الشعر هو مادة الحياة، فضاء المجاز الذي يطل علينا في الحلم، في لجة الألم وفي اللحظات التي تشف بها الروح ويمور القلب بالأسئلة.

والشعراء هم بوصلة الأمان والملاذ الأخير حين يتوه الإنسان عن نفسه وتنأى به الأيام عن خفقته الصافية. والهنوف محمد إحدى الشاعرات المأخوذات بالأسئلة الأولى التي ألقاها الإنسان على نفسه والتي لا تزال مسورة بأسيجة السر والغموض، إنها الأسئلة التي تفضي إلى أسئلة أخرى، والحروف التي تفضي إلى تعاويذ نستجير بها حين يستبد بنا الضنى. والهنوف ما زالت مأخوذة بالشعر وشغوفة بالعبارة المغايرة رغم تبدل الأيام ورغم تصحر الأرواح، إلا أنها لا ترى العالم إلا من خلال قصيدة تتردد همهماتها السرية في الأقاصي السحيقة لذاتها، حضورها حميمي وضحكتها حاضرة على الدوام. وعن طفولتها والبيئة الاجتماعية والإنسانية التي نشأت وترعرعت في ظلها تقول: ولدت في دبي في كنف عائلة محبة جداً، في جو أسري متآلف ومغمور بالعاطفة، سيما وأن والدي كان حنوناً جداً حتى أن فيض الحنان الذي يقدمه لنا كان يخجلنا، فهو يتمتع بشخصية مرهفة وشفافة، في حين كان لوالدتي شخصية قوية وصارمة وقد أورثتنا وربتنا على هذه الشخصية المعقدة بذاتها والمليئة بالكبرياء.

رغم أن والدي كان من الأعيان وكانت عائلته محافظة جداً وهي بطبيعة الحال عائلة ذكورية بالمعنى الحرفي للكلمة فعدد الأولاد يفوق كثيراً عدد الإناث حتى انه وبعد ولادتي لم ترزق عائلتي بأنثى حتى أنجبت أنا ابنتي الأولى، المهم أنه رغم الطابع المحافظ لهذه العائلة، فقد كانت القيمة الأساسية التي تربينا عليها، هي أن نعلن عن رأينا بصراحة وبكامل الجرأة، وهكذا تعلمنا الإفصاح عما بأنفسنا، الإفصاح عن النفس بحرية ربما يكون هو جوهر الإبداع فالذات الحرة هي ذات مبدعة، والشعر هو الانفلات من كل أسر والتحليق في فضاءات مبتكرة في الحرية ورغبة جامحة بالطيران، لكن المسار الذي تتخذه الأجنحة له علاقة وثيقة بالذائقة ومقدار نضجها، والهنوف كانت قد أبدت تميزاً منذ كتاباتها الباكرة والخواطر التي كانت تنشرها، هنا وهناك.

خالد الشيخ

في عمر الحادية عشرة انتبهت الهنوف لأن ثمة ما هو مختلف في الأغاني التي يؤديها خالد الشيخ فراحت تنصت برهافة إليه وراحت تحفظ تلك الأغاني وتتأمل معانيها حينها أدركت أن ثمة طريقة أخرى للتعبير، غير الطريقة التي كانت تتلقاها في المدرسة ومن هناك بدأت تكتب خواطرها الأولى ومحاولاتها الأولى في الشعر وكانت تتساءل عن بعض المسلّمات والمفاهيم التي يتم تداولها في المدارس، تقول: كنت أتساءل عن الحكمة من تسمية أحدهم بأمير الشعراء.. فعن أية إمارة يتحدثون وعن أي شعر، فهناك العديد من الصور الشعرية التي لم أكن أتذوقها، صور لم أشعر بعمقها وصرت أبحث عن كتابة تشبع رغبتي وتلامس أحاسيسي وبذلك بدأت أتردد على مكتبة (2000) في البدع وأقرأ كل ما تيسر لي من الشعر، ذلك الذي يترك صدى عميقاً في داخلي والذي يولد في الروح نوعاً من العذابة والمتعة للمخيلة.

تركيبتي كانت ولاتزال تأملية ودقيقة، فقد كنت أنتبه لكل شيء.. لجسد الإنسان، للعقل والوعي، كنت أنتبه للأصوات.. لظل الأشياء وكنت أراقب هذا العالم بشاعرية وكان من الطبيعي أن أنتبه إلى نفسي فعرفت أني مختلفة عن الأخريات وأن لي طريقة مختلفة بتلقي العالم وتذوقه ومن هنا، كان علي أن أعبر أيضاً بطريقة مختلفة ومغايرة. آنذاك بدأت أكتب تلك النصوص حتى تعرفت على بريد القراء في جريدة (البيان).

ظاعن شاهين ونوراني وأمر الله

فأنا ابنة (البيان) ومن هذا المنبر بدأت بالتعريف عن نفسي وعن هواجسي الأدبية التي كنت أوقعها باسم (أجراس) وفي تلك الآونة تلقف كتاباتي كل من ظاعن شاهين ومحمد نوراني وساعداني في النشر، ثم أخذت أنشر فيما بعد باسم (الهنوف محمد) وهو الاسم الذي عرفت به شعرياً والذي شكل عامل تفاؤل بالنسبة لي وحقيقة الأمر أني شعرت ببركة هذا الاسم علي. وأتعامل معه بمثابة الاسم الحقيقي لي، الذي أشعر بأنه يمثلني سيما وأن المعنى الذي ينطوي عليه اسم (الهنوف) لا يختلف كثيراً عن معنى اسمي الحقيقي، ومن يريد أن يعرف اسمي الحقيقي عليه أن يفتش في ثنايا قصائدي.

والطريف في الأمر أن هاجس الشعر كان أكثر ما يأتيني في فترة الامتحانات وذروة الأنغماس في الدراسة. وتعود الهنوف إلى بدايات النشر، حيث تتذكر الإنسان والمبدع الذي دفع بها إلى عالم الكتابة وأثنى على ما كانت تنتجه حين أرسلت إليه بعض الخواطر والمحاولات.. ذلك هو مسعود أمر الله الذي لا تغفل الهنوف دوره الكبير سيما وأنه من اختار لها الاسم المستعار الذي تكتب به، والذي لجأت إليه لظروف اجتماعية ولبعض المفاهيم المتعلقة بالمرأة آنذاك.

النوارس ورؤى

وهكذا في الفترة 1989 ـ 1990 بدأت في نشر النوارس مع إبراهيم الملا ومسعود أمر الله، وفيما بعد أصبحت تظهر نشرة رؤى وكانت تضم إلى جانبها العديد من الشعراء مثل أحمد العسم وأحمد منصور، والحقيقة أنني أثرت غيرة العديدات ممن كانوا يكتبن الشعر في تلك الفترة، وتمنين إبعادي عن النوارس ورؤى بأية طريقة كانت، وقد نجحن في مرحلة محددة، إلى أن التم شمل المجموعة من جديد وفي فترة الرؤى والنوارس كنت طالبة في الآداب تخصص لغة انجليزية.

وكان يدرسني عبدالواحد لؤلؤة، ومرة سألني أن كنت أعرف شيئا عن الهنوف محمد ودار حوار طريف بيننا، فقد أخبرته بالتدريج بأن من تكتب باسم الهنوف محمد هي طالبة في الآداب، ثم انها طالبة عندك، ثم انك تعرفها جيداً وهي ذاتها التي تقف الآن أمامك وتحادثك، وعن مرحلة الدراسة تقول: في دراستي كنت محظوظة بوجود أساتدة درسوني النقد بمعناه الحقيقي وليس التنظيري بمعنى تنمية الذائقة وتمكينها من القدرة على فرز الأدب الرفيع عن سواه وليس بآلية التلقين ووضع المفاهيم المسبقة والأحكام الجاهزة.

سماوات وجدران

وتعود الهنوف إلى ماهية الشعر وكيفية إنتاجه واتخاذه خياراً إبداعياً.. تقول: اعتقد أن قراءات الشعر هي التي كونتني، وأن الشعر هو من اختارني، فأنا أؤمن بأن للطبيعة مسارها الخاص الذي تنتظم فيه الأمور، وعلى الإنسان أن لا يتدخل في ذلك المسار، فيدع الطبيعة تفعل فعلها ففي نهاية المطاف وجدت نفسي أكتب الشعر كإنسان طبيعي لشخصيتي، وبذلك صار لزاماً أن أجمع ما كتبته وأصدره في ديوان.. وهكذا جاءت مجموعتي الأولى (سماوات) والتي نشرتها عن طريق دار الجديد في بيروت.. والحقيقة أنني شعرت بالخوف أول الأمر وولدت حالة من الشك حين لم يتلفت إليه النقاد أول الأمر.. ثم بدأت الدراسات تتوالى.

