المساء نافذة الحلم.. فضاء السكينة.. غطاء المدينة الشفيف تتدثر به الخلائق، وتبحر في فضاءاته النفوس التائقة للطواف الليلي. والمساء ظل الكواكب على الأرض إغفاءة المدى وعباءة النجوم الوثيرة، يهوّم على الملكوت بسحره الغامض فترتفع التنهدات وتحبس العاشقات أنفاسهن لمرأى القمر المضاء بالبوح فتنفرد الأرواح وتتسع الحدقات وتتنفس المسامّات نسائم الألق.. حين يهبط بفتنته وأسراره في أحضان دبي، تلك المدينة المكسوة بالقناديل.

دبي التي تفيض بالضوء كعباءة مزيّنة بالذّهب ومغزولة باللآلئ التي لا تكفّ عن الوميض. ومساءات دبي وجه آخر للمدينة التي لا تنام، تفرد قناديلها هنا وهناك، وتتدفق كنافورة الضوء في واحة المدينة على تخوم عمارتها الشاهقة وفي قلبها الذي لا يكفّ عن الوجيب.. سفينة من الضوء تبتكر بحرها، وتفرد أشرعتها عالياً صوب منارة الحلم، فيمتطيها بحارة الليل كل صوب جزيرته، وكل يهمس لحوريّة البحر أن تعيد حكايا الليالي القديمة، حين كانت الشواطئ موجة تعيدهم إلى البحر من جديد، وأغنية أبدية عن المغامرة. وحين كانت الضفاف أشرعة لترحالٍ جديد، حتى أفرغ البحّارة سلالهم في أصيص المدينة التي أفرعت ثمار البرّ والبحر.

ومساءات دبي قناديل معلقة على امتداد البصر.. أينما توجهت ثمة مصوغات تأتلق، ومصابيح تفترس العتمة المبددة برذاذ الضوء الندي. مساءات يخطها شاعر كوني يغمس ريشته بالأخوار المضيئة والخضرة الداكنة، ويمد عبارته على امتداد المدينة فتشتعل الموسيقى. سجادة من تبر البحر وخيوط القصب مغمسة برائحة الهيل المعتّق والملوحة الأليفة.

إسماعيل الرفاعي