الروح الصافية، والابتسامة التي تكشف عن نقاء السريرة والمعدن الأصيل الذي تشكلت عليه، ملامح الشيخ عبدالعزيز بن علي بن راشد النعيمي تصافحك أول الأمر. وما إن يبدأ حديثه حتى تجد البساطة والعمق والرغبة العارمة في السمو بالحياة بكل مكوناتها وجوانبها. ورغم قسماته الهادئة وحالة الاسترخاء والارتياح التي يبعثها في الآخرين.
إلا أنك تستشعر حالة من الطاقة المتأججة التي تستقر بداخله والطموحات الكبيرة التي تشغله والمفترقة عن الهموم الشخصية والذاتية لارتباطها الجذري بالهم العام وكيفية إشاعة الطاقة الإيجابية والخلاقة في مجتمعاتنا.. دخل معترك الحياة العملية وعمل في ميادين متعددة وهو يراكم خبراته ويسجل مشاهداته عن الحياة، كيما يصوغها في رؤية يتمكن من خلالها القيام بدوره الإنساني على الوجه الأكمل، خارج مفهوم الألقاب ومن صميم الحياة ذاتها.. ذلك أن الخلاصة التي توصل إليها والتي نتجت عن طبيعته بالأصل وعن إيمانه بالإنسان وبإمكانية إبراز وتأكيد الجوانب الإيجابية في داخله. نشأ في كنف عائلة كريمة وكان لوالده تأثير كبير عليه رغم انشغالاته الدائمة بالسفر والصيد، ورغم تعدد مسؤولياته واهتماماته. إلا أن ثمة وقت دائماً للعائلة. وعن طفولته البعيدة والظلال التي ارتسمت في داخله عن تلك المرحلة الجذرية في تشكيله وتكوينه الإنساني والمعرفي، يقول: ولدت وترعرعت في بيت مفتوحة أبوابه للضيف بشكل دائم، ومن هناك تعلمنا وتشربنا كرم الضيافة وحب الضيف.
كما كانت المجالس حافلة بالأحاديث والذكريات والتجارب الحياتية والحكم المستخلصة منها إلى جانب أحاديث الفكاهة والمرح خصوصاً أن الضيوف كانوا من شرائح متعددة من التجار والصيادين وأهل العلم إلى جانب الناس الطيبين والبسطاء كما كنت أذهب مع والدي إلى مجالس الشيوخ ومختلف المحافل الثقافية المتنوعة وأول مسرحية شاهدتها في حياتي كانت بصحبة الوالد رحمه الله في الشارقة، وكانت بحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة والذي أشعر بكثير من الترابط بينه وبين الوالد. ومن التجارب التي لا أنساها رحلات التدريب على الصيد التي كان يصحبنا فيها إلى منطقة (الحمرانية) في رأس الخيمة وهي منطقة جميلة وفيها مختلف أنواع الطيور والحيوانات، وكان يطلب منا أن نتمتع برهافة الحس وحدة البصر، وهو يكرر على مسامعنا: (أريدكم أن تروا قبل الصقر) ثم يفلت الصقر ويجعلنا نراقب الأشياء التي تلتقطها عين الصقر الحادة. وكأنه بذلك يريد أن يعلمنا القدرة على التقاط الموجودات التي تحيط بنا وبالطريقة نفسها التي يقوم بها الصقر.
تجربتان جامعية وعسكرية: الدقة والانضباط، هما من الصفات الأصيلة في شخصية النعيمي، وقد أسهمت تلك الصفات في رسم حياته وتحديد خياراته العملية والمهنية فبعد دراسة في المرحلة الابتدائية ضمن مدارس التعليم النظامي، توجه في المرحلة الثانوية إلى مدرسة خالد بن الوليد العسكرية في الشارقة، بعد تشجيع أحد مدرسي التربية الإسلامية، وهناك تعزز فيه حب الانضباط أكثر، وقد كان بالأصل محباً للحياة العسكرية وللملابس العسكرية التي يرى فيها الأناقة والهيبة. وبعد اجتيازه للمرحلة الثانوية، اختار النعيمي دراسة هندسة البترول وهندسة الكيمياء، انطلاقاً من حبه للرياضيات والكيمياء وإدراكاً منه بضرورة التحصيل العلمي في مجال النفط والذي يعد جوهر الحياة وعصبها في الدولة، وبالتالي من الضروري الإحاطة بهذا الجانب بشكل علمي ودقيق، وعليه فقد توجه إلى كلية الهندسة في جامعة الإمارات،
وعن تلك المرحلة الجامعية يقول: كانت مرحلة غنية استطعت من خلالها إقامة العلاقات الطيبة والإنسانية مع كل الذين أحاطوا بي، من الطلاب والمدرسين الذين استمرت العلاقة معهم حتى الآن، وقد اتسمت تلك العلاقات بكثير من المحبة، فأنا أعتبر أن محبتي للآخرين هي مصدر قوتي.
