جرعة من حديث المدن والترحال تكفي لأن تبتهج الرّوح وتتأرجح المخيلة والقليل من الذكريات المختلطة برائحة البحار وطيف الحضارات المتعددة يفتح أمامك بوابة أخرى للمعرفة.. ذلك أنك في اكتشاف الأمكنة تضاعف خبرتك في الحياة،
وتقترب أكثر من جوهر الأشياء وأنت تمر بالمدن بروائحها المختلفة وأناسها بسحناتهم المتباينة وطبائعهم وقسماتهم التي لن تفارقك، حين تحط رحالك لتبدأ رحلتك من جديد. وإذا كان الحظ حالفك بأن تكون مهنتك في مقدمة الجوالين في الآفاق وأن تكون طياراً برتبة ضابط أوّل في طيران الإمارات، بتماس يومي مع المغامرة والاكتشاف والتعرف على المدن والعوالم الجديدة حتى تغطي قارات الأرض كلها.. فأي فرح متجدد وخبرة متراكمة تحوزها يوماً إثر يوم.
فحكاية السفر والترحال هذه المرة.. يسردها علينا الكابتن إبراهيم أحمد الحمادي الذي تجاوز العقد من الزمن وهو يجوب الآفاق على متن طيران الإمارات، يتنقل هنا وهناك ويستكشف الأمكنة بشغف دائم ورغبة لا تهدأ في التعرف على جوهر الأماكن التي يحط بها.
وكالعادة يبدأ حلم السفر منذ الطفولة، حتى يتاح لك عن طريق الأهل والرحلات الأولى الاطلاع على حضارات بنكهات مختلفة، ويتعمق الحلم كلما توغلت في المدن أكثر وغصت في عوالم جديدة مرة تلو أخرى.. ولعل الشغف القديم عند الحمادي وجد متنفساً كبيراً له، حين أصبحت خارطة العالم بين يديه، خصوصاً وأن الأماكن التاريخية والمعالم القديمة تمثل هوساً بالنسبة له إلى جانب تعلقه بالطبيعة وبالمشاهد الآسرة.
يقول: حبي للطبيعة والتاريخ دفعني إلى السفر، حيث تتعرف بذلك على حضارات وجنسيات وعوالم مختلفة الأمر الذي يمنحك وعياً ونضوجاً أكثر، وإذا استطعت أن تربط التاريخ بالأماكن تصبح لديك رؤية ثاقبة في المستقبل، وعن كيفية حدوث الأشياء لأن التاريخ يعيد نفسه،
ويضيف: السفر مذكور في القرآن الكريم فالعلي القدير دعانا لأن ننظر في خلق السموات والأرض وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ارتحل من مدينة إلى أخرى وأن الأمام الشافعي ذكر فوائد السفر. ويؤكد بأن الحج هو سفر بحد ذاته من خلاله تتعرف علي مسلمين من بلدان وجنسيات مختلفة وبه ترتبط الأواصر وتتعمق الرّوابط الإنسانية.
ويرى الحمادي أن بدايته الفعلية في السفر كانت مع طيران الإمارات والتي أتاحت له أن يتعرف على أغلب مدن العالم وقاراتها، يقول: مع نهاية هذه السنة سأذهب إلى جنوب أميركا وأكون بالتالي قد غطيت القارات الخمس، فطيران الإمارات تغطي العالم كله وفي كل رحلة فرصة للتعرف على أشياء جديدة وجنسيات جديدة.
تخرج إبراهيم الحمادي من كلية أكسفورد للطيران، وكان توجهه لهذه المهمة بدافع من والدته ومن أخيه بالدرجة الأولى، حسن أحمد الحمادي، والذي يعد أول إماراتي يصل إلى مرتبة مدير أسطول البوينغ ومدير تدريب جميع طياري الأساطيل المختلفة في طيران الإمارات من (بوينغ 777 ـ إيرباص 310، 330، 340).
أميركا عالم بلا تاريخ
بعد زياراته البعيدة إلى دول الخليج ومصر، وعمان وشرق آسيا والتي يتذكر فيها الأهرامات والنيل العظيم والمنجزات الحضارية الكبيرة المشبعة بالهيبة واللمسات الفنية البديعة التي تزين الصروح الضخمة والتي دفعته إلى التساؤل المبكر عن القدرة العظيمة للإنسان وعن الطاقة البشرية التي أنتجت مثل هذه الإنجازات الكبيرة.
