الق يشع من عينيها الضاحكتين، وبراءة الطفولة تكسي محياها وابتسامتها لا تغيب، مذيعة تألقت على شاشة التلفزيون في برامج مختلفة، تعتز بنفسها وقد دخلت المجال الإعلامي من أبوابه الشرعية بعد مسيرة دراسية شهدت تفوقها وإذا كانت اللغة ومخارج الحروف.

إضافة إلى الثقافة العامة هي مميزات يتسلح بها المذيع الناجح، فريهام البسيوني تشبعت من مكتبتي والديها فوالدها قاض مخضرم في دائرة محاكم دبي، ووالدتها محامية ناجحة في مجال تخصصها، ولكل منهما مكتبته الخاصة التي تضم كتباً مختلفة في المجال القانوني والسياسي والثقافي.

وهكذا ترعرعت في أجواء ثقافية من العيار الثقيل، سواء على مستوى المعلومة والاطلاع، أو على مستوى اللغة بالإضافة إلى حبها الشديد لمهنة الإعلام، فهل كانت مسيرتها في هذا الاتجاه سهلة ومفروشة بالورود. سؤال بسيط لكنه يحتاج إلى مساحة تستوعب محطات التفوق وكيفية مواءمتها بين العمل والمحاذير الأسرية التي جاءت بشروط مقابل الموافقة على دراستها وعملها في مجال الإعلام.

في البداية تؤكد ريهام أن والدها رجل مثقف وواع بالمتغيرات المجتمعية ويحترم هذه المتغيرات في الجوانب التي ينتهجها وهو في الوقت نفسه صارم وقليل الكلام يستمع بإصغاء وتركيز، ويعطي الإجابة باختصار شديد في كلمات قليلة، فالصرامة طابع ربما فرضته عليه مهنة القضاء،

لكنه أيضاً من جيل تربى على أخلاقيات وعادات وتقاليد مازال يتمسك بها، والحديث عن والدي مهم جداً لتبيان أسباب معارضاته المتتالية لعملي في الإعلام، وفي كل مرة كان يوافق بشروط لا يتهاون في تطبيقها، لكنني بعد كل موافقة كنت أسعده وأدخل السرور على قلبه،

والطريف أن ضحك والدي هو الإشارة التي أعرف منها أنه راض عما أقدمه، فهو قليل الضحك، ويرى أننا نضحك على أمور تافهة ليس فيها ما يضحك، لكنه إذا سمع أو رأى شيئاً ذا قيمة فانه يضحك من أعماق قلبه.

ووالدتي إنسانة مثقفة وتجيد التعامل معي ومع شقيقتي التي تصغرني، لكنها في القرارات التي تتعلق بالأسرة تترك شأنها لوالدي، ولا تعقب أبداً على ما يراه بشأننا، وهكذا فهمت والدي، وفهمت حرصه الشديد الذي يصب في مصلحتنا دون شك، ولكونه شخصية عامة ومعروفة في الوسط الاجتماعي فقد فرض علينا نهجاً صارماً من السلوكيات وطريقة اختيارنا للملابس، وان لا نقبل الهدايا من أحد مهما كانت، والحق إنني استفدت كثيراً من شخصية والدي خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الآخرين.

أمنية منذ الصغر

ميولي الإعلامية بدأت معي منذ أن كنت طفلة صغيرة، وعندما أسأل السؤال التقليدي، ماذا تريدين أن تصبحي؟ فأجيب على الفور «مذيعة» كان والدي يضحك من إجابتي على أنني مازلت صغيرة، لكن الإجابة ظلت على حالها إلى أن كبرت وكبر معي حلمي الإعلامي، كنت تلميذة نجيبة وسبقت جيلي بعامين أنهيتهما في «كي جي ون وتو»،

وهذا ما جعلني أتخرج من الجامعة مبكراً مقارنة بزميلاتي، كانت دراستي في المراحل الأولى في مدرسة المواكب، وكانت المناهج تدرس باللغة الانجليزية والفرنسية، وأثناء هذه الفترة انصبت اهتماماتي في الأنشطة الرياضية والكتابة والمشاركة في المسرحيات،

