يرتبط الطب الشعبي بالخبرات المتراكمة التي حصل عليها المطببون عبر سني اشتغالهم والتي انتقلت جيلاً إثر جيل واغتنت بكثير من المعارف والعلوم واكتشاف مجموعة واسعة من الأعشاب وطرائق استعمالها وفوائدها الطبية والصحية، والطب الشعبي في الإمارات هو جزء من المعتقدات الشعبية المتأصلة في الموروث الصحي الذي استمد مكوناته ومواده الطبية من البيئة الطبيعية والاجتماعية وحتى الآن يتعامل به الكثيرون ويلجأون إليه بشكل طبيعي وفي الحالات التي يعجز الطب الحديث عنها.
وقد وجدت في الإمارات العديد من الأيدي الخبيرة التي احترفت مهنة الطب الشعبي من الرجال والنساء على حد سواء وكان لهم أهميتهم وشهرتهم اكتسبوها لتمكنهم من علاج العديد من الحالات وقد ذاع صيتهم في سائر أرجاء البلاد وكما هو حال البشر في أية مهنة يمتهنونها كان ثمة تنافس وصراع بين اللمطببين والمداوين كحال أطباء هذا العصر.
وقد شمل الطب الشعب أساليب عديدة للعلاج كالحجامة والفصد والختان وتجبير الكسور والعلاج بالرقي والتعاويذ، وبالاستفادة من المواد الطبيعية التي وجدت في المنطقة كالسدر والخيل والمر والرمث والأشخر وغيرها من الأعشاب والمواد التي أكدت التجربة فائدتها وطريقة استخدامها بما يتناسب مع أنواع المرض.
توارث المهنة
القائمون بالعلاج الشعبي في الإمارات هم المطببون أي الذين كانوا يمارسون مهنة الطب بالوراثة والخبرة والمعرفة والتجربة الذاتية، والمطبب هو المعالج الذي يستخدم طريقة معينة يمارسها وتصبح مهنته ومصدر رزقه في بعض الأحيان هم الممارسون لفنون الطب التقليدي، وهناك فروق بين طبيب المدينة وطبيب القرية، والطبيب في البادية عن الطبيب في القرى الجبلية.
ويمكن ملاحظة الاختلاف بين هؤلاء في مصادر الثقافة الطبية الشعبية، ومستوى التفكير والمعرفة في كل مجتمع من المجتمعات الإماراتية القديمة وهذا الاختلاف في درجة الخبرة والإلمام بالأساليب والطرق العلاجية يرجع إلى التكوين التاريخي والبيئي لكل نمط من الأنماط السكانية المختلفة في مجتمع الإمارات القديم.
وكذلك يرجع إلى نوعية التخصص العلاجي الشعبي .فمثلاً يلاحظ بأن (العلاج بالكي) أكثر انتشاراً في المجتمعات القروية البعيدة عن مجتمع المدينة .فهناك رجال في القرى تتوفر لديهم خبرة واسعة في الكي. لذا عندما يوصف الكي لمريض ينصحونه بأن يذهب إلى (كواي) متخصص في قرى الجبال عند (البداة) أو يقولون له اذهب إلى البادية .وهناك أيضاً وصفات علاجية يمارسها أطباء البادية أكثر من أطباء المدينة، اذ هم ماهرون فيها أكثر من سواهم.
