من المتعارف عليه أن المشاريع الصغيرة في أي مجتمع لهي بمثابة ركيزة من ركائز الاقتصاد، فالدول المزدهرة اقتصاديا تتمتع ببنية اقتصادية نشطة بالمشاريع الصغيرة التي تتنافس فيما بينها إما لإنتاج سلع وخدمات جديدة أو لإنتاج صيغة مبتكرة من سلع وخدمات موجودة سلفا في الأسواق. وذلك التنافس هو ما يجعل الأسواق في نشاط دائم لتقديم الخدمات الأفضل للمستهلك.

وفي سوقنا المحلي، تم تقديم الكثير من الدعم من قبل الحكومة لمالكي المشاريع المتوسطة والصغيرة من المواطنين وتم إطلاق الكثير من البرامج التي تهدف إلى تمكين المواطنين من الولوج إلى السوق بأساس صلب ومتين، لضمان استمراريتهم في سوق تشتعل فيه المنافسة. وعلى الرغم من وفرة البرامج التمويلية والتسهيلات التي تقدمها الدولة للمواطنين، إلا أن الكثير من مالكي المشاريع المتوسطة والصغيرة لا ينجحون في الثبات في السوق المحلي، ليس بسبب قلة الدعم الحكومي أو عدم إلمام الساعين إلى امتلاك المشاريع بكيفية إنجاح مشاريعهم، بل بسبب اصطدامهم بارتفاع كلفة الإيجارات التي تلتهم كل الأرباح التي تم تحقيقها خلال سنة كاملة، بالإضافة إلى اضطرار العديد منهم لأن يدفعوا بقية المبلغ من جيوبهم إن لم تكن الأرباح كافية لتغطية كلفة الإيجار السنوي.

لا نود أن تتبدد جهود الحكومة الرامية إلى تمكين المواطن من فرص يستطيع اقتناصها عن طريق تزويده بالتأهيل والتدريب والدعم اللازم، كما لا نود أن تتبدد جهود المواطنين الساعين إلى امتلاك مشاريع متوسطة وصغيرة، الذين قاموا بالإنفاق من وقتهم للاستزادة والإلمام بكيفية إنجاح مشاريعهم، وأنفقوا من أموالهم وأموال صناديق الدعم لتأسيس مشاريعهم، بالإضافة إلى الجهود التي بذلوها خلال تأسيس تلك المشاريع، ثم الصبر على تلك المشاريع حتى أخذت وضعها الطبيعي في السوق، بعد حالة من عدم الاستقرار التي ترافق جميع المشاريع في بدايتها.

إنه لمن المحزن أن نرى وصول بعض المشاريع إلى تلك المرحلة، وتخطيها حالة عدم الاستقرار، ودخولها في مرحلة أخذها للوضع الطبيعي في السوق، تضطر لأن تأخذ قرارات مصيرية بشأن المشروع، سواء عن طريق بيعه أو التخلي عنه، لمجرد ارتفاع في الإيجارات. وما يحزننا أكثر كون الكثير من تلك المساحات المطروحة للإيجار مملوكة من قبل مواطنين لا يقومون بتقديم الدعم اللازم للشباب في أول طريقهم من أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة، ولا يقومون بخدمة مجتمعهم بعد وصولهم إلى مستوى معيشي لائق يستطيعون معه التخلي عن القليل من المال في سبيل مساعدة مواطنين آخرين على تحسين مستواهم، وفي سبيل إضفاء المزيد من النشاط على حركة السوق، وبالتالي إعطاء دفعة قوية للاقتصاد الوطني.

إن المطالبة بسن قوانين تفرض على المقتدرين من رجال الأعمال المواطنين الإسهام في الخدمة المجتمعية أمر سهل ولكننا نتمنى أن تعم تلك الثقافة أوساطهم دون اللجوء إلى تلك المطالبات. نتمنى التزام أولئك المواطنين بمسؤوليتهم تجاه المجتمع، ونتمنى حرصهم على توفير الدعم والمساندة للكفاءات الوطنية الشابة، كما نتمنى أن يقوموا بتقديم مصلحة الوطن ثم الجماعة ثم الفرد. وفي الوقت ذاته نتمنى من المسؤولين والجهات المعنية وضع ارتفاع كلفة الإيجارات بعين الاعتبار، وإلا فسوف يكون مصيرالكثير من المشاريع المتوسطة والصغيرة إلى زوال إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.

laila_badri@yahoo.com