تدريبه، وهو محب كذلك للسفر ومغرم بكل ما يرتبط بالتاريخ والجغرافيا.
في أوائل عام 1947 أبصرت النور في قرية وادعة تقع في منطقة الجليل شمال فلسطين تدعى صفورية، وهي قرية مشهورة بأراضيها الزراعية الشاسعة، ومناخها المعتدل، كما أنها معروفة بتاريخها الموغل في القدم، إذ شهدت سهولها وأوديتها معظم الحشود في معركة حطين الشهيرة، وفي السادس عشر من يوليو عام 1948 نشبت مناوشات ومعارك بين اليهود وأهل القرية انتهت بمعركة كبيرة واجتاحت القوات الصهيونية البلدة وطردت جميع سكانها، ودمرتها عن بكرة أبيها، واضطر الأهالي للهجرة إلى لبنان،
وانتظروا عدة أشهر آملين في العودة إلى أراضيهم وبيوتهم، وبعد أن طال الانتظار اضطروا للاستقرار في منطقة البقاع وبالتحديد في بلدة عنجر وهناك تفتحت طفولتي بين أحضان التربة الواقعة على سفوح جبال لبنان الشرقية، وفي بيئة عنوانها الفقر والحرمان والاغتراب، نشأت مع معظم أقراني على نمط حياة مغايراً تماماً لما نشهده حالياً، فقد كانت الخدمات بكل أنواعها معدومة تماماً، فلم نكن نعرف الكهرباء والسيارات ومظاهر المدينة الحديثة، ناهيك عن الأحوال المعيشية القاسية التي كانت تسيطر على جميع العائلات النازحة.
من كل حسب قدرته
أول مرة ركبت سيارة، حين دفعت الظروف القاسية أهل القرية للانتقال إلى جنوب لبنان، كان عمري وقتها تسع سنوات، لكن العودة بالذاكرة إلى تلك الفترة يثير لدي مشاعر الحنين لكل لحظة عشناها في طفولتنا، حيث انطبعت في ذهني مشاهد وصور لا يمحوها الزمن، فقد كنا نسهر في الليالي المقمرة ونحن نلعب الألعاب التقليدية بين بيوت القرية وفي ساحاتها، وكانت كرة القدم أهم الألعاب التي كنا نمارسها، كنا نضع كرة الشراب من بقايا الأقمشة القديمة ومع ذلك كانت لدينا قناعة ورضا، وكنا قادرين على صناعة البهجة، والمرح بما هو متاح لنا من العاب،
أما الكبار فقد كانوا جميعاً منهكين في العمل ليل نهار لكسب القوت، وأبى واحد من هؤلاء، أراه رجلاً عظيماً بكل معنى الكلمة، رغم أنه أبسط مما يتصوره المرء، كان يقدس العمل ولا يعرف في حياته شيئاً غيره، وقد غرس في نفوسنا حب العمل والاعتماد على أنفسنا منذ الصغر، وبالتالي كان يتوجب على كل فرد في العائلة أن يعمل، ككل حسب قدراته التي تمكنه من القيام بعمل يتناسب مع سنه، ولهذا وجدت نفسي ملزما بالعمل في مراحل طفولتي المبكرة،
وكانت مهنة الزراعة هي المتاحة أمام أفراد الأسرة، نذهب إلى الحقل ولا نعود إلا عند مغيب الشمس، حتى أيام الدراسة لم نكن نتوقف عن العمل إبان العطل الأسبوعية وفي الإجازة الصيفية، ورغم صرامة والدي في تربيتنا، إلا أنه كان حنوناً يحيطنا برعايته، وكان محبا للعلم ويقدره ويقدر أهله، ولهذا حرص على تعليمنا، فتأهل أخي الأكبر ليكون ـ رحمه الله ـ أول مدرس يتم تعيينه من قبل وكالة الأمم المتحدة في مدارسها، ولم يتجاوز عمره آنذاك السابعة عشرة، وأعتبر هذا الحدث بداية شق الطريق أمام افراد العائلة ليكملوا دراستهم حتى النهاية.