وبعض الوصفات مثل التجبير برع فيها المزارعون وهم الذين يطلق عليهم (البيادير) سكان الريف الإماراتي. أما فنون العطارة والختان والحجامة فإنها تمارس أكثر في المدينة ولها أطباء متخصصون وأصحاب خبرة ودراية. وهذا لا يعني أن الكي مثلاً لا يمارس في المدينة.. لا لكن من يمارسونه أقل خبرة ودراية من أطباء القرى، وكذلك بالنسبة للحجامة وصنع الأدوية والمركبات أكثر توسعاً في المدينة منها في القرى البعيدة ويمكن تصنيف القائمين بالعلاج الشعبي حسب طبيعة المهنة التي يقوم بها كل واحد منهم إلى الأصناف التالية:
المطوع: وهو إمام المسجد وعالم الدين الذي تتوفر لديه ثقافة دينية. وهذا يمارس العلاج الديني مثل القراءة على المريض وعمل المحو، والمحو هو علاج ديني والحواج وهو بائع الأدوية الشعبية، ويسمى ب(العشاب) أو (العطار)، أي الصيدلاني بمفهومنا المعاصر، والذي يبيع الأدوية والعقاقير في السوق. والكواي الذي يعالج بالكي بالنار.وهي طريقة شعبية مشهورة وتسمى (الوسم).
والمجبر الذي يجبر الكسور، ويصنع الدواء للعضو المكسور، ولديه معرفة وخبرة في العظام.والمختن الذي يقوم بختان الصبيان بالطرق التقليدية .والختان سنة يمارسها أصحاب الديانات السماوية. ويمارس الختان في الإمارات (الحلاق) أو (المحسن) أو (المزين) الذي يحلق الشعر للزينة .لأن الختانة مهنة موسمية، فيمارسها الحلاق في صالون الحلاقة القديم أو عندما يطلبها منه أولياء أمور الصبيان.
والحجام الذي يمارس الحجامة والمتمثلة باستخراج الدم الفاسد من الجسم وكثيراً ما يمارس هذه المهنة الحلاقون باعتبار أن الحجامة مهنة موسمية. والجراح وهو المتخصص في معالجة الجروح بالأدوية والمركبات الطبية .وهناك جراحون متخصصون في علاج أنواع مختلفة من الجروح الخفيفة أو العميقة. والكحال وهو بائع الكحل، ومستلزمات الجمال كالحناء والعود والبخور والعطور .كما أنه يعالج العيون الرمداء من الأمراض، ويصف لها الدواء المناسب.
والمساح الذي يعالج بواسطة المسح أو التدليك باليد على موضع الألم. والمرفع الذي يمارس الترفيع وهو (القمز) أو (الدغر) طريقة شعبية لعلاج اللوزتين .وهناك (المرفعون) خاصة من (الحريم) فالترفيع عادة ما تمارسها المرأة التي يطلق عليها (المرفعة). والداية وهي (القابلة) المرأة التي تُعالج النساء وتشرف على ولادتهن وتعالج المولود حديث المولد فتعمل له الأدوية وتقوم على رعايته.
وهنالك المشعوذون والسحرة وهم دخلاء على المجتمع وكانوا يمارسون بعض الأعمال السحرية مثل (الزار- الحروز - السحر) إلى جانب عمل وصفات سحرية لحالات الصرع والجنون، وهؤلاء طبقة منبوذة في المجتمع.
وإلى جانب تلك الفئات من المعالجين فقد كان الآباء والأمهات يمارسون علاج الأبناء والأحفاد ، ولكن في حدود ضيقة. ومن عادة الأهالي في السابق احتفاظهم بأنواع معينة من النباتات والأعشاب الطبية وبعض المركبات مثل الثمول والصدر والطبيخة التي يستخدمونها في وقت الحاجة .وقديماً تمارس (العجوز) أو (الجدة) التطبيب في حالات معينة وتتولى حفظ العقاقير في (السحارة) وتوضع هذه السحارة في (البخار) وهو المخزن أو المستودع .
أشكال قديمة لطرق العلاج
التجبير: أي العمل على معالجة الكسور (كسور أو شروخ العظام أو انفصالها) وهي مبنية على علم تشريح العظام وعلى الخبرة في معالجتها، وهذا النوع من الممارسات لا شك أنه مبني على أصول علمية مستقاة من الخبرة في مجال التشريح وعلاج أمراض وحوادث العظام من كسور وغيرها.