بعد تلك الزيارات يذهب إلى أميركا التي أصابته بالذهول لتنوعها الجغرافي الهائل وسحرها، يقول: أميركا قارة متكاملة، ومن يعيش في أميركا لا حاجة له لزيارة مدن أخرى من العالم، غير أنها تفتقر إلى الأماكن التاريخية والحضارات القديمة وأقدم حضارة لديهم ربما تعود إلى 200 سنة فقط، ويمتاز شعبهم بالبساطة، كما أنهم على غير دراية بما يحيط بهم في العالم رغم أنهم في مقدمة العالم التقني والعلمي.
ويروي الحمادي بشيء من الطرافة عن رحلته الأولى كطيار يقول: بعد أن اجتزت آخر مرحلة في الاختبار، كانت رحلتي الأولى من سنغافورة إلى سدني بصحبة كابتن مدرب، وكان الجو صافياً والرحلة على أحسن ما يرام، ولم يكن ثمة أي عائق، حتى وصلنا سماء سدني فوجدت بانتظاري غيمة ماطرة تتربص بي فوق مطار سدني بالتحديد وإني وطوال الرحلة لم أصادف أية غيمة على الإطلاق سوى تلك الغيمة المفردة، إلا أننا اجتزنا تلك الغيمة ـ الغمة وهبطنا بسلام والحمد لله.
أكبر شمعة موقدة
ومن الرحلات التي قام بها الحمادي والتي حفرت في ذاكرته هي الرحلة إلى هونغ كونغ وإلى سنغافورة، يقول: هونغ كونغ هي المدينة المعجزة، وهي مدينة قائمة بين شقوق الجبال، وترى ناطحات السحاب فيها تناطح الجبال بحد ذاتها وشعب هونغ كونغ، شعب حي استطاع أن يجترح المعجزات رغم الأعاصير التي تمر بها والأمطار الصيفية الغزيرة إلا أنها مدينة متطورة وطرازها المعماري حديث
وتمتاز بالجسور التي تربط جبالها، وفي الليل ترى أبراجها مضاءة على الجبال وكأنها جبال من نار.. إنها أكبر شمعة موقدة في العالم. وهونغ كونغ هي مدينة تغص بالتجار، أسواقها مزدحمة وشوارعها مزدحمة، ولديهم قدرة على استغلال كل مساحة في الأرض وتعد من أغلى مدن العالم.
أما سنغافورة فهي المدينة التي بدأت من لا شيء، وهي عبارة عن جزيرة كانت مرفأ قديماً تابعاً إلى ماليزيا وقد استقلت في الستينات دون وجود موارد وثروات طبيعية، وحتى الماء والرمل يتم استيرادهما من ماليزيا.. إلا أنهم استطاعوا بعقولهم وإرادتهم القوية أن يحولوها مدينة حقيقية وأنا أعتبرهم من أهم الشعوب في العالم الذين يمتلكون القدرة على الإدارة والتخطيط.
اسبانيا وعبدالرحمن الخامس
اسبانيا هي أكثر دولة تأثرت فيها، فهي حافلة بالكثير من المعالم الإسلامية وطبيعة المدن الإسلامية، الأمر الذي تجده في طبائع الناس وطرق تعاملهم وفي تقاليدهم وعاداتهم، وليس فقط في الأبنية الإسلامية، ومازال الأسبان يحتفلون بأعظم ملك مرّ عليهم وهو عبدالرحمن الخامس الذي يعدونه رمزاً للحضارة والرقي في مجال التعليم والثقافة والأدب والعمران.
ويفخرون بكل الانجازات الحضارية، سيما وأن شعوب أوروبا في عصره كانت تقصد اسبانيا لتعلم اللغة العربية والعلوم الإنسانية الأخرى، وقد استطاع الأسبان ان ينقلوا عاداتهم إلى أميركا اللاتينية من المكسيك إلى تشيلي رغم تباين اللغة الكبير.
ويضيف، ما تراه في اسبانيا، يتناسب مع الطفرة الإنسانية فسرعان ما تشعر بالارتياح والطمأنينة، ناهيك عن الطبيعة الساحرة والوديان والجبال والغابات والطقس المعتدل خصوصاً في (إقليم الأندلس) في جنوب إسبانيا، ويقول: إن اسبانيا قريبة في طبيعتها وطبائع ناسها لشعوب شمال إفريقيا، وهي الدولة السياحية الأولى في العالم، وبها تجد الأحياء القديمة العربية والمدن العربية القديمة.
