راشد معضد المهيري الطالب النجيب الذي كرس حياته للتحصيل العلمي وفضله على كثير من الهوايات الرياضية التي كان يجيدها وكانت من الممكن أن تؤثر على مسيرته الدراسية، هو نفسه الشاب الذي يحتفظ بذاكرة قوية لتفاصيل يومية شهدها في طفولته في منطقة الجميرا.

صحيح أنها تفاصيل قريبة العهد ويعرفها الكثيرون، إلا أنها تمثل رؤية شبابية لما كان وما هو كائن وما بينهما من مفارقات، وتبقى لراشد المهيري طريقته الخاصة في سرد الأحداث بأسلوب فكاهي لا تنقصه الحكمة، فالحكاية عنده ليست مجانية بقدر ما تخفي وراءها تشخيصاً فهو مثلاً يسخر من سقوط أحد التلاميذ في بالوعة الصرف الصحي في المدرسة وخروجه منها في حالة مزرية، لتطال سخريته الإهمال الكبير الذي أدى إلى إشاعة الخوف والرعب على وجوه التلاميذ الصغار الذين اعتقدوا أن زميلهم قد مات، هذا الأسلوب في السرد وتوظيف السرد ليس غريباً على عقلية مدير تخطيط وتطوير الموارد في هيئة كهرباء ومياه دبي. مع بداية السبعينات وفي أم سقيم ولد راشد المهيري، ترتيبه الرابع في العائلة، عرفت قدماه طريقها مبكراً إلى ساحل البحر فبنى مع أقرانه بيوتاً من الرمال، وأصبح الشاطئ هو المكان الوحيد الذي يتسع لممارسة الهوايات والألعاب القديمة منها والحديثة. بحكم قرب منطقة الجميرا من البحر كان الشاطئ الرملي يحتضن تجمعات الصبية والشباب وحتى الكبار، وكانت السباحة شيئاً عادياً نمارسها بتلقائية شديدة، ولا أذكر أن أحداً من أهالي الجميرا لا يعرف السباحة.

ليس هذا فقط، وإنما أصبحت علاقتنا بالألعاب المائية أمراً مفروغاً منه. كنا نضع المراكب الخشبية الصغيرة ونطلقها في السباقات، ونمارس صيد الأسماك بمفردنا وأحياناً مع الكبار، فوالدي كان يعمل في الصيد وكانت له تجربته في العمل مع شركات البترول في الكويت وأبوظبي، لكنه كان يأخذني ليلاً عندما يذهب لصيد سمك «النيسر» وأنتظره على الشاطئ في الظلام، هذه التجارب عودتنا الجرأة وعدم الخوف من البحر في الليل أو في النهار. وهذه الجرأة نفسها أوصلتني إلى كره شديد للسباحة وللبحر أيضاً، ففي إحدى المرات نزلت أسبح بمفردي ولم أنتبه إلى أن مياه البحر بدأت سحبي تدريجياً إلى الداخل. ووجدت نفسي أستغيث مقاوماً الغرق، وعلى غير العادة كان الشاطئ خالياً تماماً من الناس، وبعد عناء استطعت الوصول إلى الشاطئ وأنا في حالة رعب شديدة، ومن يومها انقطعت علاقتي مع البحر تماماً، حتى في رحلاتي السياحية إلى أي بلد أتجنب السباحة في البحر، لكنني بقيت ممارساً لها في أحواض السباحة. في هذا السياق أذكر أن معظم السباحين في فريق نادي الوصل هم من أبناء الجميرا، وتم تسجيلي شخصياً في فريق السباحة بالنادي لكنني لم أذهب لسببين، أولهما التركيز في الدراسة مع بداية المرحلة الثانوية «الصف الأول» وثانيا لأنني مررت في تلك الاثناء بتجربتي القاسية مع السباحة في البحر.

ذكريات على الرمال

في بداية السبعينيات كانت منطقة الجميرا عبارة عن مجموعة بيوت شعبية متناثرة تقع تحت تصنيف رقمي مثل جميرا واحد وحتى جميرا ستة، لكن جميع السكان يعرفون بعضهم البعض بالأسماء، وأذكر اننا في طفولتنا المبكرة نصحو مبكراً في الاعياد ونذهب في مجموعات تطرق الأبواب وندخل البيوت لنجمع العيدية، وكانت منطقة بر دبي اقصى مكان نذهب اليه لشراء الالعاب وكانت الدراجات الهوائية أفضل لعبنا واذكر اننا كنا نمشي على الشاطيء لمسافات طويلة دونما خوف من ابتعادنا عن بيوتنا، فكما قلت كنا نعتبر جميع البيوت بيوتنا والكل يعرفنا، ولهذا لم تكن الاسر تخشى على اولادها. والمشي على الشاطيء كان تقليدا يوميا نمارسه نلتقط الحصى ونرميه في البحر، ونلعب بالقواقع البحرية.