في تلك الفترة لم تكن المدارس مجهزة بأكثر من المقاعد الخشبية البدائية، وبعض الكتب التي يتداولها الطلاب جيلاً بعد جيل، وأنا هنا أتحدث عن فترة الخمسينيات التي شهدت مدرسين حاصلين على الشهادة الابتدائية أو الإعدادية، وقلة قليلة كانت تحمل مؤهلاً يسمى «المفرك»، ومع ذلك فان هذا الرعيل الذي حمل المهمة في ظروف صعبة كان يملك الأساليب التعليمية والتربوية الرفيعة وأدى واجبه على أكمل وجه، في هذه الظروف أكملت تعليمي الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة الأمم المتحدة ثم انتقلنا إلى جنوب لبنان،
حيث استقرربنا المطاف في مخيم البرج الشمالي قرب مدينة صور، وفي هذا المخيم الذي اضطررنا للهجرة إليه في عام 1955 عانيت مع غيري من جديد شتى أنواع القسوة وشظف العيش، كنا ندرس في الخيام وكانت مياه الأمطار تنساب داخلها وتحت أرجلنا، وكانت تعصف بها الرياح فيهرع مدير المدرسة والمدرسون إلى إعادة تثبيتها، تلك الأحداث حفرت في وجداننا معاني وقيماً كبيرة، وصنعت منا جيلاً قادراً على شق طريقة في الحياة.
كان مدير مدرستنا إنسانا فريداً من نوعه، ولا أظن أن كل إمكانات العصر وميزانيات الوقت الحاضر قادرة على إنجاب شخص مثله، فقد زرع فينا بذوراً تكفي لان نتخذه قدوة، كان يكره تعطيل الدراسة لأي سبب، ويحرص على توعيتنا بمعنى الوطنية وروح الإنسانية الحقيقية، كان يجلس معنا في الليل على ضوء الفانوس كي يعلمنا الموسيقى، ويذهب معنا إلى نهر قريب ليعلمنا السباحة، وينظم الرحلات المدرسية إلى أماكن عديدة، وكانت لنا أنشطتنا الكثيرة مثل ممارسة كرة القدم والكرة الطائرة وغيرها. وكنت عضواً فاعلاً سواء في النشاط الرياضي أو الثقافي ضمن الحفلات البسيطة، التي كانت تقيمها المدرسة.
إلى القاهرة ثم الربع الخالي
في المرحلة الثانوية اضطررت للانتقال إلى مدينة صور ولمدة سنة كنت أسير على قدمي مسافة لا تقل عن خمسة كيلومترات يومياً للوصول إلى المدرسة، قبل أن أتمكن من شراء دراجة، وفي السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية اضطررت للالتحاق بمدرسة المقاصد الخيرية في صيدا على مسافة أربعين كيلومترا في صور، وكنت أسير لمسافة طويلة إلى أن أصل إلى محطة الباص، وبفضل تشجيع ودعم شقيقي الأكبر وافقت العائلة على إرسالي إلى القاهرة في عام 1964 لإكمال دراستي الجامعية. وكنت أول شاب في العائلة ومن القلائل في المخيم الذين قدموا على هذه الخطوة.
هذه الحقبة لها خصوصيتها في الذاكرة حيث كانت القاهرة هي قلب العروبة النابض، وكانت عاصمة الأدب والفن والسياسة للعالم العربي كله، ومهما تحدثت عن مرحلة الدراسة الجامعية فلن استطيع وصف رونقها وجمالها ومتعتها، فقد مثلت محطة فارقة لما سبقها وما تبعها من محطات في حياتي، ولهذا يبقى حبي لمصر جارفاً. في القاهرة تفتح وعيي السياسي والثقافي والاجتماعي، وكان اتحاد طلبة فلسطين هو الإطار الذي حاولنا من خلاله خدمة قضيتنا الوطنية، وعشت في القاهرة أحداث نكسة يونيو التي انتهت بزحف الملايين إلى منشية البكري.
