أن تحوز على روح الرحالة وتمتلك أشرعة البر والبحر. أن تنجرف في مياه المغامرة وتغوص في أعماقها كي تشهد جوهرة المعرفة عاليا.. أن يستبد بك الحنين إلى أصداء أسلافك، أولئك الذين تسيدوا الأرض ورفعوا نارهم على قمم الجبال وقطفوا بأياديهم المعروقة ثمار البحار كلها.

وأن تعيد أنفاسهم حية متقصيا حكاياهم وذكرياتهم في الحل والترحال.. في مواقد الشمس الحارقة ومجالس السمر وليالي القهوة المرة. أن تحوز ذلك كله ومازال العشق إلى الأراضي البكر يتخطفك وأحاديث الأولين تشدك إلى سكناتها وهمساتها،

يعني أن تنصت إلى سيرة الباحث والإعلامي عبدالله عبدالرحمن الذي مزج حياته بحياة أجداده حتى أعادهم من جديد إلى صميم الحياة المعاشة، وأعاد معهم سيرة الكفاح وقدرة الإنسان على الحياة بكامل ظروفها. وهم يجترحون من الصخر الاصم مياههم السائغة، ومن الأقاصي السحيقة للبحر فاكهة المجد، ومن كوى الجحيم نعيمهم الأبدي.

إذن أي جيل ينتمي إليه عبدالرحمن.. أي برزخ يقف عليه كي يرفع كتاب الحياة ويمدنا بسيرة كاد الزمن أن يطويها لولا الجذوة التي تدفعه كي يعبر البادية ويتسلق الجبال ويمخر عباب البحر بحثا عن حكاية يقصها علينا.. حكاية نتزود بها بالنبض الذي أطلقه أجدادنا في عروقنا فهو من أوائل الذين انطلقوا في السبعينيات إلى كافة أرجاء الإمارات جزرها ، جبالها وباديتها.

يلتقي بالمعمرين رجالا ونساء ويرتشف معهم فناجين القهوة الطافحة بهيل الحكايا الحميمة.. من هناك بدأ مشواره مدفوعا بإيمان عميق بأهمية ما يقوم به ومحققا العديد من الموسوعات التي ضمت بين دفتيها الكنوز التي أصبحت وثيقة تاريخية مهمة ومرجعا جذريا للباحثين والدارسين في هذا المجال.

وعن دافعه إلى القيام بتلك الرحلات الميدانية وتدوينها ومن ثم جمعها في العديد من الكتب يقول: طوال مسيرتي البحثية لازمني هاجس تأصيل وتعميق حيثيات الموروث الشعبي بكافة جوانبه الأدبية والتوثيقية.. وقد تجاورت حالة العشق.

أهمية التوثيق

تلك مع إدراكي لضرورة ما أقوم به، ذلك أن تقديم صورة متكاملة عن حياة أجدادنا، يمكن لها أن تسهم عميقا في بلورة هوياتنا وتعميق أحاسيسنا بالانتماء وربط التجربة الروحية المعاشة مع التجارب السابقة لأسلافنا وعليه اكتست الاطلالة التاريخية المشبعة بالنبض الحي، والتي تجسدت بصفحات (فنجان القهوة) التي كنت أقوم بنشرها على صفحات جريدة الاتحاد منذ عام 1984 وبشكل أسبوعي.

تلك الصفحات التي كنت أتنقل فيها بين أرجاء الامارات وهي تخوض عباب البحر وتعبر السلاسل الجبلية مرورا بالمدينة والقرية.. إذن تلك الاطلالة كان لها وحسب رأيي أهمية في تغطية مختلف الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والتاريخية

وتلبية احتياجات القراء على اختلاف شرائحهم وبالتالي أتيح لي الالتفات إلى فئة اجتماعية كبيرة من المواطنين المعمرين الذين كادت ظروف الحياة والمتغيرات العصرية أن تحيلهم إلى هامش الحياة العملية وهم الذين يكتنزون في وجداتهم علوما ومعارف تمثل ثروات بالغة الأهمية.

لعل انتشار (فنجان القهوة) الذي كان يسكبه عبدالله عبدالرحمن لكافة المتعطشين لتلك الأحاديث الدافئة، شكل دافعاً أخر لاستمراره في البحث والتقصي، حتى بدأت ملامح مشروعه الثقافي تتضح، وبدأت رؤاه تتعمق، فازدادت جولاته توغلا وكتاباته شمولا وتكاملا وراح يتنقل في البيئات الإنسانية المختلفة للحياة الماضية.

