كثيرة هي التسهيلات التي تقدمها دولتنا للعمال الآسيويين الذين يتوافدون للحصول على فرص عمل يرونها ذهبية لدينا، مقارنة مع فرص العمل المتوفرة في بلدانهم الأصلية. فالرواتب بالنسبة إليهم مغرية، والخدمات الصحية المقدمة لهم يتحمل كلفتها الكفيل، بالإضافة إلى حصول الكثيرين منهم على مساكن مجانية أعدت خصيصا لهم. إلا أن الكثيرين منهم وللأسف لا يقدر كل تلك التسهيلات، ويستغل وجود جهات تدعمه في إضرابات تثير البلبلة لمطالبات قد لا تكون بالضرورة قانونية.

مناسبة حديثنا هو إضراب أربعة آلاف عامل من الجنسية الآسيوية عن العمل على خلفية رفض الشركة مطالبتهم بزيادة رواتبهم لتعويض الانخفاض الذي طرأ على عملة بلادهم مقابل الدرهم، وإحداثهم حالة من الفوضى في موقع العمل في حبشان بأبوظبي.

للأسف، أصبح أولئك العمال يعتقدون بأنه عن طريق وقوفهم صفا واحدا وإضرابهم عن العمل بإمكانهم الوصول إلى أي أهداف يسعون إليها وإن كانت غير قانونية. كما أصبحوا يعتقدون بأن في وجود جهات تدعمهم بإمكانهم إثارة المزيد من الفوضى لاكتساب حقوق جديدة دون أن يتصدى لهم أحد. لقد أصبحت ثقافة الإضراب تستشري شيئا فشيئا في عروق العمال. ففي السابق كان إضرابهم ناتجا عن مطالبتهم بأجور لم يتم دفعها لهم. أما اليوم فهم يضربون لاكتساب حقوق جديدة عنوة، ولا علاقة لها بالمستجدات التي تحدث في الدولة، بل في بلدانهم الأصلية. وما يقلقنا أن الخبر ذكر بأنها المرة الأولى التي يتقدم فيها عمال بمثل هذه المطالب.

إن على أولئك العمال أن يعلموا أن القنوات القانونية وجدت للمرور من خلالها لعرض المطالبات دون اللجوء إلى الإضرابات التي تعطل سير العمل في الشركات إذا كانت تلك المطالبات قانونية. وفي وجود تلك القنوات ليس هناك ما يبرر قيامهم بالإضراب عن العمل وإحداث فوضى لا لزوم لها حتى وإن كانوا يعانون من هضم الحقوق التي تنص عقود العمل على أحقيتهم بها. وإضرابهم لا معنى له سوى إثارة الشغب والبلبلة في محاولة منهم لإثارة الاهتمام من جهات تزعم بأنها تدعمهم وتضمن لهم حقوقهم. وفي حقيقة الأمر، ما هي إلا جهات تقوم بوضع العراقيل في طريق التطور الذي تسعى إليه الدولة.

كما على أولئك العمال أن يعلموا بأن إضرابات من ذلك النوع لن تقدم لهم شيئا. فهم لن يستطيعوا لي الأذرع والحصول على ما يعتقدون بأنه حق لهم بهذا الأسلوب غير اللائق وغير الحضاري. وعليهم أن يعلموا بأن من يسلك سلوك الإضراب على كل صغيرة وكبيرة لن يضعه إلا أمام مصير مر وهو الإلغاء مع الإبعاد والحرمان النهائي من العمل في الدولة.

وعليهم أيضا أن يعلموا بأن استبدالهم بغيرهم أمر ليس بعسير، خاصة وأن الكثير منهم يتمنون فرصة الحصول على عقود عمل لدينا تدر عليهم الذهب. وعليهم أيضا أن يعلموا بأن الذهب الذي يسعون خلفه مشروط بجديتهم في العمل، وسلوكهم سلوكا حضاريا في حال وجود الخلافات، دون القيام بأعمال تنسب للصبيان وتنم عن تحجر العقل.

لقد آن الأوان لإحكام القبضة على سلوك الإضراب من قبل العمال الآسيويين. فقد أصبحوا اليوم يسلكون ذلك السلوك للحصول على مطالب لم تنص عليها العقود المبرمة بينهم وبين صاحب العمل. وذلك أمر لا ينبئ بالخير إن ترك لهم الحبل على الغارب. فهذه محاولة أولى تبين لهم نتائجها إن كانوا يستطيعون المضي قدما من ذلك الباب. وسد الباب الذي تأتي منه الريح وقاية من عواصف قد لا تكون غدا في الحسبان.

laila_badri@yahoo.com