علاج الجروح والتضميد : وهو فرع من فروع علم الطب، وقد اكتسب أهالي المنطقة الخبرة فيه نتيجة ما توارثوه من معالجات حول هذا الموضوع وما انتهت إليه خبرتهم اليومية في هذا المجال نتيجة معايشة الإنسان اليومية لمثل هذه الحالات، وحاجته إلى علاجها، الأمر الذي دفع به إلى اكتشاف العديد من الوصفات التي كان للكثير منها نتائج إيجابية في هذا المجال كعلاج الجروح بالملح (مطهر وقابض للنزف) وكذلك علاجها باللبان العربي كمادة قابضة أو لاصقة.
علاج التقرح عن طريق الوصفات المطهرة والقاتلة للبكتيريا أو الفطريات، حيث تعمل المادة المطهرة على شفاء هذه القروح .ومن هذه الوصفات (الخيلة والزعتر والملح) والخيلة والزعتر نباتات استخدمت بكثرة في الطب العربي إذ استخدمت هذه الوصفات أيضاً لعلاج العديد من الأمراض كأمراض البطن بصفة عامة.
الحجامة : وإلى جانب المعالجات السابقة فقد تم استخدام الحجامة وهي - كما يعتقد مستخدموها - وسيلة لإخراج الدم الفاسد أو الزائد في جسم الإنسان وشفطه عن طريق استخدام أداة لشفط الدم وتجميعه في أماكن معينة من جسم الإنسان كمؤخرة الرأس أو كاحل الرجلين أو بطن الساق أو الفخذ أو تحت الذقن أو ظاهر القدم أو أسفل الصدر، والأداة المستخدمة في الحجامة هي عبارة عن قرن حيوان، حيث يجرح الموضع الذي تم فيه حبس الدم وتجميعه وتركه ينزف حتى يتم تفريغ الدم المتجمع - وقد تستغرق عملية شفط الدم قرابة عشر دقائق - وبعدها يقوم المعالج بمداواة الجرح من خلال كث الرماد عليه. وهذه الوسيلة في العلاج مستقاة من الطب النبوي، حيث روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤكد جدوى العلاج بالحجامة.
العصابة: روي عن الرسول أنه قد وصف العصابة (أي ربط الرأس) كوسيلة لتخفيف الصداع، وهي وسيلة مجدية في كثير من الأحيان خاصة إذا كان الصداع ناتجاً عن أمور تتعلق بمسألة تدفق الدم في شرايين الرأس، إذ تؤدي العصابة نوعاً ما إلى التحكم فيه نسبياً من جهة والضغط على مكان الألم من جهة أخرى مما يؤدي إلى التخفيف من حدة الصداع. وتعد العصابة من أشهر وسائل العلاج التي اعتاد على ممارستها أبناء مجتمع الإمارات.
الكي: كما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قد نصح باستخدام الكي، وهو وسيلة شاع استخدامها في الطب الشعبي عند العرب حيث يحمي الطبيب المعالج قطعة من المعدن وتوضع على مكان الألم أو على مكان يحدده الطبيب باعتبار أن هذا المكان من جسم الإنسان يتحكم في مصدر إحساسه بالألم .وإن كان هذا النوع من العلاج يأتي في الغالب بعد استخدام الأساليب الأخرى للعلاج لما فيه من إيلام للمريض. ويعد العلاج بالكي علاجاً ناجحاً في بعض حالات القراح أو الأورام السرطانية، حيث ثبت نجاحه نسبياً.
البتر: وإلى جانب العلاج بالكي فقد اعتاد أبناء الإمارات على التداوي بالبتر وهو في حالات قليلة أي إذا استدعى الأمر ذلك وفشلت كل الأساليب العلاجية السابقة : حيث يلجأ الطبيب إلى بتر العضو المريض كوسيلة لمنع انتقال المرض إلى الأجزاء الأخرى من جسده. وهي معالجة ناجحة في بعض الأحيان ومستقاة من الطب النبوي ومازال معمولاً بها حتى الوقت الحاضر إذا يلجأ الطبيب أحيانا لبتر عضو المريض عند إصابته ببعض الأمراض كالغرغرينا على سبيل المثال.