يقول: حاولت التعرف على بيئة الأعماق، وأسماء المغاصات ومعاني المسميات من حيوانات ونباتات إلى بيئة استنبات اللؤلؤ مرورا بأبطال رحلات الغوص منذ تأسيس الغيص في أول رحلة يقوم بها وهو لم يتجاوز الخامسة بعد حتى يصبح غيصا ماهراً أو كما يسمى «هب الريح»

أو حتى إن أخفق في الغوص وأطلق عليه (الغيص المعثور» وهكذا على مستوى أبطال الغيص من النوخذة والمجدمي والجعدي والذين كانوا يمتطون ظهور السفن في رحلاتهم صوب البحر تحفهم المخاطر من كل مكان ويدفعهم واقع الحياة الصعبة بأن يستخرجوا لقمة العيش من بواطن البحر العميقة،

وبانتظارهم على شواطيء الديرة النساء اللائي رصد عبدالرحمن صوتهن أيضا وأوضح. كانت المرأة في الإمارات تجد الوقت لتحفر الآبار وتجني الرطب وتروي سفن الغيص وتنقل الحطب ومن ثم تطبخ وتحلب وتخبز وتربي وتعتني بالأطفال.

طريق النحل

هل ينتمي عبدالله عبدالرحمن إلى المؤرخين.. هل ينتمي إلى الغائبين في حلم لا يجد أبعاده إلا في الأرض بجغرافياها المتنوعة وأناسها البسطاء والطيبين الذين اكتنزوا بالتجربة وتعملت ذاكرتهم بالمغامرة، هل يحمل كل منا في داخله شغف عبدالله بالتعرف على جذوره العميقة غير أنه مضى في رغبته بجعبة تتسع باتساع خطاه ولعل ضحكته تفصح عن قوة الطفل التي يمتلكها بداخله والتي دفعته إلى أن يمضي حتى النفس الأخير بعالم قيد الاكتشاف وسفينة قيد البحر.

وهو بذلك لا يترك بقعة يسمع عنها دون أن يتوجه إليها، ولايترك حكاية دون أن يعرف أصلها. وبذلك وجد نفسه يتتبع دروب النحل في الجبال.. ويستنشق رائحة القهوة وهو يبحث عن معانيها حاول عبدالله عبدالرحمن أن يرسم صورة للإمارات،

وفي غضون ذلك اكتشف الصلة التي كانت تربطها بالقضايا القومية والعروبية والوحدة العضوية للجسد العربي.. رغم ظروف الحياة وقسوتها ورغم الانهماك في رحلات البحر التي كانت تستغرق من الناس شهوراً كاملة.

و قد دخل في شبح الحياة بالمعنى العملي والميداني، يقول: كنت أذهب إلى المناطق التي كانت تشكو الاهمال، المناطق البعيدة عن الحركة المدينية والتطورات الحاصلة في الإمارات، وأرصد همومها ومشاكلها سواء مشاكل الخدمات الزراعية، وخدمات المدارس.

ويضيف: أذكر في تلك الأيام التقيت مرة بطبيب سوداني كان يقيم في منطقة المنيعي التابعة لرأس الخيمة، وقد كانت عيادته عبارة عن غرفة قديمة بالية حتى أن الثعابين كانت تدخل من نوافذها على حد تعبيره، ويتابع هناك التقيت أيضاً سالم بن سعيد الدهماني أحد الشعراء المعروفين،

وكانت له قصائد في جمال عبدالناصر وغيره من الرموز القومية وهو في موقعه المعزول في تلك الجبال .. كما وجدت في بعض المناطق الجبلية الأخرى صورا لعبدالناصر، وهواري بومدين، عند شيباني الدبدوب أحد الزعماء في ذلك الوقت.

