في بدايات سنوات الخمسينات يذكر كبار السن من الآباء والأجداد الذين عاصروا بدايات سنوات الخمسينات من القرن الماضي، يذكرون ضابطا بريطانيا، كان يحدثهم بلغة عربية مفهومة، بعد مكوثه فترة بينهم سواء في الشارقة أو في العين أو في ليوا ومرفع (المرفأ) وحبشان، أصبحت لهجته تقارب لهجتهم تماما، كان (يتقهوى) ويتناول السح، ويتابع سباقات الهجن التي كانوا يقيمونها مثله مثل أي بدوي، وقد أطلقوا عليه اسم الكابتن (غليطن) وعرف بهذا الاسم، ومن خدم في جيش بريطانيا كما كان يسمى أو جيش قوة كشافة ساحل عمان من الآباء والأجداد لابد انه يتذكر هذا الاسم، فمن هو (غليطن)، وما هي قصته ؟
سنحت لي الفرصة قبل أيام، عن طريق الصدفة البحتة، حين توجهت إلى مبنى إدارة الآثار والسياحة في مدينة العين، للسلام على الأخوة والأخوات العاملين والذي يعتبر خلية نحل لا يتوقف فيها العمل، من تنقيب وترميم وتوثيق للتراث والتاريخ المحلي، وبعد السلام على الأخ محمد عامر النيادي مدير الإدارة جرنا الحديث كالعادة إلى شؤون وشجون التراث فذكر لي أن الكابتن غليطن موجود هنا في مبنى إدارة المتحف جاء لفترة قصيرة بدعوة من إدارة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث التي حرصت إدارتها على دعوته لتوثيق فترة من تاريخ الدولة مازالت رغم مرور السنين وتعدد المحاولات والاجتهادات المؤسسية منها والشخصية للتوثيق، وتحتاج إلى مراحل من العمل الجاد الدؤوب للتوثيق بشكل علمي ومعرفي مدروس وممنهج، وهي فترة ما قبل إعلان الاستقلال، أو مرحلة ما قبل اكتشاف البترول.
ولمن استغرب الاسم ممن لا يعرفون هذه الشخصية نقول، لا نكاد نسأل أي بدوي من الآباء والأجداد من كبار السن في مدينة العين وضواحيها إلا ويعرف من هو «غليطن» سواء من كان منهم قد التحق بقوة كشافة ساحل عمان أو سمع عنها وعنه. الرجل معروف ومشهور جدا بين بدو الإمارات كشهرة لورنس العرب وكلوب باشا لدى بدو الأردن وبلاد الشام. المفاجأة كما يقولون عقدت لساني حين سمعت الاسم، فقد عرفته من حديث البدو عنه، ومن قراءاتي عن قوة كشافة ساحل عمان، وعن كتابه Two Alpha Lima وكنت أرغب في رؤيته وإجراء حوار معه إن أمكن، حين دخلنا الغرفة المعدة له وجدت رجلا أبيض الشعر، ودودا في استقباله مرحبا بنا بلهجة بدوية ذات لكنة خاصة به في نطقه بعض العبارات، تدل على طول مخالطته المواطنين هنا رغم أن السنوات التي عاشها في الإمارات (أو بالأحرى إمارات الساحل المهادن كما كانت تسمى قبل الاستقلال) كانت في بدايات الخمسينات من القرن المنصرم.
بعد التعارف المعتاد جلست إليه وأنا أفكر في عشرات الأسئلة التي أود أن اطرحها عليه، من أنت، وأين ولدت، وأين درست، ولماذا جئت إلى هنا في تلك الفترة وتلك الظروف بالذات، و...و.. العديد من الأسئلة التي تولد الأسئلة بنهم معرفي لا يشبع حب الاستطلاع، وكنت أظنه سيضجر من أسئلتي التي سجلتها له وسجلت حديثه رغبة في توثيق هذا اللقاء الذي ربما لا يتكرر، كان في غاية السعادة والانشراح وهو يتحدث عن الإمارات وعن مدينة العين بالتحديد قبل أكثر من خمسين سنة. ذاكرته حية، مازالت الأحداث طازجة في ذهنه يرويها بتدفق وإحساس بالمتعة كنت المحه في بريق عينيه ومحاولته استعادة لغته العربية التي كانت لغة حديثنا بنفس اللهجة التي كان يتحدث بها قبل خمسين سنة مع أهالي الإمارات.
