الحجارة هي جسد الفكرة التي شيد الإنسان بها عمارته منذ أن هبط عن جذوع الأشجار وغادر مغاراته الواطئة. الحجارة المعجونة برغبة تطاول السماء وبماء لا يكف عن المشاغبة قرب حوافها المرصوفة بالرخام.
الحجارة التي حملت نزق الهندسة الحديثة بامتداداتها العمودية بعد أن ضيقت بعدها الأفقي وتجاورت قرب مراكز المدن الآهلة بسكان الخليقة كلها. الحجارة التي يشدها مغناطيس خفي صوب الداخل رغم تسامقها وتعاليها ورغم ارتعاشها الجذاب في أغوار البحيرات الصناعية أو حدائق الماء المزينة بالأسماك المعدنية والسفن الراسية. فهل ثمة نفس نتنفسه أو نجمة تجد طريقها إلينا بعد أن أغلقت الأبراج دروب السماء وأدارت ظهرها لمساحات الأرض الشاسعة. الحجارة الصقيلة التي تسلقت سلالم المال كي تطل على الفراغ وترى صورتها الغارقة في العراء، الحجارة معدن الحواضر والمدن العصرية، لب العصر وقشرته الملونة، تشكلها هندسة اللوغاريثم وجداول الأرقام الجوفاء.
ها هي تفرض جمالياتها وتشكل ذاكرة جديدة لشكل المدن، حيث كل عمارة قبيلة تجهل بعضها البعض، وكل حي مدينة لا تعلم إلا أدوارها الحجارة المكسوة بالقرميد الأحمر والرخام الصقيل، ومسطحات الغرانيت الخشنة.. تنتظم لتشكل غاية جديدة للإنسان المتمدّن وهو يقبع في مستطيلاته الإسمنتية ويقلب الفضائيات على مهل. الحجارة بنوافذها التي لا تحصى ورئاتها التي تتنفّس الهواء المكرّر والصور المكررة والتنهدات التي تلتهم العمر لحظة إثر لحظة.
اسماعيل الرفاعي