وبالمحبة نفسها درست هندسة البترول واطلعت على خباياها وقد فتنتني فكرة تحويل المواد الخام إلى مواد منتجة وتحويل الممكن إلى وجود والفكرة إلى واقع وهكذا مضت سنوات الدراسة بكثير من الجدية والمتابعة الدقيقة حتى حصلت على البكالوريوس عام 1989 ليظهر من جديد حبي للحياة العسكرية والذي قادني إلى الالتحاق بدورات مكثفة في كلية سانت هيرس العسكرية
وهي الكلية الملكية البريطانية والتي كانت تتبع نظام المرشحين ونظام الجامعيين في قبولها للطلبة وبعد اجتيازي لاختبار اللغة واللياقة البدنية، تم اختياري ضمن الطلبة الحاليين ودخلت كلية تأهيلية لمدة ستة أشهر وهي كلية (النصر) وكنت الطالب العربي الوحيد بين 120 طالبا. وهناك خضعت لتحد من نوع جديد، يشمل قسوة الطقس وبرودته الشديدة إلى الضغوط النفسية المتعددة والبرامج والتمارين القاسية كل ذلك في زمن قياسي مكثف
ولم يكن لدينا إجازة سوى نصف يوم اسبوعيا، وقد استطعت أن اجتاز هذه الصعوبات رغم وفاة والدي في الأسبوع الأول لالتحاقي بالدورة إلا ان ايماني بالله تعالى وبأنها سنة الحياة على تجاوز محنتي والتفوق في دورتي. وقد نمت عندي وتعمقت ملامح الشخصية القيادية في التحفيز والصبر والقدرة على التحمل واتخاذ القرارات وروح المبادرة والثقة بالنفس.
وبعد انتهاء الدورة عدت إلى الكلية العسكرية وانضممت إلى سلاح الحرب الكيماوية في السويحان وقد كان الضباط هناك يكنون لي التقدير والاحترام، وكانوا يريدون لي أن أكثف جهودي في الاطلاع على المزيد من الدورات التخصصية، ذلك أنهم كانوا ينظرون لي نظرة مستقبلية.
إلا أنني شعرت بدافع شخصي لتغيير مجال عملي فقدمت استقالتي وأخذت الدخول في مجال قطاع الصناعة) قطاع النفط والغاز) ومررت بنقلة نوعية كاملة بين العمل العسكري والمهني وهكذا عملت في شركة «أبوظبي لتسييل الغاز المحدودة» (أدغاز) بعد أن تم قبولي في العمل بشكل طبيعي بعد تقديمي لأوراقي وخبراتي وكانت الشركة متخصصة في تصفية
وتسييل ونقل الغاز إلى اليابان والدول الأخرى، وكنت قدمت ضمن دراستي المشاريع المتعلقة بهذا التخصص وقد ركزت على الهندسة الكيماوية (إنتاج واستخراج البترول) وتم تصنيع المنتج بعد استخراجه وبعد الحصول على الخام
وهذا انسحب على طريقة فهمي بالتعامل مع جيل الشباب وكيف تحول المادة الخام الى فكر إنساني نبيل خصوصا ونحن نحاول ابراز القدوات الصالحة والأمثلة التي يجب الاحتذاء بها والتشبه بملكياتها الصحيحة وبحاجة أيضا إلى الرعاية لشبابنا وهكذا امتزج فهمي بين الجانب العملي العلمي والحياتي والإنساني.
معسكر عمل
المهم بعد انخراطي في العمل وجدت نفسي في بيئة جديدة للتحدي وفي معسكر عمل متكامل يضم آلاف الموظفين ووجدت نفسي في قلب هذه المعمعة وكان موقع العمل في جزيرة «داس» في أبوظبي واستمر العمل 3 سنوات
واستطعت خلالها أن أقيم العديد من العلاقات الطيبة مع العامل والمهندس والمدير والإداري وأن أعمق خبرتي العملية مقرناً المعرفة بالعمل وقد استخدمت في علاقتي مع زملاء العمل الذكاء الاجتماعي الذي يتخلص بمفردتين «المحبة والتواضع»
وبعد انغماسي الكلي في العمل واستغراقي في تفاصيله وجدت النازع نفسه يظهر داخلي من جديد بأني اريد ان اقوم بعمل اخدم فيه الناس بشكل واضح وملموس، فغادرت الجزيرة لمتابعة تحصيلي العلمي ضمن القاعدة الأساسية التي بنيت عليها حياتي بأن أتعلم وأعلم وأعمل وهذه هي الدورة التي أحيا عليها وهي سر الحياة.