الإنجليزي المريض
قال «اسمي بيتر هولس كلايتون ولدت في 14 ـ 06 ـ 1928م مسقط رأسي كان في انجلترا، درست السنوات الدراسية هناك إلى أن أنهيت الثانوية وقدمت للكلية الحربية الملكية المعروفة ساندهيرست، بعد التخرج خدمت كضابط بريطاني من الكتيبة الملكية في ألمانيا في برلين إبان فترة الجسر الجوي الذي كان أقامه الحلفاء هناك. في سنة 1952م سجلت للدراسة في معهد الدراسات العربية للشرق الأوسط في لبنان وهو ما كان يعرف باسم (معهد شملان) وكان من زملائي في ذلك الوقت المستشرق البريطاني المعروف مكلوخلان، وجوليان ووكر وشغل لفترة وظيفة المقيم السياسي البريطاني في الخليج في أبوظبي قبل الاستقلال.
وكنت عسكريا أما هم فكانوا مرسلين من قبل وزارة الخارجية، كنت أتكلم في ذلك الوقت اللغة العربية باللهجة المصرية نظرا لإقامتي لفترة طويلة مع والدي ووالدتي في منطقة الجيزة في مصر لان والدي عمل لفترة طويلة في مصر وكان من الضباط الانجليز الذين خدموا في قسم المساحة وساهم في رسم الخرائط الحدودية بين ليبيا ومصر والسودان وكان مستكشفاً وآثارياً في الصحراء الغربية وله عدة استكشافات أثرية في تلك المناطق التي كانت مجهولة في ذلك الوقت بين مصر وليبيا والسودان سجلت باسمه في تلك الفترة، وكان صديقه في ذلك الوقت الرحالة المعروف باسم (الماشي) وهو رحالة وطيار بريطاني من أصل هنغاري، وبالمناسبة عن حياة هذا الرحالة كتبت رواية جميلة عنوانها (المريض الانجليزي) التي أخذ عنها الفيلم المعروف بنفس العنوان».
حين سألته عن حكاية قدومه إلى الإمارات في تلك الفترة المبكرة، قال: «كنت قد أنهيت دراستي للغة العربية في معهد شملان في بيروت، فالدورة كانت مدتها سنة أنهيتها بنجاح وأتقنت العربية الفصحى وهي بالطبع غير العربية التي كنت أتحدثها باللهجة المصرية الدارجة التي تعلمتها وأنا صغير في طفولتي في مصر، في الحقيقة كنت أتحدث العربية باللهجة الأردنية واللبنانية أيضاً، فكان الضباط المسؤولون عنا يقدمون لنا عروضا بالوظائف الجديدة التي يمكن لنا الالتحاق بها كضباط ، بعضنا التحق للعمل مع الجيش الأردني مع جون كاوب أو كلوب باشا، البعض الآخر رجعوا إلى مقر القيادة.
لكني كنت عسكريا محترفا وسمعت وقتها ببعض الحوادث التي كانت تحدث في الشارقة، فأحببت التعرف على طبيعة عمل قوة كشافة ساحل عمان التي كانت نواتها في المحطة أو المطار مقر ال(راف) في الشارقة، فقدمت طلبا للالتحاق بقوة ساحل عمان، كان هذا الكلام في شهر نوفمبر سنة1953 م، ولم يكن احد ممن كانوا معي يحب الالتحاق بهذا العمل الصعب برأيي، ذهبت إلى بريطانيا في إجازة لمدة أسبوعين ثم عدت إلى بيروت، وكانت لدي سيارة صغيرة فكنت أحب التجوال فزرت وقتها تقريبا كل المدن في لبنان وزرت الأردن وعاصمتها عمان والعقبة وبغداد مرتين وبعض أطراف سوريا.
من بغداد إلى الشارقة
ذهبت إلى العراق بالسيارة أيضاً إلى قاعدة الحبانية، حيث كانت هناك قاعدة ما يمكن أن نسميه بالقوة الجوية البريطانية (راف) وكان لها عدة محطات وقوف في عدة بلدان مثلا في قبرص وعدن وجزيرة مصيرة في سلطنة عمان وغيرها، بعد أن بعت سيارتي في بغداد أخذتنا طائرة من قاعدة الحبانية التابعة لل (راف) إلى الشارقة في 4 يناير سنة 1954م، مقر قوة جيش ساحل عمان. بت أول ليلتين مع اريك جونسون وكان قائدا بالنيابة للقوة وكنا قد تعارفنا من قبل في الحبانية ولم يكن يتكلم العربية التي كنت اتقنها، بتنا في مبنى حصن الشارقة الحالي، وكنت الضابط رقم عشرة الذي يصل للالتحاق بقوة ساحل عمان.