مبعث الطمأنينة
كما تتعرف هناك على أعمال المعماري الكبير (غاودي) الذي اعتبره من مرتبة ليوناردو دافنشي، وقد صمم العديد من المباني المذهلة ذات الطابع الخاص. وفي باريس تتعرف على شعب لديه ذوق وحضارة في كل ما يصدر عنهم، في تعاملهم ونبرة صوتهم وفي أحيائهم وشوارعهم،
وقد لفتني متحف اللوفر وأعجبني كثيراً وقد رأيت ضمن مقتنياته لوحة (الجوكندا) بابتسامتها الساحرة وخصوصيتها الملغزة، كما تأملت أعمال رامبرانت والعديد من الفنانين الكلاسيكيين والأعمال الأخرى التي تنتمي إلى مختلف العصور.
كما جلست إلى مقاهي باريس ومطاعمها، تلك المطاعم التي تعد أرقى المطاعم في العالم، وفي باريس لست بحاجة إلى استخدام أي وسيلة نقل سوى قدميك، فهناك تمشي وتمشي وكل شيء يساعدك على ذلك، طقسها، وشوارعها، ودقة التنظيم فيها، كما أنها تضم شبكة مواصلات قوية جدا.
الطبيعة السيدة المطلقة
ومن باريس إلى إيطاليا ومدنها التاريخية القديمة التي تضم مدناً ضمن مدن وحضارات ضمن حضارات، من روما إلى فينيسيا وإلى ميلان التي تمتاز برقيها الشديد والذي يختلف الشعب فيها عن وسط وجنوب إيطاليا، وصولاً إلى سويسرا التي يقول عنها الحمادي: سويسرا بلد الطبيعة الخلابة والطبيعة هي السيدة المطلقة هناك، والشعب السويسري يتكلم أربع لغات (ألمانية، فرنسية، إيطالية واللغة الرابعة هي خليط اللغات تلك،
وهو شعب مسالم وبسيط وهو الشعب الوحيد في أوروبا الذي يلقى عليك التحية في الأماكن العامة وحيثما تلتقيه، وهو مضياف، ويبدو أن دقتهم وشهرة الساعات التي يصنعوها هما ناتج عن طبيعتهم العميقة، فإذا كان الانجليز والألمان يتعاملون بالدقائق فالسويسريون يتعاملون بالثواني،
ولديهم غيرة كبيرة على المباني التاريخية القديمة والتي لا يسمحون أن يبنى في محيطها سوى المباني المشيدة على نفس الطراز القديم، كما أنهم من الشعوب التي لا تدخل أي حرب وبلادهم حافلة بالسلام الداخلي والمنتجعات الشتوية الجميلة وأماكن التزلج الفسيحة.
جزيرة القراصنة
ومن سويسرا ينتقل بن الطيار الحمادي بأجنحته الفسيحة إلى جزيرة (مورشيوس) أو (جزيرة القراصنة) كما يطلق عليها، يقول: جزيرة القراصنة العائمة في المحيط الهندي في الساحل الشرقي لافريقيا والعامرة بقصب السكر، حكمها الفرنسيون والإنجليز
وشعبها يتكلم ثلاث لغات ولديهم الجنس الهندي الذي جاء به البريطانيون لإدارة مزارع قصب السكر والأفارقة إلى جانب الجنسيات المختلفة والمهجنة، وهي جزيرة مختلفة عن مدن أفريقيا ومناسبة جداً لقضاء شهر العسل، حيث تجد هناك أرقى الفنادق في العالم من جميع النواحي من المأكل والمشرب وانتهاء بمختلف الجوانب الخدمية.
ومن جديد يعود بنا إلى شرق آسيا والشعوب المالاوية، ويتوقف في ماليزيا التي يعتبرها مناسبة لنا كعرب، وتغص بالأسواق والجزر والملاهي وماليزيا بلد مسالم يتفهم عاداتنا وتقاليدنا، حتى انك من المطار تجد لافتات وعبارات الترحيب المكتوبة باللغة العربية، وتجد شعوبهم متشكلة من ثلاثة أعراق (الهندي، المالاوي، الصيني) فالصيني مسيطر على التجارة هناك،
والمالاوي يشكلون طائفة الموظفين في الحكومة وهم يتسمون بالكسل، بالإضافة إلى الهنود وهم العمال الذين يقومون بأعمال متنوعة ومختلفة، ويضيف: في ماليزيا لا تجد الحساسية التي يبديها الأوروبيون تجاه العرب، وتشعر داخلها بالأمان وتجد المساجد منتشرة في كل مكان حتى تشعر بأنك ضمن بلد إسلامي بالمعنى الحقيقي.