تجربتان في أميركا ومع الشباب
وبعد أن قدمت استقالتي توجهت إلى أميركا لمتابعة تحصيلي العلمي وحصلت على قبول في جامعة كاليفورنيا كي أتابع الماجستير في الهندسة البيئية لكني وجدت الجامعة قد انهارت بعد أن أصابها احد الزلازل، فذهبت إلى جامعة في لوس انجلوس وهي من أرقى الجامعات
إلا انها في وسط غابة من العصابات تصل إلى 9 عصابات فتوجهت إلى اتباع دورات خاصة في تنمية الشخصية وبرامج أخرى بيئية وتنموية ووجدت فرصة لتحقيق حلم قديم وأشباع رغبات قديمة في المغامرة فتعلمت تسلق الجبال وقفز المظلات الحر والغطس والطيران وكل أحلام الطفولة التي راودتني حاولت تحقيقها ضمن مرحلة لها علاقة باشباع الذات والمغامرة.
عدت بعدها الى الإمارات وعملت في وزارة الشباب والرياضة وكان الشيخ فيصل بن خالد بن محمد القاسمي مديرا آنذاك وقد دعاني للتواجد ضمن فريق العمل فعملت لاكتساب خبرة جديدة والدخول في معترك جديد وشغلت منصب مدير اعداد القادة ثم مدير إدارة الشباب.
ومن أجمل تلك الأيام كانت الفترة التي قضيتها في الإشراف على المراكز الشبابية وتحولت من صناعة مصانع إلى صناعة رجال ثم دخلت في العمل التطوعي في جمعية أصدقاء البيئة ومن ثم رئيسا لمجلس إدارتها وكان مكتبي في الوزارة في البناية المجاورة لمكتب البيئة وكنت أشارك صباحا في الوزارة ومساء في العمل التطوعي وأصبحت لي معرفة طيبة مع المؤسسات والبلديات والشخصيات الاعتبارية
وشاركت في نشر الوعي البيئي وفي الهيئة الاتحادية للبيئة ومفهوم البيئة الذي ينطوي على أهمية الحفاظ على الحاضن الطبيعي الذي يحيا فيه الإنسان وضمن منظور اجتماعي واقتصادي وفكري ووصلت بالجمعية إلى استقطاب 600عضو من مختلف قطاعات المجتمع وقد تجاوز فهمي للبيئة الجانب المباشر الذي يتعلق بالحفاظ على الموارد الطبيعية والحد من نزعة الاستهلاك وتلويث البيئة،
إنما بالبيئة الفكرية والبصرية والروحية للإنسان التي يجب الالتفات إليها وتخليصها من الشوائب وتنقية الروح والجوهر. وقد كان العمل الميداني والاحتكاك المباشر مع الحياة والناس هو المحرك الأساسي لكل ما أقوم به وكان هدفي الشفافية في العمل وخصوصا في وسائل الإعلام وتكريم وتقدير جهودهم باعتبارهم حلقة الوصل والجهة المؤثرة في المجتمع.
يكمن الفن الروحي والقدرة على إقامة العلاقات الطيبة والحميمة مع الآخرين، في الشفافية التي يتمتع بها النعيمي وفي الرغبة الدائمة في الوقوف إلى الجانب الإنساني والخيري، الذي يتقصاه ويتابعه ويعمل من أجله، وهو إلى جانب ذلك متعدد الاهتمامات والقدرات والتخصصات، يسعى إلى المعرفة أينما وجدت
ويسعى إلى عمل الخير بكل الطرق الممكنة سواء في عمله بالخدمات البيئية أو قطاع النفط أو في عمله كرئيس المكتب التنفيذي لمركز الإحسان الخيري، وبذلك يتسنى لنا أن نغطي جزءاً من اهتمامات وتوجهات عبدالعزيز النعيمي والتي بلورها أخيراً في دار النشر والمطبوعات التي يديرها ويشرف عليها. غير أننا نحاول أن نتعرف عليه من وجهة نظر أصدقائه الذين جمعتهم معه صداقة عميقة ومعرفة لصيقة به وبجوهره.