أما الإذاعة المدرسية فلم تكن مدرجة في أنشطة المدرسة، ولهذا توارى الحلم الإعلامي على مستوى الممارسة، وبانتهاء المرحلة الإعدادية التحقت بالثانوية الأميركية «اميركن دبلوما» لمدة سنتين، وكان من المفترض أن التحق بإحدى جامعات الإسكندرية،

وكنت مع والدتي تقضي الإجازة في مصر، غير أن والدي غير رأيه واستدعانا باتصال هاتفي ليلحقني بجامعة الإمارات إذ صعب عليه أن يكون في مكان وأسرته في مكان آخر، وفي اختبار تحديد المستويات للقبول حصلت على أعلى الدرجات

وعندما حان وقت التخصص اخترت الإعلام وتم اختيار ثلاثين طالبة من ثلاثمئة قدمن للالتحاق بكلية الإعلام، وكنت أول اسم في قائمة الثلاثين اللائي تم قبولهن، وهنا عارض والدي بشدة فكرة دراستي للإعلام، وبعد مناقشات طويلة معه وافق، ولكن بشرط أن أعمل في مجال الصحافة المكتوبة.

جامعية متفوقة ومشاغبة

كانت المرحلة الجامعية محك عملي لأمارس العمل الإذاعي عبر الأنشطة الجامعية، فقد كنت المقدمة الوحيدة التي تقدم الفقرات الاحتفالية، وكنت أكثر الطالبات تحدثاً ومناقشة في المحاضرات، ومتفوقة في جميع المواد، لدرجة أن دكتور اللغة العربية يحسبني متخصصة فيها،

كذلك بالنسبة للعلوم السياسية وغيرها من المواد المقررة، وكل بحث اكتبه يقرأ ويناقش في النهاية ليقدم كنموذج للأبحاث المتماسكة لغة وسيطرة على الفكرة، ورغم أن خطي ركيك للغاية، إلا أن الأساتذة كانوا يستمتعون بطريقتي في الكتابة بلغة صحيحة ومفردات رصينة وعدم الخروج عن الفكرة التي اكتب فيها، وقد كان هذا منهجي وتفوقي من قبل في حصص التعبير،

ومع هذا التفوق كنت مشاغبة ومشاكسة وأقود مجموعة من الطالبات لنقوم ببعض المشاغبات مع الأساتذة، لكنها كانت مشاغبات خفيفة تضفي نوعاً من المرح قبل المحاضرة، وكنت كثيرة الابتسام لا يعرف التجهم طريقه إلى وجهي، وكان الأساتذة يتعجبون من كوني متفوقة ومشاغبة في نفس الوقت، وأظن أنني حتى الآن مازلت احتفظ بتفوقي واجتهادي في عملي، إلى جانب خفة الظل التي لا تفارقني.

السنة الجامعية الثانية حملت معها منعطفاً جديداً من مسيرتي الدراسية، فقد دخلنا في الجانب التدريبي العملي، وزعتنا الجامعة كل حسب محل إقامتها، فبنات أبوظبي يذهبن إلى تلفزيون وإذاعة أبوظبي، ولأنني مقيمة في دبي فقد كان يتوجب علي أن أذهب إلى تلفزيون وإذاعة دبي،

وتلفزيون دبي لم يكن غريباً عليّ، فقد كنت أذهب إليه والتقي بالمخرج محسن محمد وأنا في مرحلة الثانوي، لكن المشكلة كانت في رفض والدي للعمل التلفزيوني، وهنا تدخل وسطاء من أساتذتي في الجامعة ومن تلفزيون دبي لإقناع والدي بأمرين، أولهما قبوله للعمل التلفزيوني بشكل عام وثانيهما مشاركتي مع محسن محمد في تقديم فترة باسم «فوانيس» ضمن فقرات برنامج كان يقدم في شهر رمضان،