«وعندما سألته عمن يتذكر من الضباط الذين سبقوه، قال: «سبقني إلى هنا العديد من الضباط البريطانيين ومنهم من كان مشهورا ومعروفا في أوساط البدو في ذلك الوقت مثل مكدونالد وشو وستيغرد وكانوا موجودين هنا في الشارقة عندما وصلت. ولحسن الحظ فقد وثقت فترة عملي هنا في قوة ساحل عمان التي كانت لمدة عشر سنوات، ونشرتها في «Two Alpha Lima» وهو عنوان كتاب مذكراتي عن تلك الفترة وفيه توثيق واف لنشأة جيش قوة كشافة ساحل عمان.
ويواصل كابتن «غليطن» أنا أشعر أنني استرجع أحلى عشر سنوات عشتها في حياتي، هنا في هذه البلاد، وكنا ننعم بصحبة رجل قائد قل نظيره في العالم اليوم، الشيخ زايد (الله يرحمه) وقالها بلهجة محلية واضحة كان يحاول استعادة التحدث بها بعد ما يقارب من خمسين سنة، كان يتحدث بها حسب قوله مع (الجماعة) هنا في مدينة العين بعدما استقر فيها، حين أسس المغفور له الشيخ زايد رحمه الله أول مركز شرطة في العين في منطقة الصاروج. وحين سألته عن ضرورة جمع هذه الذكريات وتوثيقها قال:
تاريخ قوة ساحل عمان دونته ووثقت لتلك الفترة من أوائل الخمسينات في كتابي كما قلت، وهو ليس تاريخ القوة بل هو توثيق للناس الذين عملوا معي في ذلك الحين خاصة من أبناء القبائل، ولطبيعة وظروف الحياة في تلك الفترة من تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة. في صيف سنة 1954م عملنا في منطقة طريف ومرفع (المرفأ) وكان معي من الضباط المواطنين المحليين، منهم خلفان مطر الرميثي كان معنا في ذلك الوقت في سريتنا، مع بعض ضباط الصف الذين كانوا قادمين من عدن وهؤلاء كانوا يقومون بدور المترجم بيننا وبين المحليين في أول شهرين بعد وصولي.
حيث كانت لهجتي لبنانية كوني تعلمت العربية كما قلت من قبل في معهد شملان في لبنان الذي تخرج منه معظم الضباط الانجليز الذين عملوا في منطقة الخليج ومنهم برترام توماس وهو أول أوروبي عبر صحراء الربع الخالي قبل ولفرد ثيسجر الذي يعرفه البدو هنا باسم مبارك بن لندن. ثم تحولنا بعد شهر إلى مركز مغيرة، مكان حار صيفا بين الرمل والبحر ولم يكن هناك عمل كثير نعمله، كنا في صيف سنة 1954م، نقلنا إلى هذا المكان أي المركز الجديد في شهر فبراير ولم تمطر السماء في تلك السنة ولم نر مطرا قط.
قيل لنا أننا سوف نمكث شهرين فقط، ثم مددت المدة شهرين آخرين ثم شهرين، وهكذا بقينا ستة أشهر، كنت قد كلمت القائد عن وضعيتنا في هذه الظروف وقد اشتد علينا الحر دون تكييف ولا أي شي يخفف عنا حرارة وقسوة الصحراء، نحن كنا متعبين وملابسنا بليت من كثرة الاستعمال وكنا نقيم في عرشان لم يكن هناك حتى بناء أو غرف للنوم، ومسؤولين عن حماية المنطقة الغربية حول بينونة وعكيلة وما جاورها.
أبي وأمي كانا في مصر وتعلما العربية هناك، أمي كانت تدرس في الجامعة في كلية البنات في القاهرة وأبي كان ضابطا بريطانيا مهندسا في قسم المساحة، حيث كان يقوم بأعمال مسحية استكشافية في الصحراء الغربية بين مصر وليبيا والسودان وكان مسؤولا عن رسم خرائط طبوغرافية لهذه الصحراء وتحديد الحدود بين مصر وهذه الدول المحيطة بها، والتي التي كانت مجهولة المسالك في تلك الأيام.
