واحد من أركان المسرح الإماراتي منذ عقدين ونصف العقد هو منغمس في كواليسه ويشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية إنه عبدالإله عبدالقادر.

في الثامنة من عمره كانت مشاركته المسرحية الأولى في التمثيل، وبعدها شارك في أول مسرحية بثت على الهواء مباشرة من ستديوهات تلفزيون بغداد أول تلفزيون عربي بمسرحية البؤساء. وبدأ ممارسة الكتابة والنشاط الفني في وقت مبكر من عمره، وكتب عدة مسرحيات منها «العروسة بهية» وهي مسرحية غنائية، و«الحصاد» و«حب على الثرثار»، و«مواقف». وكتب عدة مسريحات للأطفال، من تلك المسريحات «علي بابا والأربعين حرامي» و«فتح قبرص» و«حبة قمح» و«أوبريت الدرس الأول» (للتلفزيون). وساهم مع مجموعة من الفنانين العراقيين في ولادة أول مسرحية غنائية في المسرح العراقي (بيادر خير). ساهم في تطوير مسرح الشارقة الوطني، وأعاد إصدار مجلة «الرولة»، أول مجلة خليجية متخصصة في المسرح، كما ساهم في تأسيس جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، مع مجموعة من أدباء الإمارات بدعوة وبتبرع من الشاعر الراحل سلطان بن علي العويس، وأصبح عضواً في أول أمانة لها.

أخرج للمسرح في الإمارات عدة مسرحيات منها «طير السعد» و«الانتصار» وهما للأطفال، و«الميدور وبوخزينة» و«رأس المملوك جاء» و«سيف بوهلال» وغيرها. إنه أول من كتب عن المسرح الإماراتي، حيث أصدر ستة كتب تعتبر الأولى إذا لم يسبقه أو يشاركه أحد في الكتابة عن هذا المسرح الوليد. يقول عبدالاله عبدالقادر منذ البداية وأنا رجل مسرح حيث اختلط المسرح بحياتي وبدمي منذ نعومة أظفاري فأذكر أنه في منتصف المرحلة الابتدائية حينما بدأت أمثّل على خشبة المسرح المدرسي في النشاطات المدرسية وساعدني على ذلك بيئتي التي كانت مؤهلة لذلك، فأنا من عائلة برجوازية متوسطة متعلّمة بالكامل فكل أعضائها متعلمين.

والدي رجل له ثقافة، تخرج من المدارس البريطانية وكانت في بيتنا مكتبة صغيرة فيها جرجي زيدان والمنفلوطي والمجلات التي كانت معروفة في تلك الفترة ومنذ طفولتي راسلتها وانا في الابتدائية مجلة سندباد وكنت أكتب فيها وكان يراسلني رئيس التحرير حين ذاك محمد سعيد العريان، رحمه الله، وكان أحد أخوالي رائداً في المسرح العراقي، وآخر واحد من أوائل كتّاب القصة القصيرة في العراق والوطن العربي وحاز على جائزة القصة في الوطن العربي عام 1952 وكانت على مستوى الوطن العربي وبالتالي فلست غريباً عن هذه الأجواء وأمتدت بي الحياة الثقافية في العراق حيث مارست الكتابة والتمثيل والإخراج في المسرح، لي تجارب فاشلة في السينما.

المسرح دنيا كبيرة

تدربت مع كبار الفنانين وتتلمذت على أيديهم حتى بعد التخرج ومنهم الفنان الكبير المخرج المصري توفيق صالح، فشلت في السينما لا فنيا بل لكون السينما العراقية في تلك الفترة لم تكن مؤهلة مادياً لامتصاص كل طموحاتنا وأحلامنا نحن كشباب، فنحن في مقتبل العمر، كان الاستقرار بالنسبة لي في الأدب والمسرح، وبالمسرح الذات بالمسرح كان الاستقرار، بدأت به واستمر نشاطي به، فهو يلبي كل الطموحات الأخرى فالمسرح العالم الأوسع والأرحب بين كل الفنون والآداب، فهو يرضيك سردياً وروائيا وقصصياً والمسرح يفتح لك آفاق الموسيقا لتستمع للموسيقا وتتمتع بها، المسرح يفتح لك أبواب التشكيل والفن التشكيلي، ولكونك مسرحيا ترتبط ارتباطا جدليا مع التشكيل، وبالتالي ليس هناك مسرح بدون تشكيل فالتشكيل أساسي مهمة والمسرح يلبي لك الحاجة.

المسرح يفتح لك أبواب كل الفنون التي تتصورها على كل العلوم، الرجل المسرحي تحتاج إلى موسوعية كبيرة في الفيزياء والكيمياء والكهرباء، والموسيقى والنجارة، والخياطة، نحن جيل علّمنا المسرح العراقي حتى أن نجلس على مكائن الخياطة كي نخيط ملابسنا، في التمثيل لم يكن لدينا الكثير من المبالغ ولم نكن أغنياء حتى نصرف على المسارح فكنا نضطر أن نصمم الإعلانات وكنا نضطر أن نخيط ملابسنا بأيدينا ونضطر أن نوزع الإعلانات في الشوارع، كنا نكتب ونخرج المسرحية كلها، إمكانية ذاتية، فالمسرح هو المعلم الأول لي حتى في حياتي العملية الإدارية كان المسرح المعلم الكبير، المسرح ليس فقط كما يقول يوسف وهبي (الدنيا مسرح كبير) بل المسرح هو دنيا كبيرة ودنيا واسعة.

الهروب من الكتابة.. وإليها

عندما اضطررت للهجرة من بلادي عام 1980 وكان لي هدف واضح هو المجيء لدولة الإمارات العربية المتحدة لأن أهلي سبقوني إليها فكانوا فيها منذ عام 1965، كثير من عائلتي موجود وأنا تزوجت من دبي عام 1967 وأقمت بين دبي والشارقة، ولكني اضطررت للعودة إلى العراق في تلك الفترة وكانت عودتي في أن أدخل بشكل كامل في الحياة المسرحية والثقافية وكتب حوالي أكثر من 14 مسرحية وأخرجت عددا كبيرا جداً من المسرحيات في حياتي العملية في العراق وكذلك مارست كتابة القصة ولكن بين فترة وأخرى بينما تتاح لي الفرصة للكتابة فإن العمل المسرحي كان يأخذ كامل وقتي.

لذلك فيما جئت إلى الإمارات 1980 كنت قد قررت وأنا هارب من السلطات في العراق قررت أن أتحمل في الوسط الثقافي حتى أكون في بؤرة الضوء فلم تلائمني في تلك الفترة فعملت في الشركات التجارية ومن اليوم الأول لوصولي عملت مديراً للشركة ثم انتقلت إل شركة أخرى وفي الأسبوع الأول التقيت بمحمد الماغوط وجمعة اللامي وهو صديقي، وبالتالي عرفني على الماغوط وبدأت أكتب من الأسبوع الأول لوصولي في جريدة «الخليج» في الحقل الثقافي بمعدل يومين في الاسبوع ثم جاء يوسف عيدابي وعملت معه في نفس الجريدة وكتبت كثيراً.

وتوجهنا إلى إشكالية هامة في تلك الفترة وهي كيف نكتب للمسرح، كيف نفيد المسرح في الكتابة، فبدأت أكتب على اتجاهين، نقد مسرحي لكل المسرحيات التي كانت تعرض في تلك الفترة، وعندي كتاب نقدي كامل عن المسرح في الإمارات، وعيدابي قال إن الساحة المسرحية تحتاج إلى ثقافة مسرحية وخاصة في التأسيس، فبدأت أكتب أسبوعيا منهج ستانسلافسكي بتطبيقات محلية وكانت الحلقات مستمرة كل أسبوع، فكل حلقة تنتشر في الخليج تأخذ موضوعا من المواضيع التي في منهج ستانسلافسكي وهي التي كان يعلمها لطلابه، فأقوم بشرحها وترجمتها. وأثريها بالاسقاط والدلالة. وكانت دروسا مستمرة في تلك الفترة واستمرت بها طويلاً.

الرجوع إلى الخشبة

في الأسبوع الأول من وجودي في الإمارات شاهدت إعلانات لمسرح الشارقة الوطني تعلن عن مسرحية لعبدالله المناعي وطبيعي أن أترك عملي وأذهب إلى المسرح لأنه حياتي وعالمي وذهبت إلى المسرح وكان بالصدفة أن مسرح الشارقة الوطني يعتذر لأسباب ما جهلتها، ولم يكن هناك عرض، ولكني وجدت شباباً يلعبون في قاعة إفريقيا، وهي أقدم قاعة للمسرح في الشارقة، قرب البلدية، وتعرفت عليهم في تلك اللحظة، وأصبح هؤلاء الصبية هم الأصدقاء لي، ومازالوا، وهؤلاء هم رجال المسرح الإماراتي اليوم.

التقيت بهم في اليوم التالي، زاروني في مقر عملي في الكلية بالشارقة ومن ثم زاروني في البيت ثم دعوني إلى النادي الأهلي في دبي والتقيت بيوسف خليل ثم أحمد راشد ثاني ثم التقيت بعدد كبير من الفنانين والأدباء والكتاب، وكانت فاتحتي هي هؤلاء الصبية «عمر غباش وجمال مطر وناجي الحاي» وعدد آخر من زملائهم وهم موجودون الآن، وبعد شهرين من تلك الفترة طلبوني لأن أقدم محاضرة عن مسرح الطفل في النادي الأهلي وقدمت محاضرة، موسعة جداً وحضر عدد كبير من النادي في تلك المحاضرة.

وكان الحضور كثيفاً في النادي الأهلي أكثر من 250 شخصاً «أول محاضرة عن مسرح الطفل» ثم طلبوني أن أعطيهم مسرحية، فأعطيتهم مسرحية الطيور ومثلها مسرح دبي الأهلي، وكانت واحدة من المسرحيات الرائدة في الإمارات، ربما هي الأولى أو الثانية وأخرجها محسن محمد وبثها تلفزيون دبي أكثر من 40 مرة لأنها كانت مطلوبة بشكل يومي وكبير من الأطفال وقد أخرجها محسن محمد بشكل مبدع ثم أخرجت هذه المسرحية في مسقط والكويت وأخيراً وقبل سنة فازت هذه المسرحية بالجائزة الأولى في مهرجان الطفل الأول الذي نظم في بغداد، أي عادت المسرحية إلى بغداد بعد مرور 27 سنة لتفوز بالجائزة الأولى في أول مهرجان لمسرح الطفل في العراق، ولا أدري من الذي أخذ المسرحية وأعطاها إلى المخرجة التي قامت بإخراجها. لتفوز بالجائزة الأولى.

ورحلة هذه المسرحية خلال العقود الثلاثة تقودني إلى ذكريات حلوة. ثم بدأت أكتب نقداً كما أسلفت في الخليج وأسبوعياً حتى عام 1986، ولم يكن أحد يضع صورتي في الجريدة كانوا يعرفون كتاباتي ولا أحد يعرف شكلي، باستثناء مسرح دبي الأهلي، وبعد ذلك أرسل عليّ عام 1983 سمو الشيخ أحمد بن محمد القاسمي وكان رئيساً لدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة وطلب مني أن أترك العمل في الشركات التجارية وأن أنضم مجدداً إلى الثقافة وأن أعود إلى ساحتي المسرحية، ولبيت الدعوة وعملت مديراً في دائرة الثقافة والإعلام في المسارح التابعة لحكومة الشارقة.

وقدمت كثيراً من الأعمال على مسرح الشارقة الوطني وفي مسارح الشارقة وخورفكان ومسرح خالد ومسرح دبا وكلبا وعملت لمدة طويلة عدة دورات مسرحية أيضاً منها للشباب ومنها للمحترفين وجمعت مسارح حكومة الشارقة الأربعة في عمل واحد هو «رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس وقد مثلها فنانو مسرح الشارقة الوطني ومسرح خالد الذي سمي فيما بعد بالمسرح الحديث، ومسرح كلباء ومسرح خورفكان، يعني أكثر من 20 أو 70 فنانا كانوا يشتركون في مسرحية رأس المملوك جابر.

وبدأت مسيرتي المسرحية وعملت ميدانيا في مسرح الإمارات على خطين، نقدي، وتوثيقي، وخط عملي إخراجي ودورات إضافة للندوات التي كنت أجريها والمحاضرات. أي أنني كنت فاعلاً بشكل كبير ومستمر في مسرح الإمارات، وقدت فرق المسرح الوطني إلى مهرجان دمشق المسرحي التاسع وقدمت مسرحيتين في مهرجان دمشق باسم الإمارات وكانت قفزة نوعية في ذلك المهرجان لا على مستوى الإمارات بل على مستوى عروض دمشق، وهي حكايتا صديقنا باتيتود والرجل الذي صار كاتبا ثم بعد ذلك ذهبت إلى مسرح دبي الشعبي لأقدم مسرحية رحلة حنظلة وأيضا كان في مهرجان دمشق المسرحي.

وكان أيضاً من علامات المسرح في دمشق، وكتبت السورية كثيرا بايجابية عن هذا العمل بل ان إحدى الصحف ذهبت بعيدا في هذا وقالت لو لم تشارك دولة الإمارات لبقي المهرجان في دمشق رتيبا في تلك الدورة، وكان امامنا كبار الفنانين العرب، سواء من سوريا او المغرب او مصر. وايضا كتبت عدة كتب مسرحية عن مسرح الإمارات حوالي 6 كتب صدرت حتى الان، ما بين اتحاد الكتاب ودائرة الثقافة والإعلام إضافة لكتبي الشخصية. وانني افتخر وأعتز بتجربتي المسرحية في الإمارات خاصة حين أجد طلابي وابنائي وأخواني يكملون هذه المسيرة وحينما أجد أحدهم في موقع متقدم في ابداع جميل اشعر وكأنني انا المبدع حيث أجد نفسي في كثير من الشباب الذين عملوا معي وأجد نفسي في عمر الجسمي والغانم والأنصاري وغيرهم.

قصي بدر