بعد إكمال دراستي الجامعية عام 1968 عدت إلى بيروت أبحث عن عمل، وعندما لم أوفق سافرت إلى السعودية مدرساً لمادة الرياضيات في بلدة تبعد 360 كيلومترا عن أقرب مدينة، وهي بلدة رنية التي تقع على أطراف الربع الخالي، ومكثت هناك ثلاث سنوات كانت هي الأصعب في حياتي، فقد وجدت نفسي في بيئة مختلفة عما ألفته، وكنت مضطراً لتدبير أمور حياتي اليومية بشكل غير طبيعي، لم تكن هناك كهرباء أو شوارع أو مطاعم، فكان علينا نحن المدرسين أن نقوم بالطهي وغسيل الملابس،
وقد ساعدتني هذه الفترة على تعلم فنون الطهي وتعودت بعدها على دخول المطبخ، لكن ما كان يعوض هذه المعاناة شعورنا بأهمية العمل الذي نقوم به في مجال التعليم، ونشر الوعي والثقافة بين أهل القرية، ووجدنا ساحة كبيرة لأن نقدم خدماتنا سواء داخل المدرسة أو خارجها، وكم أشعر بالفخر والسعادة حين تعاون معي بعض الأصدقاء لتأسيس نادي رنية الثقافي الاجتماعي الرياضي، حيث أدى النادي دوراً رائداً في فتح آفاق جديدة أمام شباب القرية، وشكلنا فريقاً لكرة القدم أشرفت على تدريبه، وأنشأنا مكتبة احتوت على الكثير من الكتب التي جمعناها من تبرعات الأهالي.
.. ومن الكويت إلى الشارقة
غادرت السعودية بعد ثلاث سنوات واتجهت إلى الكويت، وعملت هناك في عدة شركات سبع سنوات، وحين سنحت لي الفرصة جئت إلى الإمارات واستقريت في الشارقة عام 1978، والحق أنني وجدتها مدينة عربية الطابع تسير بخطى ثابتة نحو التطور، وبعد أن استقرت أحوالي المعيشية والمادية قررت في عام 1980 أن أتزوج، ورغم أنني رجل عاطفي بطبعي، إلا أنني كنت وما زلت أرى أن اختيار الزوجة هو قرار عقلاني لابد وأن يراعي التقارب الاجتماعي والثقافي وظروف النشأة،
وأنا الآن وبعد سبعة وعشرين عاماً من زواجي أشعر أن هذا الرأي سديد، وزوجتي تنتمي إلى نفس بيئتي وقريبة من تربيتي، وهذا ساهم في توحيد الرؤى حول الأمور الأسرية والحياتية، ومنها تربية الأبناء كما أنها شاركتني مسيرة البناء ودفعت نصيبها في سنوات الكفاح.
أما أولادي فقد رزقني الله بأربع بنات وولدين، حاولت أن أزرع فيهم ما تعلمته من والدي وأساتذتي ومن تجربتي، فعلمتهم حب العمل والطموح في الحياة وعدم التخلي عن حقنا في العودة إلى بلدتنا صفورية، ابنتي الكبرى حنان تخرجت طبيبة من الجامعة الأردنية، وليلى مهندسة من الجامعة الأميركية بالشارقة، وتدرس شقيقتاهما في عمان إحداهما تدرس الصيدلة والأخرى إدارة الأعمال،
ويبقى الدور على الولدين اللذين يدرسان في المرحلة الثانوية، ويظل أسلوبي في تربية الأبناء بنفس النهج الذي اتبعه في مدرسة الشعلة التي أسستها قبل خمسة وعشرين عاماً، فأنا متمسك بأن الأب كما هو المدرس ومدير المدرسة لهم دورهم في توجيه الأبناء.