ووافق والدي بعد عناء، ولكنه وضع شروطاً مازالت سارية حتى الآن، فلا تأخير بعد انتهاء العمل، وفي الحالات أو التغطيات التي تستدعي التأخير أو المبيت فلابد من وجوده معي أو مرافقة والدتي لي، إضافة إلى الشروط أو التعليمات السابقة بعدم قبول الهدايا أو دعوات السهر،

وهذه الشروط أراها بديهية ومنطقية للغاية، فإجادة العمل شيء، والحرية الشخصية أمر آخر لا شأن له بالعمل الإعلامي على وجه الخصوص، غير أن بعض الإعلاميين والإعلاميات يقدمون صورة مشوهة للعاملين في هذا الحقل، ومن هنا جاءت شروط والدي وله الحق في ذلك.

الانطلاق ثم رفض عروض مصرية

هكذا عملت في التلفزيون وأنا مازلت في دراستي الجامعية إلى أن تخرجت قدمت بعد ذلك فقرة طبية على الهواء مباشرة في برنامج مراحب مع المخرج أحمد المنصوري، ثم قدمت برنامج «شباب دوت كوم» مع المخرج أحمد المنصوري أيضاً،

وكان البرنامج يومياً ويتابعه الصغير والكبير، وأظن ان الكثير من القنوات استنسخت هذا البرنامج فيما بعد، لكن بقي لنا خصوصيتنا في طريقة تقديمه بما يحترم عقلية المشاهد، وشكلت مع المنصوري ثنائياً متفاهماً ومتوافقاً فقدمنا سوياً برنامج «ميوزك كليب».

وبعدها قدمت برامج المسابقات في مفاجآت صيف دبي ومهرجان دبي للتسوق، وبرعت في هذه النوعية من البرامج كوني اتقن اللهجة الخليجية وأتعامل مع جنسيات مختلفة من المتسابقين، وعلى هذه الأرضية الناجحة أقدم برنامجاً يومياً بعنوان «حظك حلو» من إعداد خالد حمام وإخراج علي خيري الدين،

إضافة إلى ذلك اغطي المهرجانات الخليجية ومهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، ومع أنني نجحت في تقديم برامج المسابقات إلا أنني أحلم بتقديم برنامج حواري يهتم بالقضايا الاجتماعية والفنية، ومازالت فكرة هذا البرنامج في طور التبلور.

قبل أن نسأل ريهام البسيوني عن علاقة الجمهور بها نود أن نسجل مشهداً لطفلة، تحمل في يديها هدية تريد تقديمها لريهام، رأيتها تدور مسرح المسابقات في مركز حمرعين وتكاد تبكي للمسؤولين عن تنظيم الفترات، وفهمت منها أنها لا تريد جائزة أو هدية كما يرغب كل الحاضرين، بل تريد تقديم الهدية،

ولكن على الهواء مباشرة لفرط محبتها لمذيعتها المفضلة، عن هذه العلاقة تقول ريهام: محبة الجمهور وتجاوبه مع المذيع ما هو إلا مؤشر للنجاح، والحمد لله، فقد مكنتني برامجي الجماهيرية من معرفة تجارب الناس معي، بل وإطلاقهم ألقاباً على الهواء مباشرة وهي ألقاب أعتز بها،

فمنهم من لقبني «بسندريلا دبي»، ومنهم من أطلق لقب «مذيعة الشباب»، وكثيرون يمتدحون تلقائيتي في التقديم، وأرى أن التلقائية المغلفة باللباقة وحسن التصرّف وامتلاك ناصية اللغة، تترك أثرها الجميل عند المتلقي، أما وكوني مجيدة للهجة الخليجية فهذا يضاف إلى رصيدي، وبعيداً عن المجاملات تماماً،

أنا عاشقة للهجة الخليجية فهذا يضاف إلى رصيدي، وبعيداً عن المجاملات تماماً، أنا عاشقة للهجة الخليجية وأحبها من كل قلبي ودائماً ما أقول إنني مصرية المولد إماراتية الهوى، وهذا ليس كلاماً مطلقاً على عواهنه، بل قناعات متجذرة في نفسي، فقد عرض علي أن أعمل في التلفزيون المصري أكثر من مرة،

