تضيق فتحة الهواء، وتتسع رئات البحر وهي تطلق أبخرتها في هذا القيظ اللاهب.. حين يهبط الصيف ويفرد أجنحته الشاسعة كتنين أصباه المس فأفرد لنيرانه العنان وهو يفتح شدقيه على اتساعهما في هذا الشهر الساخن.
هي كواسر اللهب الخفية تمضغ الكائنات وتزأر في الآفاق فتنقبض المسام الناعمة ويتقطر العرق غزيرا فهل من جرعة ماءٍ باردة تعيد للقلب خفقته، وهل من موجة نلتحف بها كي تبترد الروح، وهل من مظلة تحجب الشمس عن القدود الغائرة على أكتافنا. نعم ثمة فيئ يفرده غصن شجرة في دروب النزهة وقطعة من قماش مبلل نلوذ بها في لحظة اللهب.
وثمة بحر تغرق فيه عنق التنين في برهة الشاطئ المزين بالمظلات الملونة والأجساد المستلقية تحت ظلالها الخفية حسبك أن يهدر النهر القديم في عروقك وتجرح خاصرتك غيمة الشتاء الباردة في صباحات الطفولة، وحسبك أن تلتف بقوس القزح وأنت تقلب الأيام على ميقات الندى وتتذكر المفارش اليدوية لعمتك وهي تجر خيطها على قطع القماش الملونة.
حسبك أن تعود إلى غدران الطفولة وتخوض في مياهها أو تتعثر عند منعطف النهر وأنت تبحث عن حورية الحكايا التي تركت عند نافذتك محارة تحمل أسم حبيبتك. وحسبك أن تلتفت إلى قوة الإنسان وهو يُبرعم ابتسامته الشاسعة في وجه الحياة المتغضن، ويترك نفسه لهبوب خفيف يحمله إلى ضفة عامرة بالخلائق أو شارع عامرٍ بالظل أو منحة عامرة بالشغب وألعاب الصبا.
إنها لوحة الحياة تلك الشبيهة بمفارش عمتك والقمصان التي حاكتها يداها وهي تذرف الدموع على عمر تلاشى في دروب الهم والفقد. إلا أنك تنهض مع خيط الصباح وتمشي على نسيج البنفسج المتوهج عند قرص الشمس وهي تمسح بأكفها الدافئة أهداب الخلائق كي تنهض من جديد وتمضي مغسولة بمياه حلم لا يكف عن الرجاء.
إسماعيل الرفاعي:



