من الأعلى تمد بصرك كي تلتهم المشهد المتنامي، صورة جديدة في كل صباح يطل عليك، أو تطل عليه صورة تشكلها الأنفاس المتعالية وهي تزفر أحلامها وترتب أيامها في تقاويم العمر المتفردة.
دبي فسيفساء الحجر وسجادة الماء، تمد جذورها في عمق التربة وترفع صورتها في أعالى السماء، ذلك أنها تنام في المرايا وتنهض في الحكايا المأخوذة بالصورة الأكمل. من الكثافة العمرانية الباذخة إلى أبراجها الشاهقة، ومن أخوارها القديمة الجديدة إلى شواطئ الجميرا، برها وديرتها، شمالها وجنوبها كلها تتبع بوصلة واحدة تشير إلى الأعلى. ومن الأعلى ترى قامة الناس الذين شيدوها وهم يكدون من مطلع الفجر حتى مطلع الحلم الآخذ بالتشكل فهل تحمل المدينة الجديدة صورة العصر؟ هل يحمل العصر أحلامنا القديمة المشدودة إلى البيوت الطينية والبراجيل؟ وأيهما أكثر علواً أيتها الأبراج الشاهقة؟ غير أنها الأضولة التي تسطرها دبي بعمارة متكاملة وهندسة تحمل في خطوطها الشكل الأكثر حداثة، بمعطيات التقانة ولغة المال والأعمال التي تضم بين جفنيها جنسيات الأرض كلها.
إنها الأرض التي تنفرد عليها الحقائب وتستلقي عليها الأجساد وهي تنظر إلى قمر يشبه وجود عشيقاتهم القريبة أو تلك التي في بلدانهم البعيدة إنها الأرض التي تشيد بواباتها ومطاراتها كي يدلف منها الحالمون، أو يلوذ بها من ضاقت عليه الدنيا، عله يعثر على خارطة تعيده إلى بلاده محملاً بصندوق العجائب ودبي تكد في السير دون توقف، ودون أن تلتفت لمن أصابه التعب أو ضاق به الحنين، إنها أسطورة تكامل نفسها بنفسها منذ أن رمى أول صياد شباكه وجر أسماك الكنعد من قعر البحر إلى آخر محارة أعلنت وميضها على الملأ. ومنذ أول بئر للنفط سال دمه في أوردة الأرض إلى آخر شعلة نقلت نارها إلى الأرواح المستعرة، كي تلد الحلم من الحلم والنار من النار. ومن الأعلى ترى إلى دبي بحلتها الزاهية المكسوة بالرخام والغرانيت وحدائقها المضوعة بالأريج يتلوى بينها شريط الماء كي يلامس أطرافها وينثر نداوته على أطرافها المسيجة بالحلم
إسماعيل الرفاعي