لكني رفضت لسببين، أولهما شعوري بالانتماء لتلفزيون دبي وعودتي إليه بعد عدة تجارب مع قنوات تلفزيونية أخرى، وثانيهما محبة الزملاء في تلفزيون «سما دبي» الذين طالبوني بعدم الرحيل، فهذه المؤسسة المنظمة والمحترمة لها فضل كبير في ظهوري بهذا الشكل المتميز.

الدمى وفقاعات الصابون

وعن رأيها في الساحة الإعلامية تقول ريهام: لربما يكون رأيي حاداً فيما يحدث على الساحة الإعلامية أو من بعض القنوات الفضائية، وثقتي في رأيي انني درست الإعلام ولست دخيلة عليه، ولم أدخله بواسطة سواء للدراسة أو للعمل،

ومن هنا أرى الكثيرين من الدخلاء الذي يشوّهون الإعلام بصفة عامة، وصورة المذيعين بصفة خاصة، وهم يخرّبون أكثر مما يعمّرون، وهذه الفئة لا تعمّر كثيراً وحالها حال فقاعات الصابون سريعاً ما تختفي، واللوم هنا يقع على القنوات التي لا هم لها سوى جني الأرباح دون مراعاة لأخلاقية المهنة،

وللأسف إن هذه القنوات تزداد يوماً بعد يوم دون حسيب أو رقيب تحت غطاء الحرية، وعودة إلى المذيعات العاملات في تلك القنوات، فأرى أن بعضهن لا يعنيهم ظهورهن بالشكل اللائق، وخلاصة القول في هذا الشأن أن أية مذيعة درست الإعلام وتعبت على نفسها لن ترضى بأن تكون دمية في يد أحد. فالقنوات المحترمة أيضاً كثيرة، وتحقق أرباحاً دون أن تمس حياء المشاهد، بل وتحرص أيضاً على تقديم رسالة إعلامية ذات قيمة ومضمون.

أمّا عن قدوتي في التقديم فأقول من دون استعلاء على أحد، بأنني لم أنبهر طوال حياتي بأداء مذيعة معينة، وأيضاً ليس لدي أية تحفظات على إحداهن، والمفارقة هنا تكمن في قلة متابعتي للتلفزيون منذ أن كنت صغيرة، على الرغم من رغبتي وحلمي بأن أصبح مذيعة،

وكنت ولا أزال أسعى لأن يكون لي طريقة أدائي المتفردة، وفي هذه الجزئية لابد وأن أرجع الفضل للمخرج أحمد المنصوري والمخرج محسن محمد اللذين هذبا طريقتي في الأداء، فقد كانت ملاحظاتهما القيمة تكبح جماح رؤيتي ورغبتي في الأداء على طريقتي الخاصة،

وبالفعل تعلمت منهما الكثير، وما زلت حتى الآن أستفيد من الآخرين، وأتعلم الجديد، لقناعتي بأن الإنسان يتعلم إلى ما لا نهاية، أما إذا أصابه الغرور فتلك نهايته، وهنا ملاحظة لا أجد حرجاً من ذكرها، فنحن جيل لا يتمتع بأدنى درجات الصبر، يريد أن يصبح نجماً في غمضة عين،

جيل يستعجل الشهرة دون أن يبذل لأجلها المجهود، دون يتعلم من أخطائه أو أن يأخذ بنصيحة الأساتذة ولأنني أعرف هذا، فقد حرصت على أن أسمع أكثر مما أتكلم، وألا أتشبث برأيي، ويبقى مؤشر النجاح والإجادة الذي ألمسه في اتصالات الجمهور، وفي عيون الأقارب والأسرة، ويكفيني أن أرى نظرة الرضا في عيني والدي الذي استشيره في كل شيء يتعلق بحياتي وعملي.

عزالدين الأسواني