وكانت تجربة سماوات هي تجربة في الميتافيزيقيا والماورائيات وهي تغص بالأسئلة.. أسئلة عن كينونة الإنسان والأشياء عن الألوان... الطبيعة.. البشر. هي حالة تأملية بالمعنى الكلي وبه تبّدت قراءتي للعالم وكيفية فهمي له، وكنت أكتب حين أشعر أن عناصر الكون بين يدي، وقد كانت كتاباتي كلها ليلية فالسماء عميقة من حولي والكواكب بمتناول اليد والروح وهكذا تنساب الكلمات متماهية مع هذا الملكوت.

اما عن تجربة (جدران) وهي المجموعة الثانية والتي أصدرتها عن طريق اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فهي تجربة في الوجع والحرمان.. فقد جربت معنى الانتظار والقلق وارتقاب مولود قد لا يأتي، بعد أن تزوجت ومضى عليها فترة دون أن ترزق بمولود.. تقول كنت محاطة بشعور من الشفقة وأنا في قمة الكبرياء.. هذا التوتر الحاد والتناقض بين المشاعر ولد عندي أوجاعا حقيقية شكلت مادة مجموعتي الثانية حين وجدت أن الأمومة حالة شعرية دائماً فكتبت عن كل ما يدور بين الجدران الأربعة للمرأة من شفقة وظلم، من إجهاض ومخاض وولادة وأمومة، وقد كنت قد كتبت رسالة للطفل الذي سيأتي يوماً ما.. إلى أن حملت وأنجبت حسين ثم رغد وبهذا كانت ولادة للشعر وانتصاراً للأمومة والكبرياء.

جمعة الفيروز

إلى جانب الشعر كتبت الهنوف العديد من القصص القصيرة، وقد أخبرها جمعة الفيروز أنها قاصة أكثر منها شاعرة.. لكنها لا تجد نفسها إلا بالشعر الذي تشعر بالغيرة عليه. وعن الحياة المهنية التي تمارسها الهنوف مدرسة للغة الانجليزية نقول: في التدريس أعاني عادة مع المديرات وليس مع المدّرسات فمشكلتي مع الإدارة هي شعورهم بأنني أنافسهم على مكانهم وأنا في حقيقة الأمر لا أؤمن بلعبة الكراسي ولا أجيدها. عوالم بين المخيلة والواقع. عوالم مختلفة نمّر بها وتمّر بنا، حتى نتوقف لنسرق لحظة خالصة لنا.. قد نكتب فيها، أو نبكي نغني أو نغيب في الصمت.. إلا أنها لحظة نملكها نحن قد تشكل القيمة التي نكونها وقد نستطيع خلالها أن نفصح عن الروح المختبئة خلف طبقات هذا الجسد المجهد.

والهنوف محمد لها لحظاتها الخالصة، وها هو مسعود أمر الله الذي يشعر بمسؤولية إبداعية تجاه الهنوف يقول عنها: بدت الهنوف في سن صغيرة، متحمسة للشعر والكتابة المختلفة والحداثية. ومن بداية كتابتها كانت لديها نفس آخر تلتمس من خلاله الاختلاف والمغايرة. وقد عملنا سوّية مع إبراهيم الملاّ (تراتيل النوارس) وكان للهنوف الجرأة بأن تكون مختلفة وأثبتت استمراريتها وقدرتها على المواصلة، في حين أن الكثيرات ظهرن ثم اختفين بسرعة، أما الهنوف فهي من القليلات اللواتي واصلن الكتابة وأصدرت المجموعات الشعرية، فالمظهر مغاير في التفكير والجرأة والاستمرارية، واجتمعت كلها لتعطي الهنوف نكهتها الخاصة. والهنوف صديقة الجميع في هذا المجال وهي ميزة اجتماعية وإنسانية تضيف إلى حضورها الشعري حضوراً شفافاً ووجدانياً.

اسماعيل الرفاعي