وكنا ايضا نلعب كرة القدم على الرمال صحيح ان الساحات كانت موجودة، لكننا كنا نفضل رمال الشاطيء لقربها كنا مجموعة من الأطفال أذكر منهم أبن عمي محمد ثاني ومحمد خليفة بن مسحار ومحمد حاضر واخرين وكنت اكبرهم بقليل ولهذا كانوا يتركون لي امر القيادة علاوة على انني كنت أعقلهم وانتهج التفكير السليم، وفي هذه الجزئية لا أذكر انني افتعلت مشاكل مع ابناء الجيرة، ولم يحدث أن اشتكي أحد لوالدي من تصرف سييء قمت به منذ كنت ارى القدوة في تصرفات والدي واشقائي الكبار، والأهم من ذلك ان ابناء المنطقة جميعا كانوا يتعاملون مع بعضهم البعض كأخوة، حتى كثير من الاحيان تجد ان الغالبية تربطهم صلة قرابة ونسب.

تلميذ جاد متفوق

علاقتي مع القراءة والكتابة بدأت مع دخولي المدرسة مباشرة، فقد كان التعليم النظامي قطع شوطا كبيرا بعد مرحلة التأسيس، ولهذا لم اعاصر مرحلة الكتاتيب أو نظام المطوع وكان أول يوم دخلت فيه المدرسة مشحونا بالبكاء والخوف. فجأة وجدت والدي يخبرني بانني سأبدأ الدراسة صباح الغد وفي الصباح اصطحبني الى مدرسة ام سقيم الابتدائية وهناك رأيت تجمع التلاميذ وهم يركضون في جميع الاتجاهات وصيحاتهم تهز المكان، خفت وبكيت وتشبثت بجلباب والدي، ولكن اخي الاكبر جمعة امسكني من يدي وراح يحكي لي حكايات ليهون الأمر على نفسي واصطحبني الى مقصف المدرسة واشترى لي ساندويتشات حتى اكف عن البكاء، وشيئا فشيئا تأقلمت مع الوضع الجديد وانخرطت مع الاولاد خصوصا الذين كنت العب معهم من قبل خارج المدرسة.

شهدت المرحلة الابتدائية احداثا لا استبعد تأثيرها على شخصيتي فيما بعد، أولها خوفي من المدرسين الذين كانوا أكثر جدية مما هو حاصل الان، وكان هناك ضرب وتعنيف للطالب المقصر ولم يكن أولياء الامور يتدخلون عند ادارات المدارس، ولهذا وجدت نفسي التهم الدروس وانتهى من واجباتي الدراسية قبل ان افعل اي شيء اخر في المنزل، وكانت شقيقتي الكبرى تساعدني في المذاكرة، وأصبحت تلميذا متفوقا احصد المركز الاول في كل عام لم يكن يزاحمني على المركز الاول احد من التلاميذ وتعرفت في تلك الفترة على صديقي اللدود الذي تجمعني به صداقة حتى الان والطريف ان اسمه مشابه لاسمي تماما هو راشد معضد بوقراعة وهو مهندس كهربائي بالطيران المدني بدبي الان.

وأذكر ان المدرسة اقامت حفل تكريم للاوائل بحضور اولياء الامور، ونادى المذيع على الطالب المتفوق راشد معضد دون ان يذكر اسم العائلة فتبادلنا النظرات سويا ولم يقف أي منا الا عندما تم النداء بالاسم الثلاثي وكنت أنا المعني بالتكريم، وحب الدراسة خلق عندي روح التحدي في وقت مبكر فكانت استفادتي الثانية من المرحلة الابتدائية وفي اتجاه اخر كانت الانشطة المدرسية متنوعة.

لكنني لم أشارك إلا مع الفرق الرياضية فكنت لاعبا في فريق الجمباز واذكر انني دخلت مع الفريق في مشاركة ضمن منافسات دوري المدارس وكانت المسابقات تقام في مدرسة الشعب بمنطقة ديرة واثناء عودتي تركني سائق الباص في بوابة منطقة الجميرا كنت صغيرا لا اعرف الطريق حينها ركبت تاكسي انتظرني سائقه عند باب البيت لأحضر له النقود فعرف والدي بالامر ومنعني وقتها من المشاركة في مثل هذه المسابقات. كنت أيضا لاعبا في فريق كرة القدم لكنني لم أركز عليها فيما بعد من أجل الدراسة.

الصدفة تلعب دورها أكثر من مرة

من الذكريات التي لا أنساها في مرحلة الابتدائية سقوط تلميذ في بالوعة المدرسة، وتم استدعاء الإسعاف لإنقاذ حياته بعد خروجه في حالة سيئة، أما صديقي راشد بوتراقة فقد كان نحيفاً جداً، وفي احدى المرات ادخل رأسه بين قضبان بوابة المدرسة ولم يستطع إخراجها مرة أخرى، وأصابتنا حالة من الخوف عليه انتهت بإحضار منشار كهربائي ونشر أحد القضبان لتنتهي المشكلة، نعم رأيت مشاكسات كثيرة يقوم بها الأولاد، لكنني لم أشارك في أي منها.

حتى عندما دخلت الاعدادية والثانوية، وعرفت في الوسط الدراسي بأنني مهذب وصادق وكثيراً ما كان المدرسون يأخذون مقولتي على محمل الجد، كنا في مدرسة الإمام الشافعي بالصفا، وقام أحد الطلاب بإلقاء زجاجة تحتوي على مادة تفرز رائحة كريهة للغاية، شجعه على ذلك بعض الطلبة غير الراغبين في الحصة الدراسية، وبالفعل لم يستطع المدرس ان يدخل الفصل، وناداني ليسألني عمن فعل ذلك، كنت اعرف الطالب لكنني لم أش به، لأنني لم أكن على استعداد لان اقحم في المشاكل، الشيء الوحيد الذي كنت اهتم به هو دراستي وتفوقني.

غير أنني استفدت في تلك المرحلة من الرحلات التي كانت تنظمها المدرسة لزيارة الأماكن الترفيهية والتراثية في مدن الدولة، كذلك الزيارات للشركات والمؤسسات الحكومية لنطلع على سير العمل فيها، كذلك الأماكن السياحية مثل العين الفايضة في مدينة العين، وعين خت في رأس الخيمة، وهذه المناطق ذهبت إليها لاحقاً مع الأسرة ومازلت حتى الان مغرماً بها.

في مدرسة الامام مالك الثانوية بالصفا بدأت اتعرف على اصدقاء جدد من مختلف المناطق، ونمت في نفسي مسألة الاهتمام بالدراسة دون أن أحدد هدفاً مستقبليا للتخصص، فأخوتي الكبار التحقوا بالقوات المسلحة كنهج معظم الشباب آنذاك ولهذا لم تكن الامور الدراسية الجامعية واضحة أمامي، وتبلور هذا في الصف الثاني الثانوي حيث التخصص إما أدبي أو علمي، وكان كل الشباب يقبلون على الأدبي لجهلهم التام بالقسم العلمي، وفي ذاك الوقت كان التوزيع يتم بطريقة بدائية جداً، كان هناك فصلان مكتوب على بابيهما ـ علمي ـ أدبي، وعلى الطالب ان يختار الفصل ويدخله، كان فصل الأدبي مكتظاً بالطلبة، في حين ان العلمي لم يدخله ولا طالب.

والمضحك أن المدرس في الفصل العلمي كان يقف بانتظار ان يجد طلاباً في فصله، كان معي راشد بن جرش وأحمد المنصور وعبدالكريم ناصر، نظرنا إلى بعضنا البعض ودخلنا دون أن نعرف طبيعة الدراسة، صحيح أنني كنت أحب الجيولوجيا كثيراً، وأحب حصة المختبر، لكن ليس بدرجة تؤهلني لرسم مستقبلي، وانتهت مرحلة الثانوية بعد ان حصلت على معدل لم أكن أبدا راضياً عنه، 75% فقط رغم اجتهادي ومذاكرتي الجدية.

وقتها كنت أريد الالتحاق بكلية الهندسة ولم يسعفني هذا المعدل لدخولها، والطريف أنني ذهبت للتسجيل في جامعة الإمارات في آخر يوم لقبول الطلبات، لم أكن مقتنعاً بما أفعله، كانت معي اصول الشهادات فقط، وطلبت مني الإدارة إما صوراً عن الشهادات أو تقديم الأصول، فرفضت ووجدتها حجة لعدم التسجيل في كلية العلوم.

في تلك الاثناء اخذني والدي لشركة نفط دبي حيث كان هناك صديقه خميس بوعميم في منصب رفيع، كنت ذاهبا للعمل ولم اكن اعرف ان هناك بعثات تعليمية على حساب الشركة، والتقيت هناك بالصديقين ابراهيم ياقوت وراشد صالح، وعجبت ان ارى ابراهيم هناك كونه لاعب كرة مشهوراً، وفهمت بعدها انه محب للعمل والدراسة ويبحث عن تأمين مستقبله كانت الاجواء في الشركة مشجعة للغاية، انضباط وعمل ومشاركة وتعارف وعلاقات مع اناس من مختلف الجنسيات.

عام كامل من دراسة اللغة الانجليزية والتدرب على تحمل المسؤولية، بعدها ذهبنا في بعثة إلى اميركا كانت لدينا انطباعات وردية عن أميركا التي نشاهدها في الأفلام، لكننا وجدنا انفسنا في مدينة تولسا بولاية اوكلاهوما، ولم نشاهد الحلم الأميركي الذي انطبع في اذهاننا، والحق أنني امضيت الشهور الثلاثة الاولى وكلي حنين إلى الوطن، فعلى الرغم من أنني تغربت عن أسرتي لمدة أسبوعين اكثر من مرة على فترات متقطعة اثناء التدريب في الشركة، الا ان رحلة أميركا كانت محكاً حقيقياً مع الغربة، ولم يثنيني عن العودة سوى ما سيقوله الناس عني، وبالتدريج تعودت على الأجواء خصوصاً بعد انقضاء ثلاثة شهور في تعلم الانجليزية والدخول إلى الجامعة.

أميركا والأصدقاء الجدد

دراستي في أميركا افادتني كثيراً، فقد بدأت في تحمل المسؤولية بصورة جدية، وتعرفت على أصدقاء جدد مازالت تربطني بهم علاقة جيدة حتى الآن، مثل محمد القحطاني من السعودية وخالد الجربوع، وكنا نقضي أوقات الفراغ في ممارسة كرة القدم التي لم تنقطع أبداً، وشكلنا في عام 1990 فريقاً أسميناه الكويت وفزنا بكأس دورة السلام التي نظمتها الجامعة، وكانت تجمعاتنا في النادي السعودي أو عند المسجد بعد صلاة الجمعة، لكني لا أنسى أن وجودنا نحن الثلاثة إبراهيم وراشد وآخرين من الإمارات قد هون علينا الغربة، فقد كنا متماسكين خصوصاً بعد خروجنا من سكن الجامعة إلى فيلا قمنا باستئجارها وكنا نتناوب على عملية التنظيف والطهي.

شركة نفط دبي كانت تتابع كل صغيرة وكبيرة نقوم بها، فقد كانت حريصة على حل مشاكلنا وترسل مندوبين لمتابعة إن كنا جادين في دراستنا وأيضاً في سلوكياتنا وتعاملنا مع المدرسين، وفي عام 1993 تخرجنا وعدنا إلى الإمارات لنعمل في الشركة، وكان إجبارياً أن أظل لمدة عامين في الشركة كمتدرب فقط، ورأيت أن العمل في الحسابات غير مجد وليس له مستقبل.

فعدت إلى أميركا وحضرت ماجستير في فصل من أربعة شهور في إدارة الأعمال، ثم عدت إلى الإمارات والتحقت بالعمل في شركة كهرباء ومياه دبي في قسم الموارد البشرية وقضيت فيها سنتين ونصف السنة ثم أشار علي الصديق إبراهيم ياقوت للعمل في مؤسسة دبي للمواصلات كرئيس لقسم الموارد البشرية، وعملت فيها لمدة عام ونصف لكنني لم أرتح هناك، فعدت إلى كهرباء دبي كمساعد مدير الموارد البشرية في 1999.