القوانين الصارمة
أما سنغافورة فهي جزيرة صغيرة يمكن أن تقضي فيها ثلاثة إلى أربعة أيام وهي أنظف مدينة في العالم، كما أنها مدينة المخالفات بلا منازع، فكل شيء تقوم به يمكن أن يعتبر مخالفاً للأنظمة ولوائح القوانين الصارمة،
فإذا تناولت اللبان أنت تخالف وهكذا، لائحة لا تنتهي من المخالفات التي يمكن أن تقترفها يومياً دون قصد، فالنظام لديهم هو القيمة الأولى وهم أدق شعب في شرق آسيا وأكثرهم أماناً، كما أن لديهم تقدماً ملحوظاً في مجال الطب والصحة العامة.
وهناك خليط كبير من الجنسيات وقد بدأوا من لا شيء، إلا أن أفكارهم وعقولهم وخططهم المستقبلية، جعلتهم يبنون بلادهم بهذه الطريقة وهم يختارون كل شيء بدقة كبيرة، حتى انهم يحضرون نوعاً خاصاً من الأشجار ويزرعونه في الشوارع وهو يتصف بالنمو السريع والكثافة
وبالتالي يساهم في إيجاد طقس لطيف حتى انهم استغلوا المساحات الخالية في مطارهم لزراعة الزهور ونباتات الزينة والتي تحقق جانباً ربحياً، فعقليتهم تجارية وكل شيء لديهم محسوب بدقة. وهنالك جسر كبير يربطهم بماليزيا وهو من أطول الجسور وهناك ترى العمال يخرجون للعمل في الصباح ويعودون في الليل تماماً كما ترى حركة السير بين دبي والشارقة.
أما شنغهاي فترى أكبر عدد ممكن من البنايات، أبنية على مد البصر، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، وهي شبيهة إلى حد ما بدبي فهنالك أيضاً نهر يقسمها إلى نصفين، وهنالك مطار للشرق وآخر للغرب وهي من المدن التي تتطور بشكل سريع وهائل وعدد سكانها يصل إلى الملايين،
ورغم الكثافة السكانية والمعمارية فإنك لا ترى زحاماً أبداً فأغلب سكانها يقودون الدراجات الهوائية وهي غير مناسبة للسياحة إلا أنها مناسبة للتجار وأصحاب الأعمال على عكس اندونيسيا التي تعتبر بلدا بسيطا جداً وحافلة بأكواخها القديمة المطلة على البحار والتي تناسب السائح الأوروبي بالدرجة الأولى.
التنافر والتآلف
استراليا أعظم جزيرة في العالم، وهي جميلة سياحياً ومعالمها مهمة في مدنها الساحلية الغربية من مدينة بيرث والساحل الشرقي درسدن، مبلورن وهي كلها مدن جميلة وإلى جوارها تقع جزيرة نيوزيلندا إلا أن هنالك فرقا شاسعا بين الجزيرتين في كل شيء.
استراليا بلد متقدم في الصناعة وتجد هناك أخطر أنواع التماسيح والأفاعي والعناكب السامة وأسماك القرش، غير أن نيوزيلندا خالية من كل هذه الأشياء، حتى أنك تستطيع أن تتجول في غاباتها حافياً ولديهم طبيعة خلابة. وشعب نيوزيلندا والذين يُسمون بشعوب (البولونيجين) هم شعب طيب جداً يمتاز بالأجساد الضخمة والوداعة المفرطة وكأنهم دببة.
وعن شعوب أميركا اللاتينية والذين يراهم أقرب الشعوب إلى العرب فهناك تجد العلاقات الأسرية المترابطة والحميمية، وهم يحبّون المرح والنزهات ومن أكثر الشعوب التي يمكن أن تقترب منها وتتعرف عليها، ومع أن لغتهم بعيدة ومختلفة جداً عن العربية إلا أنهم يحبون العرب وهنالك جاليات عربية كبيرة تعيش في مختلف دول أميركا اللاتينية.
إسماعيل الرفاعي:



