بورتريه

عبدالرضا السجواني ... أديب يؤرخ الحياة الاجتماعية بالقصص

صورة

ولد القاص عبدالرضا حسين السجواني الحائز على جائزة غانم غباش للقصة القصيرة عامي 90-91م، في منطقة (المريجة) في الشارقة عام 1959م، في بيئة اجتماعية تقليدية تسودها البساطة وتعتمد على التراحم والتلاحم والترابط في تعاملاتها اليومية، وكان ترتيبه السادس لثلاثة اخوان وثلاث بنات، لأب يعمل في تجارة الغليون وأم كان لها تأثير كبير عليه كأديب.

حيث تعد بالنسبة له الموسوعة التي استمد منها كتاباته عن تاريخ وتراث البيئة الإماراتية، بل انه يؤكد دائما أنه كلما بدأ في كتابة قصة يعود بطريقة الفلاش باك ليتذكر حكاياتها القديمة. وتعد المريجة التي ولد ونشأ فيها السجواني أقدم منطقة في الخليج حيث سوق العارصة والحصن القديم والبحر الذي ارتبط به أهل المنطقة، وفي هذا المكان الذي ينبض بعبق التاريخ نشأ السجواني تشده علاقة حميمة مع البحر كغيره من أهل الحي الذين كانوا يخرجون من بيوتهم إلى البحر وإلى الجلوس شباباً وشواب على مقاهي البحر. وإلى صيد الأسماك أيضاً.

من هذا البحر الذي كان يؤطرهم في ساحة مجريات الأحداث اليومية، خاض تجربة الأدب مبكراً فقد بدأ نشر قصصه في منتصف السبعينات من القرن الماضي وهو من رواد القصة القصيرة في الإمارات، وبدأ تجربته القصصية تحديدا في صيف 1976م، فقرر أن يطلق مخزونه الفكري على الورق حتى أصدر مجموعته القصصية الأولى (ذلك الزمان) بعد ذلك بعامين، ورغم حرارة الصيف والانقطاع المتكرر للكهرباء إلا أن السجواني واصل بإرادة جبارة ما عزم عليه لاستكمال مشروعة الذي عكف عليه، وسط المتغيرات والأحداث التي تعصف بكثير من القيم والمعايير وما تتعرض له الأمة العربية.

قصص في المناهج: وفي عام 1973م، نشر السجواني قصته الأولى (دموع من الماضي) التي تناولت علاقة احد الشواب الغواصين بالبحر، وصوَّر السجواني هذا الرجل كما هو على هيئته الحقيقية حيث كان فقد أحد ساقيه، كما صور تفاصيل حياته اليومية بدقة، وقد اختيرت تلك القصة للدراسة ضمن مناهج التربية والتعليم، كما اختيرت بعض قصصه للدراسة في الجامعة الأميركية في الشارقة.

انحراف وعنف عائلي

وكانت قصة (رجولة) التي نشرت في كتاب (كلنا نحب البحر) وهو مجموعة قصص لكتاب الإمارات، علامة فارقة في تاريخ السجواني القاص، حيث طرحت عدة علامات استفهام وهي القضية النفسية المتعلقة بسلطة (فلاح) في بيته وهي السلطة التي انتزعتها زوجته بمسلكها العنيف معه.. هذه القضية تقترن لدى (فلاح) بمسألة الذكورة إذ لو كانت ذكورته طاغية لما أطلقت زوجته العنان لنفسها. أخبرة بوحمد مراراً عما تصنعه زوجته وهيامها على وجهها في كل مكان كدلالة من بيت إلى بيت.

و(فلاح) لم يعد له حول ولا قوة على زوجته التي رآها الناس وقد انحرفت، فتأزم مع نفسه بصمت، وحين يشتد تأزمه يتشاكل مع ذكورته ولكن بطريقة مختلفة هكذا هو، عندما تتأزم عليه حالته وتضيق به الدنيا وتستحيل إلى سواد، قاتم، يأخذ دربه إلى بيت بوحمد، ويستعير منه تيسه، فينتزعه بقوة من بين عنزاته الكثيرات، ويسحبه إلى بيته طوال هذه المسافة من اجل ان يدخله على عنزاته عشرات المرات كرر هذه العملية، وفلاح شخصية طيبة، متسامحة كما يصورها الكاتب.

وكان يعذر زوجته لسلوكها الغريب، وتقابله بمزيد من النفور وتلك العملية هي دلالة نفسية كان يجد فيها بعض الراحة، لكن أزمته باقية وتتضاعف كلما زاد انحراف زوجته، ثم انحراف بناته الثلاث اللائي سرن على خطاها بعد ان كبرن وكان في أحيان يصل تأزمه إلى الذروة، ويسحبهن من شعورهن ويقتادهن إلى حيث الزريبة ويدفعهن إلى الداخل برفسات رجله الطويلة بكل قوة إلى التيس ثم يوصد باب الزريبة في حين يأخذ التيس دوره في نطحهن برأسه الكبير الذي يتخلله قرناه الطويلان.

رائد مؤسس

والسجواني حاصل على بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة الإمارات عام 1981م، ومؤسس لإدارة العلاقات العامة والإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم والشباب منذ عام 1981م، كذلك عضو مؤسس لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، قبل إشهاره عام 1978م، وشارك في تأسيس وتحرير مجلتي «شؤون أدبيه»، «دراسات» الصادرتين عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات منذ الثمانينات.

وشارك أيضاً في تحرير مجلتي «التربية»، و«آفاق تربوية» الصادرتين عن إدارة العلاقات العامة والإعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم، وشارك في الكتابة لدى العديد من صحف ومجلات كانت تصدر في الدولة وتوقفت في بداية السبعينات مثل مجلة «أخبار دبي»، و«النصر» و«الأهلي» وصحيفة «الوثبة».

وشارك مع كتاب الساحة الثقافية في الكتابة لدى الصحف والدوريات المنتشرة على مستوى المقالة والقصة والدراسة والبحث والتحقيقات الصحفية، وصدر له عدة مجموعات قصصية ذلك الزمان عام 1978م، «وزلة عذاري» عام 1980م و«الرفض» عام 1992م، وانحدار عام 2001م، و«هاتف الشمس» عام 2002م، و«أشرعة الليل» عام 2003م، وصدرت له مجموعات لقصص الأطفال عن المجلس الأعلى للطفولة في الشارقة عام 2001 وهي «الفلاح الخير»، «البيت العظيم»، «الحطاب» و«حيوانات الغابة».

الصديق المبدع

يقول عنه عبد الإله عبدالقادر تمتد معرفتي الشخصية بالقاص الأديب عبدالرضا السجواني كصديق أولاً، وكمبدع ثانياً إلى أكثر من ربع قرن من الزمن. وعبدالرضا السجواني زميل قديم، عملنا معاً في بدايات تأسيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات والفترات اللاحقة، رجل طيب القلب والسريرة، متواضع، مؤدب خلوق، مخلص في صداقاته وتعاملاته، دؤوب في عمله، وهو بعد كل ذلك ودود، وإنسان يمتلئ بروح التعاون لأصدقائه ولغيرهم، على مدى سنين طويلة منذ أن تعرفت عليه شخصياً وعلى كتاباته القصصية كان نعم الصديق، وأخ ينطبق عليه المثل القائل «رب أخ لم تلده أمك».

عبدالرضا السجواني لا يحتاج إلى تقييم نقدي لتجربته القصصية، يكفيه أنه أحد رواد هذا الفن الأدبي، ومن أوائل من كتب القصة القصيرة في الإمارات، بل ومن الأوائل في إصدار مجموعة قصصية متكاملة، وهو يطرح في قصصه العديد من الصراعات الاجتماعية، ويرصد الظواهر الجديدة التي طرأت على المجتمع من خلال ارتباطه بواقعية القص، إضافة إلى معاناة الناس البسطاء الذين يلتقطهم السجواني من جوانب مختلفة من الحياة، لذا فقصصه تتمحور حول دائرة الهموم الاجتماعية والانعكاسات اليومية في إطار مجتمع متغير بشكل مستمر، ومنفتح على العالم. وهو بالتالي ينقل الحياة المعاشة لبسطاء الناس في إطار بيئة لم يتجاهلها في كتاباته أو في ما يطرحه لأنة ابن بيئته التي عاشها وانعكست على كتاباته.

ويضيف عبدالقادر أن عبدالرضا السجواني يوظف أدوات القص التي يمتلكها لتساعده على الوصول إلى المتلقي، من سرد وبناء وديالوج ومنولوج وزمان ومكان، وهو يوظفها لإسقاط دلالاته على ما يطرحه من هموم ومعاناة شخوصه القصصية، وهو بالتالي يحاول أن تشكل هذه الأدوات جزءاً من تجربته بما يضمن له التوازن بين ارتباطه بأدوات الفن القصصي وبنية النص، إلى ما يطرحه من موضوعية فيما يختاره أو يلتقطه من صراعات مجتمعه، وشخوصه المختلفة في بنيتها وعلاقاتها وأمزجتها في مجمل ما يطرحه. هو يجتهد لإيجاد تطور حقيقي فيما يكتبه، أو لمحاولة إيجاد قصة متطورة تستطيع أن ترتقي إلى فن القص الجميل.

اعتقد أن إنسانية السجواني وصداقتي له والسنين التي انسلخت من عمرينا وهمومنا المشتركة أدبية وفنية وحياتية تجعل شهادتي مجروحة، وبقدر ما حاولت أن أكون منصفاً لصديقي، ولفنه الإبداعي. بقدر ما ظلمت السجواني في تقييم تجربته الواسعة التي أعتز بها كما أعتز به شخصياً، خاصة أن مواقف التكريم والكتابة عن سجايا الصديق تجعل من الكاتب في حالة من الحرج بين ما يريد أن يكتب وبين التوازن في العلاقة الإنسانية التي تجذبني دائماً إلى جانب عبدالرضا السجواني.

قد أتفرغ ذات يوم لأخي عبدالرضا لأكتب عنه وعن تجربته مطولة بما تتناسب مع تجربته الريادية في فن القص في دولة الإمارات لأن الريادة وحدها في تلك السنوات الأولى من التجربة هي سفر خطر في شعاب وعواصف البحار، والسجواني كان خير بحار يصارع أمواج الإبداع بقلمه الذي ظل حياً مبدعاً ومنتجاً.

قصص مملوءة بالأحداث

ويقول عنه الشاعر أكرم قنبس الذي تربطه أيضاً صداقة عميقة بعبدالرضا السجواني: لا شك أن السجواني هو أحد رواد القصة القصيرة في الإمارات، حيث صدرت أول مجموعة قصصية له عام 1978م بعنوان (ذاك الزمان) في وقت لم يكن أحد من كتاب الإمارات معروفا على الساحة العربية، وإذا تحدثنا عن القصة بشكل عام، يقول ادوارد فورستر إن القصة سرد لحوادث مرئية تبعا لتسلسل زمني، ويؤكد وال بول ان القصة لا تكون قصة إلا إذا كانت سجلا لأمور مملوءة بالأحداث.

وقصص عبدالرضا السجواني مملوءة بالأحداث، وفي مجموعة (الرفض) 13 قصة نلاحظ فيها ان الكاتب يتحدث عن أحداث اجتماعية وحياتية يعيشها المواطن بشكله الصريح، على سبيل المثال الأولى (سعيدة) هي رصد حي لتصرفات الزوج غير المنطقية، وعدم الإحساس بالمسؤولية، وفي قصة (الحطام 9 رفض لتصرفات الأولاد الذين تخلوا عن والدهم وبعد 15 سنة من صدور تلك المجموعة، وهذا ما نجده في حياتنا حاليا، حيث يوجد أبناء يأخذون آباءهم المسنين ليضعوهم في دور العجزة ليتخلصوا من مسؤولياتهم تجاههم، وفي قصة (استياء) رفض الاستسلام للوعود المزيفة، والآلام المتلاحقة، واللجوء المهين.

ويضيف قنبس: جميع قصص السجواني اجتماعية، ويشاركه في ذلك القاص إبراهيم مبارك حيث يناقشان الواقع الاجتماعي بشكل جيد ومتفوق حيث يتحدثان عن هموم الإنسان والمواطن بشكل عام، في قضايا كثيرة مثل إساءة الأولاد، بحث الإنسان عن منزل جديد. والسجواني إنسان طيب وحساس، ومرهف الحس عندما يتحدث عن الواقع الاجتماعي، فمثلا عندما كتب قصة عن شاب مواطن تزوج بأجنبية وأنجب طفلا، ثم أخذت تلك الزوجة الولد وهربت به، جلس الشاب يبكي حياته وواقعه وأنه لو كان تزوج من ابنة بلدة كان أفضل له.

ويمتلك السجواني الحس الإنساني الذي يجعله يحس بآلام الآخرين ويجسد تلك الآلام بشكل جيد في قصصه، وهو يؤرخ للحياة الاجتماعية، فقصصه وثيقة اجتماعية لدراسة الحياة الاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة. فهو مثلا يتناول الحياة قبل النفط وبعده وما طرأ عليها من تبديلات وتغييرات يجدر بالإنسان أن يحافظ عليها، ويحاول إلقاء الضوء على أهمية المحافظة على الترابط الإنساني الذي بدأنا نفقد كثيرا من خيوطه.

تهميش إعلامي

ويقول عنه الكاتب الصحفي نواف يونس: تتبعت السجواني منذ بداياته وحتى الآن، فهو قاص مظلوم على الساحة الإماراتية، وأصبحت لديه عقدة من تجاهل الكتاب له والنقاد والإعلاميين له، رغم أنه من أوائل كتاب القصة القصيرة بجانب عبدالله صقر وإبراهيم مبارك، ومحمد المر وعبد الحميد أحمد، وعبدالله الشرهان، جميعا يشكلون نخبة الكتاب الأوائل للقصة القصيرة والمؤسسين الحقيقيين للقصة في الإمارات، وربما أجحف الإعلام حق السجواني لظروف وظيفية أو لسبب خاص به أنه مقل في الظهور إعلامياً.

إلا أنه في النهاية مصاب بعقدة من هذا التعتيم، لكنه مثابر ويستحق أن نلقي عليه الضوء، فقصصه تتناول قضايا محلية جديرة بالاهتمام، منها الإنسان الإماراتي في وسط المتغيرات والتحولات السريعة الإيقاع مع تكوين الاتحاد والطفرة النفطية وما تلاها من تغيرات سريعة.

كما تناول القضايا القومية ولديه العديد من القصص التي تتحدث عن فلسطين وعن معاناة الإنسان العربي في إشكالاته الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، كما وظف التراث في بعض قصصه، حيث جسد معاناة الإماراتي في ترحاله بين دول الخليج وأيام الصيد والغوص واللؤلؤ، وأبرز تلك المعاناة في قصصه لذلك فهو يستحق مساحة أكبر من الاهتمام النقدي والفني، وله أيضاً العديد من كتب الأطفال باعتبارهم المستقبل.

الأديب والمسرحي والناقد الدكتور يوسف عيدابي يقول إن عبدالرضا السجواني هو أحد أدباء الإمارات المهمشين، بالرغم من بداياته الباكرة واجتهاداته الواقعية التي تحاول في واقع الكتابة الأدبية أن تحسر مسارا يؤكد على الخصوصية وحيزاً بيئياً نفسياً اجتماعياً يميز ثقافة الأطراف على المراكز في مجال القصة القصيرة التي أفتتن بها أهل الخليج، بل ان أدباء الإمارات بشكل خاص برعوا فيها، وعبدالرضا على هدوئه وانطوائه، وابتعاده عن الأضواء وعلى الرغم أنه نشر باكرا مجموعاته، فقد اقتنع فيما يبدوا بأن يذهب في الصمت والهدوء.

وأعتقد أنه يجب أن يلقي عليه الضوء ويحظي بالنقد الرصين، الذي تستحقه كتاباته، باعتبارها جزءاً لا ينفصل عن مسيرة القصة القصيرة في الإمارات شئنا أم أبينا ذلك، امتدحنا أو انتقدنا، فقصصه لابد أن تعطي هذا القدر الذي يستحقه من النقد كونه من الأوائل ومن المتمسكين بشكل الكتابة حتى يومنا هذا، وعبدالرضا يستحق أن يكون صديقا لأهل الكتابة، وأن يوقر، وأن يتقدم الكثير من الأسماء التي ضج بها الإعلام حاليا.

إيمان قنديل

تعليقات

تعليقات