من الشارقة إلى العين
أنا كنت الضابط السابع ربما الذي يلتحق بخدمة جيش كشافة ساحل عمان هنا في منطقة الساحل المهادن، وقد التحقت بهذه الخدمة بناء على رغبتي، كنا في ذلك الحين ـ قبل أن آتي إلى المنطقة ـ أن الجنود البريطانيين يعانون من مشاكل مع البدو هنا، وقد ثبت لي أن هذا الأمر غير صحيح بالمرة بعد أن عاينت الأمر بنفسي وعملت مع المحليين من البدو، ووجدت كما قلت صعوبة ليس مع اللغة العربية فقد كنت أتحدثها بشكل جيد، لكن العائق كان في الحقيقة اللهجة المحلية.
فلم أكن بعد قد اعتدت عليها، لكن وضعي هذا كان أفضل من معظم الضباط الانجليز الذين يعملون معي ولا يجيدون التحدث بالعربية فكنت أترجم لهم. أول مركز لشرطة العين أسسته بأوامر من الشيخ زايد (الله يرحمه) كان في منطقة الصاروج، كنا خمسة عشر شخصا كنا نعمل به، كان المكان عبارة عن سيح منبسط وشيدنا فيه بعض العرشان (جمع عريش وهي بيوت مشيدة من أغصان الأشجار) كنت أنا ومعي الشاويش والعريف ومسؤول اللاسلكي وكان من عدن، وسائق أيضاً كان من عدن، والباقين من العساكر كلهم من هنا من أبناء المنطقة ولا أنسى خلفان مطر الرميثي وقد ساعدني جدا في العمل وحل بعض الإشكالات البسيطة التي كانت تحدث في تلك الأيام، هو كان من أهالي أبوظبي وقدم معي إلى العين وأسسنا معا ذلك المركز وكان شخصا شجاعا وجديا في عمله ونشيطا وكان (عسكري مضبوط).
المهم أسسنا المركز ورفعنا العلم. عندما سألته عن العلاقة بين المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وبينه في تلك الأيام المبكرة من عمر الدولة التي لم يكن قد أعلن استقلالها بعد، قال: بعد فترة ستة أشهر قضيتها في مقر ال«راف» في المحطة في الشارقة، قيل لي وقتها سوف تذهب للتعاون مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ممثل حاكم إمارة أبوظبي في المنطقة الشرقية، وكان الشيخ زايد منذ ذلك الوقت شخصية معروفة ومشهورة جدا ومحبوب جدا من قبل الجميع وخاصة البدو، بصراحة وقتها فرحت جدا لأني سوف اذهب إلى منطقة العين لألتقي به وأتعرف على هذه الشخصية التي طبقت شهرتها الآفاق وأتعاون معه، وقلت للمسؤولين هذا شيء عظيم وشرف لي أن أعمل معه رحمه الله.
سألته أين التقيت بالمرحوم الشيخ زايد لأول مرة، أجاب: على ما أذكر كان اللقاء الأول في حصن المويجعي في العين، لأنه كان مقره هناك، هذا اللقاء كان في شهر أغسطس سنة 1954م، أول ما رآني الشيخ زايد وكنت قد ألقيت عليه السلام وتكلمت معه باللغة العربية، قال: الحمد لله عندنا الآن من يتكلم باللغة العربية (من الإنجليز) وضحك وكان منشرحاً وقتها.
وكنت أنا سعيد جداً بهذا الانطباع الذي تركته في هذا اللقاء. بقيت بعدها لمدة سنتين وشهرين لا أتكلم إلا باللغة العربية سواء مع المسؤولين أو العسكر أو الناس العاديين الذين أقابلهم، وكنت قد تركت التحدث بالانجليزية بل حتى لم أكن اسمع من يتحدث بالإنجليزية إلا من الراديو ولمرة واحدة في الأسبوع. كنت أتعامل عن قرب مع الشيخ زايد وكان شخصا لطيفا وبسيطا ومحبوبا من البدو، لأنه كان يعرف معرفة تامة العادات والتقاليد، ويعرف كيف يتعامل مع الجميع ببساطة ووضوح وكان مسموع الكلمة وشخصية لها هيبة خاصة.
عماد السنجاري



