في الزمن الراسي على حواف الذاكرة وحينما كانت بيوت «السعف» والطين تمتد على الشاطئ بين الرمال البيضاء، حيث الأرض البكر التي تلامس موج السواحل وقبل غروب الشمس في يوم النصف من شهر شعبان يكون أطفال الحي قد تزينوا بملابسهم الملونة فتيات وصبيان تتنوع أعمارهم في درجات الطفولة.
يطوفون في جماعات مبتسمين يغنون ويتردد صدى أصواتهم بين سعف النخيل وطوب المنازل في الأزقة الهادئة وعند كل باب.. عطونا الله يعطيكم.. بيت مكة ايودكم.. جدام بيتكم وادي والخير كله ينادي.. هذه الأهازيج هي اعلان فرحة بانقضاء النصف الأول من شهر شعبان واقتراب شهر رمضان، شهر الصوم وشهر الخير.
تفتح فتاة الحي الجميلة بأناملها المغمسة في الحناء باب البيت وتمتد يدها بحفنات من المكسرات والحلوى للأطفال الذين يستمرون في الغناء.. وعلى الجهة الأخرى من الحي تنتظر العجوز ببرقعها أمام بيتها قدوم سرب الأطفال إليها..
وقد صامت بانتظار سقوط الشمس في مياه البحر.. يأتي إليها الأطفال وقد تغني معهم وهم ستذهب بهم طفولتهم إلى مشاغبتها وملء «خرايطهم» بالمكسرات.. و«الخريطة» كما تسمى بالعامية، عبارة عن كيس من القماش تخيطه الأمهات قبل ليلة النصف من شعبان للبنات والأولاد..وهي تجمع فيها مكسرات «من حق الليلة».
طيلة شهر رمضان ستكون هذه «الخرايط»، جمع خريطة مركونة في زوايا المنزل.. يأتيها الصغار والكبار في الليالي الرمضانية يأخذون منها حفنات ويذهبون..ومن يجمع كمية كبيرة من مكسرات «حق الليلة» هم الذين سيستمتعون بأكلها طيلة الشهر الفضيل..
«من حق الليلة» طقس شعبي يضرب عميقا في جذور الثقافة المحلية لأهل الإمارات.. ومازال المجتمع يحافظ عليه، ومع التطور ومع التركيبة الجديدة للمجتمع ومع اندماج جاليات عربية وآسيوية في لحمة المجتمع انتقلت ممارسة هذا الطقس للجميع..حاليا تقوم المؤسسات المجتمعية بإحياء ذكرى «من حق الليلة» في النصف من شعبان من كل عام.. ببرامج معينه يتم فيها استعادة الطقوس القديمة في التعاطي مع فرحة اقتراب شهر الصوم..
وفي منطقة الخليج تتعدد مسميات هذه المناسبة وتختلف.. لكنها تقام في توقيت واحد، ما عدا الإمارات التي تحييها في ليلة النصف من شعبان.. أغنيات وأهازيج كثيرة يرددها الأطفال في مساء ليلة النصف من شعبان حفظت الذاكرة الشعبية منها ما حفظت وغاب منها ما غاب مع التبدلات والتحولات التي طرأت على المجتمع..
على حواف الذاكرة..تكمل صورة المناسبة عند غروب الشمس حينما يعود الأطفال جميعا إلى بيوتهم محملين بالأكياس القماشية الممتلئة بالمكسرات يتبارون فيما بينهم من جمع أكثر من الثاني.
مرعي الحليان