فأنا محب للسفر ومغرم بالتاريخ والجغرافيا، وسافرت إلى بلدان كثيرة مثل إيران وتركيا وباكستان وبلغاريا وانجلترا وسويسرا ومعظم الدول العربية، وأتطلع لزيارة بلدان لديها من الحضارة ما يستحق أن أراه، وعلى الرغم من أنني تجاوزت الستين إلا أنني أشعر بأنني مازلت في خضم معركة الحياة ما دمت قادرا على العطاء، ولدي طموحات لا تعد ولا تحصى، ولدي العزيمة أيضا لتحقيق الكثير من هذه الطموحات،
وأنا ابدأ عامي الأربعين من سيرة المهنة أرى أن ما حققته ليس إلا جزءاً مما يتوجب علي، وأتطلع لبناء مركز أبحاث يرعى الأجيال القادمة، وأخطط لإطلاق مبادرات لرعاية المتفوقين علمياً، وأريد أن أبرهن بأن رجال الأعمال والمثقفين العرب عليهم دين كبير تجاه أمتهم وتجاه مستقبل الأجيال القادمة، أما مشروعي الخاص جداً فينحصر في مواصلة الكتابة حول تجربتي الثقافية ومسيرتي المهنية والعملية والعلمية.
صاحب مبادرات
يقول حمد المهيري: إبراهيم بركة استاذ جليل ومعلم له باع طويل في مجال التعليم، وقد سمعت عنه قبل أن أتولى منصب نائب مدير منطقة في فترة سابقة، وعندما تعاملت معه والتقيته عن قرب وجدته أنساناً مخلصاً لمهنته ويتفانى في تقديم الأفضل من خلال إدارته لمدرسة الشعلة، وهو رجل تربوي من طراز فريد، متعاون إلى أقصى درجة، وله مبادرات على المستوى العام وعلى مستوى تطوير التعليم الخاص، وجمعتني به جلسات عديدة تطرقنا خلالها إلى مواضيع عامة،
ووجدته إنساناً عروبياً قوميا لا يتغير رأيه مهما كانت المستجدات الأليمة على الساحة العربية، وهو متحمس للغاية في كل ما يقوم به بقناعات راسخة في وجدانه، وكثيراً ما كنا نختلف في وجهات النظر، لكن ذلك لم يؤثر أبداً على علاقتنا وتواصلنا المستمر حتى الآن، فهو رجل يعرف تماماً كيف يفرق بين الخاص والعمل، وأنا أقدر هذه الروح الطيبة التي يتمتع بها، وأتمنى منه أن يستمر على هذا النهج الحماسي، وأن يعطي المعلم خلاصة تجربته حتى يستفيد التعليم من مسيرته في هذا المجال.
ويقول الدكتور عديسان أبو عبدون عندما أتحدث عن الصديق إبراهيم بركة فأنا أتحدث عن رجل له خبرته الطويلة في مجال التعليم، عرفته عن قرب بحكم عضويتي في مجلس أباء مدرسة الشعلة واجتماعاتنا المتواصلة، ووجدته مخلصا لعمله ويقضي جل وقته في متابعة سير العمل ونتائج مقترحاته والتوصيات التي ترفع له من قبل الموظفين والمدرسين والمديرين، وينظر لنجاحات المدرسة من منظور شامل ساهم فيه الجميع دون أن ينسبه لشخص بعينه،
ومن فرط حبه للعمل فهو لا يضع مواعيد بداية ونهاية أو ساعات محددة، فتراه في مكتبه بعد انصراف الجميع يواصل مهامه، وهو رجل مخلص لأصدقائه ويتواجد في كل المناسبات الاجتماعية، كما أنني أراه مخلصا للماضي ولتجربته الحياتية ويحكي عن نفسه دون خجل عن وضع ما أو ظروف سيئة مر بها، بل يتحدث مباهيا بأنه كافح من الصفر وتحدى عقبات كثيرة، وعودة للعمل أجده صاحب مشروع تربوي ويهتم بالأجيال الجديدة ويساعدها، وأتمنى منه أن يواصل العمل هذا المشروع بنفس الحماس الذي يبديه الآن، وعموما أنا افتخر بأنني عرفت إبراهيم بركة.
عزالدين الأسواني