مهموم بالوطن وأبنائه
الدكتور علي شراب مستشار التنمية البشرية ومؤسسة (فرسان الحياة) يقول: الحديث عن أبو عمر ينقسم إلى قسمين، الأول عن أبو عمر الإنسان، والثاني عن المواطن ابن البلد الذي يحمل هموم بلده. أبو عمر الإنسان هو شخص شديد البساطة في التواصل مع الناس، صاحب فكر ثري،
وهو ذكي جداً ولماح، شديد المصداقية ولديه جهاز حساس قادر على تلمس ألم الآخرين والإحساس بهمومهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وقادر أن يكون دائماً في موضع الآخر، حتى تشعر به يتكلم بلسانك ويتصرف كما لو كنت أنت في هذا الموقع، لا ينقطع عن أصدقائه ولا ينشغل عنهم وهذه من الأشياء المميزة في إنسانيته، وهذه أهم الملامح التي تشكل الإنسان.
أما أبو عمر المواطن صاحب الهم، فهمه الرئيسي في هذا الجانب يكمن في انشغاله بالطريقة التي يخدم فيها بلده ووطنه وأمته وكيف يرفع هامة رأسه وهمه دائماً الوطن وأبناء الوطن وكيف يمكن أن يصبحوا أفضل وأقدر على الفعل والأداء، يبحث عن الأعمال الخيرية،
ويمتلك سرعة القرار والمبادرة في كل عمل خيري، ورأيته في موقف لعمل خيري، ورأيته في لحظة اتخذ قراراً يتطلب أسابيع للموافقة أو الرفض ويتضمن الدعم المعنوي والمادي للشباب، وهذا أعطاني إشارة إلى أنه رجل صاحب قرار وقراراته مرتبطة بكل ما يدعم هذا البلد، وهو مثال ونموذج وقدوة حقيقية، ويضيف: في نفسي الكثير والكثير وشهادتي فيه مجروحة لكنها شهادة صادقة وحقيقية.
لديه القدرة على التواصل مع الشباب
أما الدكتور الجراح عادل عبدالرحمن المرشد يقول: إذا تكلمت عن أبو عمر فأنا أتكلم عن ذاتي وكأنه جزء من تكوين شخصيتي ساعدني على اكتشاف الحياة والتقيته دون أن أعرف اسمه واسم عائلته تعرفت عليه مجرداً من كل شيء،
وكانت تلك من الأشياء التي تكشف عن معادن الرجال وهو سيد الرجال، تعلمت منه كيف يمكن العيش في عوالم مختلفة وعرفني كيف يمكن للشخصية أن تتطور وتتبلور وتتفاعل بشكل إيجابي مع ما يحيط بها. وهو مرآة تعكس الضوء من غرفة إلى غرفة ومن بهو إلى ساحة ومنها إلى حياة أناس كثيرين،
ومن الأشياء التي أحبها فيه ابتسامته الدائمة وهو إيجابي بشكل دائم، ولديه قدرة للتواصل مع الشباب والعطاء ويستطيع أن يعيدك إلى العالم الإسلامي والدين الأصيل. أبو عمر بيئة طيبة وهو نتاج عائلة طيبة ونتاج قرارات اتخذها بنفسه وصداقتي معه دائمة ومتجددة وكلما رأيته يعيدني إلى عمر 18 سنة وهو قريب جداً من القلب ودائم الإيمان.
مع الحياة بألف خير
رجل الأعمال عبد العزيز بن محمد الناصر، فيقول: علاقتنا بدأت منذ حوالي 5 سنوات وكنت في أستراليا وقتها وقد هاجرت من عمان وأنا أعيش حياتهم لمدة تزيد على ربع قرن، وحين التقيته استطاع أن يعيدني بشكل غير مباشر إلى فطرتي الصحيحة وديني الإسلامي وبوجوده تشعر أن الأشياء تسير بالاتجاه الصحيح،
وهو من الناس يعطي أكثر مما يأخذ ومهموم بالآخرين والجميع يطلبون مجالسته والانصات إلى أحاديثه وعلمه، وبوجوده تشعر أنك تختلف عن الآخرين وأن الحياة بألف خير. بعض الشهادات الصادقة وبعض من سيرة حياته،
حاولنا تقصيها وسبر أغوار هذه الشخصية الصافية والمشغولة بالارتقاء بالحياة الإنسانية والاجتماعية، وذلك بأن يقرن العمل بالعلم وأن ينصت إلى الآخرين دون أن يبوحوا بهمومهم وأحزانهم وأن يمد يده وفكره وعاطفته لهم دون أن يشعروا بذلك.
إسماعيل الرفاعي