وتدرجت في الوظائف إلى أن استلمت مهمة مدير تخطيط وتطوير الموارد بالشركة ومع أنني استقريت في العمل إلا أن الدراسة ظلت شغلي الشاغل، ودرست في جامعة الشارقة من عام 2001 وحتى 2003 لأحصل على ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال.

في عام 1994 تزوجت وكان زواجاً تقليدياً غير أنها كانت تعرفي وأنا أيضاً أعرفها، وتطابقت رغبتي مع رغبة والدتي وجدتي، وأولادي محمد وعمره 13 سنة، ثم سهيلة، وأخيراً مروان وعمره 4 سنوات، وأنا قريب جداً من أولادي. أشاركهم هواياتهم وأصطحبهم بنفسي إلى أي مكان يريدون الذهاب إليه، ومحمد من هواة ركوب الخيل ويلعب كرة القدم، وقدمت بتسجيله في نادي مانشستر الذي يزاول نشاطه في تدريب واكتشاف اللاعبين على ملاعب نادي الوصل، وليس لدي أي مانع من أن يحترف الكرة ولكن بشرط أن لا يهمل الدراسة.

وقتي الآن موزع بين العمل ومرافقة أولادي والذهاب إلى النادي الصحي الذي أمارس فيه مختلف الأنشطة الرياضية، ومن بين هذه الاهتمامات ما زالت تراودني هواجس الحصول على الدكتوراه ولن يهدأ لي بال إلا بعد الحصول عليها، وقد حدث ان تم قبولي في استراليا، لكن ظروف العمل حالت دون اتمام ذلك.

مخلص لأصدقائه وعمله

يقول إبراهيم ياقوت: راشد المهيري صديق دراسة جمعتني به أيام جميلة لا يمكن أن تنمحي من الذاكرة أثناء الدراسة في أميركا بعد أن التقينا في شركة نفط دبي وذهبنا سوياً ضمن بعثة ضمت زملاء آخرين، وكان راشد نعم الأخ والصديق والزميل طوال فترة الاغتراب التي عانينا فيها معاً، وهنا تصدق مقولة ان الأصدقاء المخلصين تكتشفهم في الغربة، والحق إنني وجدته شخصية محترمة ملتزمة محباً للدراسة ومنكباً عليها لا يشغله عنها أي شيء آخر، وزاملته أيضاً في السكن وتكشفت لي مواهبه في فن الطهي وحرصه على نظافة وترتيب المنزل كنا نتعاون في كل شيء وعرفنا بحق معنى تحمل المسؤولية، وراشد إنسان متميز وطموح ويحب عمله.

ولهذا عرضت عليه أن يلتحق بمؤسسة دبي للمواصلات حيث كنت أعمل بها، فأنا أعرف إمكاناته وقدرته على التطوير والإبداع، وأعرف أيضاً أنه لا يكتفي بحد معين من الدراسة، فأثناء عمله درس وحصل على الماجستير، وهو الآن يفكر في الدكتوراه وأتمنى عليه أن لا يتكاسل وأن يعمل على إنجازها، أما تواصلنا فنحن كثيراً ما نتحدث عبر الهاتف لكثرة انشغالاتنا التي تحول دون لقائنا، اللهم في المناسبات والأعياد. لكن يظل راشد من الأشخاص الذين اعتز بصداقتهم على طول الدوام.

وأحمد بن كنيد يقول عرفت راشد المهيري أثناء عملي في شركة كهرباء ومياه دبي ومنذ أكثر من تسع سنوات، ووجدته إنساناً مخلصاً لزملائه ولعمله، مهموم على الدوام بأفكار جديدة ورؤى مستقبلية في مجاله، وعلى المستوى الشخصي أنا ممتن كثيراً لوقوفه إلى جانبي ومساعدته لي في أمور كثيرة حتى في زواجي، وهو إنسان خدوم تجده إلى جانبك في الظروف الصعبة.

تلك الظروف التي تكتشف فيها بحق قدر الناس ومحبتهم لك، والحمد لله أنا سعيد جداً بأنني تعرفت على راشد المهيري وعرفته عن قرب، واستفدت منه في الفترة التي قضيتها في العمل معه، ودائماً ما أشعر بأنه طوقني بجميل أتمنى أن يوفقني الله وأرده في مناسبات سعيدة، وأتمنى له من كل قلبي التوفيق في حياته المهنية والخاصة لأنه إنسان يستحق كل خير.

عزالدين الأسواني