ويقول الباحث عبدالله عبدالرحمن: كتبت عن علاقة بعض المناطق بالقضايا العربية والقومية منذ أوائل القرن ومع بداية الانتفاضة الفلسطينية ووثقت كل أشكال التفاعل في القرية والمدينة والجبل، وأنا أسعى في كتابتي إلى إعطاء صورة حقيقية وأقرب إلى الدقة في كافة الموضوعات التي أختارها متوخياً الدقة والتوثيق والتحقيق للمعلومة التراثية والتاريخية، وأحياناً لابد من العودة إلى المراجع للتيقن من صحة المعلومة، ولا سيما (دليل الخليج) لكوري مار.

سكة الخيل

إلى جانب (الذاكرة) التي حاول عبدالله عبدالرحمن أن يوثقها عبر بحوثه ومقالته الأسبوعية في جريدة الاتحاد بعد مرحلة (فنجان قهوة) والتي رصد فيها اللسان الجاري بما تكتنزه الذاكرة من سيرة وحكاية وملامح وأدب وتفاصيل اليوم المعاش، ذهب إلى موقع آخر من التوثيق،

وهو ما أسماه بموسوعة المكان، والتي شملت رحلات ميدانية مسحية توثيقية بيئة المكان والحياة الفطرية في المكان، والمتغيرات البيئية عبر السنين والمسميات وما وراءها للأمكنة و المواقع وقد شرح ما وراء مسمى (وادي القور) في إحدى المناطق وكلمة القور تعني الكافر بالفارسي.

وحكاية وادي القور على حسب الرواية بأن هذا الوادي سكنه رجل من الهند، وقد لاحظ أهل الوادي ممارسته لبعض الشعائر الغريبة والخارجة عن تعاليم الدين الإسلامي مما أسفر عن طرده بعد أن كان قد لاقى ترحيباً من أهالي المنطقة، مما حداه أن يراسل ابنه بإرسال مقاتلين يثأرون له، فدارت معركة في ذلك الوادي. ذلك أحد التفاسير لاسم وادي القور، وقد جاء ذكر كلمة القور في قصيدة لابن ظاهر في سياق حديثه عن المعيريض، يقول:

90 ألفا من المعيريض برهدوا

مشروكة ما بين مسلم وقورها

ويضيف أنه نشر في هذا السياق سلسلة في مجلة الصدى اسمها ذاكرة الأدب والوثيقة وهي مقارنة بين الأدب والوثيقة الأثرية والتاريخية والمتعلقة بأحد المواضيع أو الشواهد أو الأحداث وصولاً إلى تقصي الحقيقة أو مقاربتها.

إلى جانب اشتغاله على الموروث الإماراتي بكافة جوانبه وأشكاله وتقصيه عن الروايات الشعبية المحلية، وإيجاد المقاربات والقواسم المشتركة بين تلك الروايات التي تدور أحداثها وتشترك في أسمائها وأبطالها، سواء كانت في البحر أو على قمم الجبال..

فقد عمد الباحث إلى كتابة سلسلة عن التاريخ الإسلامي في الإمارات بمعنى دراسة المواقع الأثرية الإسلامية والشخصيات التاريخية الإسلامية التي تنتمي إلى أصول إماراتية من أمثال (المهلب بن أبي صفرة) وهو من منطقة دبا كما أن هناك منطقة تحمل اسمه، و(بن دريد الأزدي) من قدفع في الفجيرة والآثار الإسلامية من جلفار رأس الخيمة وتلك الآثار الموجودة في جميرا،

ناهيك عن مقبرة الردي التي بها 10000 قبر أيام حروب الردة، كما تناول عبدالله عبدالرحمن كل ما يتعلق بقصة الخيول في الإمارات، بدءاً من أي لقى أثرية أو رسومات عن الخيل وصولاً إلى الخيل في الشعر الشعبي القديم ومواقع وجودها أواخر القرن التاسع عشر، ولماذا سميت سكة الخيل بهذا الاسم والتي كانت تخص أحمد بن دلموك الذي كانت خيوله تمر في ذلك الطريق كي ترتوي من آبار موجودة في منطقة أخرى.

أحاديث وتقصي وكتابات لا تنتهي، وتتبع دؤوب لكل ما اختلط بتراب الإمارات وبمائها وهوائها، تلك هي حال عبدالله عبدالرحمن منذ أن أبصرت عيناه تلك البلاد، والتي ما زال يحملها بين جنبيه ويدور بها الأصقاع، بحثاً عن رشفة ماء يبل بها عروقه التي لا تكف عن العطش.

اسماعيل الرفاعي: