مولع بالسفر منذ صغره، فهو من عائلة دأبت على برمجة رحلاتها السنوية وإن كانت تركيا هي محطتها المفضلة، غير أن دراسة حسن محمد التفاق الجامعية فتحت أمامه نوافذ كثيرة أطل منها على مدن وبلدان أوروبية وعربية، فهو خريج جامعي من أميركا في الهندسة الميكانيكية، وعندما أنهى دراسته وعاد للعمل في شركة أدنوك «مهندس صيانة» ثم وهو يشغل حالياً نائب رئيس قسم المشاريع في بلدية الشارقة، فقد فرض عليه مجال عمله السفر إلى بلدان عديدة ليطلع على ما توصلت إليه التقنية في مجال عمله، وعليه فإن حسن التفاق يحتفظ في أرشيف ذاكرته وألبومات صوره بذكريات جميلة، وله أيضاً وجهة نظره الخاصة في المدن التي يحرص على زيارتها أكثر من غيرها.

ولا تزال تركيا هي البلد الذي ظلت صوره ومشاهده عالقة في ذهنه منذ أن ذهب إليها أول مرة مع أسرته، وزارها اثنتي عشرة مرة. يقول حسن: استقر اختيار العائلة على تركيا لأنها بلد يغلب عليه الطابع الإسلامي، سواء من حيث العادات وكثرة المساجد، أو شكلها العام الذي يقترب كثيراً من أية مدينة عربية في بلداننا، أضف إلى ذلك وجود المطاعم العربية بكثرة، وطقسها الجميل، وهكذا استطاعت تركيا وعلى وجه الخصوص مدينة اسطنبول أن تحتل مساحة كبيرة من اهتمامي بها، فقد كانت العائلة حريصة على زيارتها سنوياً حتى وإن كانت محطة لزيارة أوروبا أو استراليا، ولهذا زرتها مع الشباب ثلاث مرات وكنت أذكرهم بالأماكن التي زرتها من قبل مع العائلة، جميل أن تتسع رؤيتك للأمكنة بتقدمك في العمر، فما كنت أراه وأنا صغير مجرد مشاهد عابرة لا تستند إلى رؤية دقيقة، فقد كانت وقتها منهمراً في الألعاب والأماكن الترفيهية، لكن بعد ذلك أصبحت أنظر لما حولي بنظرة فاحصة فكان انبهاري بصور الجمال الطبيعي، أذكر أن صديقي عبدالله محمد وقد كان معي في إحدى الزيارات راح ملتقى الحصى في منطقة جبلية كنا نصعد إلى قمتها، وكان يستهدف مساحة خضراء تغطي منحدر الجبل ولكن لم نكن نعرفها حتى اكتشفنا أنها مزارع بطيخ، أقصد أن المناظر الطبيعية في تركيا هي أهم شيء يمكن للمرء أن يستمتع به وشعب تركيا ودود للغاية بخلاف ما أسمع من أصدقائي، لكن تبقى مسألة اللغة العائق الوحيد، وربما كانت اللغة سبباً في سوء فهم طبيعة الأتراك.

أما الخدمات السياحية عندهم فهي جيدة إلى حد بعيد، وهم شعب يحترم ضيوفه ويقدم لهم كل العون، ولا يستغل السائحين، وتظل تركيا بمساجدها العملاقة شاهدة على فترة انتقالية من الدولة العثمانية إلى ما هي عليه الآن، وطالما توقفت كثيراً أتأمل ما كان وما هو كائن، لقد أعجبني كثيراً مسجد محمد الفاتح بهندسته المعمارية التي تنم عن إبداع، وأعجبني نظام التهوية الطبيعية في أروقته، لكن الأسعار فيها مرتفعة والسلع غالية جداً، وملاحظ أن العملة التركية في هبوط مستمر وهذا يؤثر على سعر السلع، وفي كل مرة أعود إليها أشعر بالفارق الكبير، ومع هذا تظل قبلة لكثير من العائلات العربية المحافظة الباحثة عن الاستجمام والمتعة، فأنت لا تشعر بالغربة مطلقاً في شوارعها ذات الطابع الإسلامي والشرقي في الملابس، فالمرأة العربية بزيها التقليدي لن تكون غريبة أو شاذة في شوارع تركيا، مع الأخذ في الاعتبار أنها دولة تطل على أوروبا وقريبة جداً منها.

الأميركيون ودودون... بحكم دراستي في أميركا فقد مكثت فيها خمس سنوات، واستطيع أن أحكم على الشعب الأميركي من خلال تعاملي مع الكثيرين من الأميركيين وعن قرب، فقد سكنت مع عائلة وتعرفت على عائلات كثيرة وكونت صداقات قوية ما زالت موجودة حتى الآن، فبعضهم يزورني في الإمارات، وعلى هذا الأساس أقول بأن الشعب الأميركي متعاون جداً مع أصدقائه مهما كانت الجنسيات، وبعيداً عن السياسة التي صورت الأميركيين على أنهم متعجرفون ومغرورون إلا أنهم عكس ذلك تماماً، فهم في غالبيتهم لا تعنيهم الأمور السياسية كثيراً، ويهتمون بالعلاقات الإنسانية بينهم وبين الشعوب الأخرى، هكذا أراهم من وجهة نظري، ويجب أن أوضح بأن دراستي كانت في ولاية فلوريدا وهي ولاية هادئة يهتم سكانها بالفنون والسياحة، عكس الولايات الشمالية التي تهتم بالسياسة لقربها من الأحداث الساخنة، ومن خلال علاقتي الوطيدة مع الجيران حدثت أمور كثيرة أصابتني بالدهشة، فقد تأثرت فتاة أميركية بلباس شقيقتي التي كانت تزورني في إحدى المرات، وقامت بوضع الشال على رأسها كما كانت تفعل شقيقتي، وأذكر أيضاً أنني قمت بإجراء عملية جراحية هناك، وعندما دخلت إلى غرفة العمليات وجدت جيراني عند بابها متواجدين قبل أن يصل أعز أصدقائي من العرب، وأنا أعترف بأن في كل بلد يوجد الخير والشر مقسمين بين الناس، لكنني لم أر سوى الخير والمعاملة الإنسانية الشفافة في كل من تعاملت معهم من الأميركيين، ولهذا أنا لا أخفي إعجابي بهم ومحبتي لهم، وقد زرتها عدة مرات بعد انتهاء دراستي الجامعية.

الإيطاليون متعاونون

أعجبني في إيطاليا التي زرتها أربع مرات التناغم الذي في شوارعها وأبنيتها وأزقتها، زرت إيطاليا مع العائلة وبعد ذلك بمفردي، صحيح أن كل زياراتي كانت إلى العاصمة روما فقط، ولكنني خرجت بانطباع جيد عنها خصوصاً فيما يتعلق بالتناسق العجيب بين الطبيعة والخضرة وهندسة المباني، والشعب الإيطالي متعاون إلى أقصى حد لولا مشكلة اللغة بينهم وبين الآخرين، فقلة منهم من يجيدون اللغة الإنجليزية.

ومع ذلك يبذلون أقصى ما عندهم لتسهيل مهمة السائحين دون أن يضايقوهم، لكن تظل إيطاليا من البلدان التي تعرف كيف تنشط سياحتها بتوفير الخدمات السياحية من حيث الفنادق والمواصلات ونظافة الشوارع، كما أن المتاحف عندهم تستحوذ على اهتمام الزائرين، وهم بدورهم يعرفون قيمة المتاحف عندهم فيحرصون على إظهارها والترويج لها بصورة ممتازة.

البرتغاليون كرماء

في البرتغال مكثت ستة أشهر، كانت رحلة عمل وفي الوقت نفسه تعرفت على طبيعة شعب كريم لأبعد الحدود، فالبرتغالي لا يتركك أبدا إلا بعد أن يطمئن على وصولك إلى وجهتك ولو اقتضى الأمر ان يوصلك بنفسه، فهم لا يكتفون بعملية الشرح والوصف فقط.

ويحاول أن يرضيك بشتى الطرق، وهم بذلك يعكسون تصرفات شعب راقٍ في تصرفاته وتعاملاته مع الضيوف، وما أعجبني في الشعب البرتغالي أيضاً حبه للعمل، ولذلك رأيتهم ناجحين في أعمالهم ومؤسساتهم، ولا عجب أني رأيت مدير مؤسسة يسهر ويسامر عاملاً أو فراشاً عنده، فهذه الفوارق لا تمثل شيئاً بعد انتهاء ساعات العمل الكل سواسية في الحياة الاجتماعية وهذا سر تألقهم ونجاحهم فيما بينهم ومع الآخرين أيضا.

وأظن أن الشعب البرتغالي مترابط اجتماعياً وعلاقاتهم مبنية على الصداقة الخاصة التي لا تشوبها المصالح الوقتية، وأعجبني في البرتغال المراكز التجارية المصممة بطريقة غريبة، ومختلفة، فهم محبون للخضرة ويدخلونها على كل شيء حتى المراكز التجارية، وفي مركز «كريستوفر لكومبي» وجدتهم يستعملون الماء البارد على الزجاج كتكييف طبيعي لكل أرجاء المركز، أما خدماتهم السياحية فهي مكتملة، ولا ينقصها شيء، فهم منظمون في بيوتهم وفي شوارعهم، وأماكن عملهم، وفي مؤسساتهم، مما يترك لديك انطباعاً أنك في مجتمع مثالي.

الاسبانيون أصحاب ملامح عربية

إلى اسبانيا ذهبت ثلاث مرات، وفي كل مرة كنت أقف على أطلال الحضارة الإسلامية التي مرت من هناك، كنت لا أخفي شعوري بالحزن والغضب على ما آلت إليه أمور المسلمين الآن، زرت المتاحف التي تعرض الحضارة الإسلامية وكيف بدأت وكيف انتهت، وبعيداً عن هذه الذكريات المؤلمة فإن اسبانيا بلد جميل، يمتلك طبيعة خلابة وساحرة، مشهورة بموسيقاها المتفردة التي تلاقى استحسانا عند الأذن العربية.

والملاحظ هناك هذه الوجوه ذات الملامح العربية التي تصادفك بكثرة، لدرجة أنك تعتقد انك في بلد عربي أو أنك لم تبارح مدينتك، حتى الأسبانيون يتمتعون بتقاطيع أقرب إلى الملامح العربية، كما أن المطاعم العربية موجودة بكثرة وهذا يشعرك براحة كبيرة هناك، وتبقى الخدمات السياحية عندهم متوفرة وراقية إلى حد بعيد، لكن يظل المرء بحاجة إلى شهور وليس لأيام قليلة حتى يستطيع أن يلم بالمعالم الجمالية في بلد يعج بالمناطق السياحية، والمنتزهات والأماكن الترفيهية.

عادات الخليجيين متشابهة

سفراتي إلى مصر لا أعتبرها سياحية أو بالأحرى هي تخطت هذا التوصيف لأنني أذهب إليها كثيراً في العام الواحد، ولأنها قريبة فأنا أعتبرها محطة لكسر الروتين، وكثيراً ما أذهب إلى القاهرة لأقضى عطلة نهاية الأسبوع، أي لمدة ثلاثة أو أربعة أيام فقط، ورغم هذه الأيام القليلة إلا اننا نقضيها بين القاهرة والاسكندرية.

حيث تذهب في الصباح الباكر إلى الاسكندرية وتقضي اليوم على شواطئها ثم تعود مساء إلى القاهرة، ليل القاهرة جميل، يصعب عليك أن تحدد وجهتك إن لم تكن لديك برامج محددة، فالسينما لها وقتها خصوصاً إذا كان هناك فيلم جديد لبطل تحبه، وكذلك المسرح، أما المقاهي فهي الجانب الترفيهي الذي يزين مساءات القاهرة خصوصاً في حي الحسين الذي يشكل لوحة ناطقة بالحياة، وجوه مختلفة لمصريين وعرب وأجانب، وكل يغني على ليلاه.

وبالطبع زرت المتاحف وجلست في العوامات على شاطئ النيل، وذهبت مراراً إلى منطقة الأهرامات واستمتعت بركوب الخيل، وفي آخر مرة ضحكوا علي وأعطوني حصاناً تعباً لا يستطيع المشي، لكن قفشات السايس هونت الأمر علي إذ راح يتحدث مع الحصان بأن لا يخذله ويفضحه، ولأنني كثير الزيارات لمصر فقد فهمت أجواءها وأناسها.

زيارتي للكويت كانت لرؤية بعض الأصدقاء وبدعوة منهم، وكانت للعمل أيضاً، والكويت بلد يتطور يوماً بعد يوم، وفيها امتزاج لجنسيات متعددة ولكنك لا تلاحظ هذا بسهولة، لأن التجانس بين فئات المجتمع يعكس صورة متناسقة وعموماً أنا زرت معظم دول الخليج وأفضل الذهاب إليها في فصل الشتاء، وقد ذهبت إلى قطر بالسيارة في رحلة قنص مع الأصدقاء، ولا أرى فروقاً شاسعة بين المدن الخليجية، فهي متشابهة إلى حد كبير، كما أن العادات والتقاليد تكاد تكون واحدة، اللهم من مساحة الحرية أكبر في المجتمع الكويتي، وما عدا ذلك فهو متقارب خصوصاً في كرم الضيافة.

الألمان متعصبون للغتهم

فرنسا بلد جميل وراق، وعاصمتها باريس بحق هي مدينة الأضواء، ومع انني زرتها مرة واحدة إلا أنني استمتعت بقضاء وقت العصاري في الشانزليزيه، ففي هذا التوقيت كنت أشعر بمتعة خفية جراء مشهد مكتمل لا أعرف عناصر اكتماله على وجه التحديد، وهناك أيضاً شواطئ جميلة مزدحمة دائماً بالرواد، والملاحظ أن الجهات المتخصصة تبدي عناية كبيرة بالشواطئ ونظافتها على مدار الساعة.

كذلك بهرتني باريس بابنتيها الجميلة المشيدة على طرز معمارية حديثة، ولم ينغص علي شيء في باريس سوى موقف تألمت منه كثيراً، فقد تعرضت لعملية سرقة من أحد المواطنين العرب هناك، كان يعرف أنني عربي، وأنني غريب في باريس أي انني لست مقيماً فيها، وحاول نشر محفظة نقودي ولكنني تمكنت من ضبطه متلبساً واقتدته إلى الشرطة، وتألمي كان لعدم اكتراثه عندما قلت له بأنني غريب هنا ولا أعرف أحداً، فماذا سيحدث إذا اخذت نقودي وتركتني دون مال أو معين، وعدم اكتراثه بما قلت هو الذي دفعني للإصرار على تسليمه للشرطة.

أما زيارتي لألمانيا فخرجت بانطباع بان كل مقومات الحياة موجودة فيها، وتمتع مدنها بطابع مهاري قديم سواء كان هذا في ألمانيا الشرقية أو الغربية، أما الأسعار فهناك فروق بسيطة، بين الاثنتين وأعلاها في مدينة برلين، لكن المشكلة الحقيقية التي يتعرض لها السائح هناك هي اللغة، فالألمانية هي اللغة السائدة ولا مجال للتفاهم بغيرها.

حتى الألمان لا يتعاطون معك بأية لغة أخرى ولو كانوا يجيدونها، فهم يعتزون بلغتهم ويفرضون على الآخر أن يتعامل بها معهم، والحق أنني تفاجأت بتقدمهم الصناعي بعد أن زرت مصانع كثيرة هناك، وهم لا يقلون عن اليابان في مجال الصناعة وجودة منتوجاتهم، لكن ينقصهم الدعاية والإعلان، واعتقد أيضاً أن اللغة هي السبب في ذلك.

أما اليابان نفسها فقد زرتها ومكثت فيها ثلاثة أشهر، وكم عانيت طوال هذه الفترة، فقد استأجرت غرفة بسيطة بما يوازي 2000 درهم في اليوم الواحد، وهذا مؤشر على ارتفاع الأسعار في اليابان، كانت رحلة عمل اضطرارية، لكنها شهدت احداثاً مرعبة لمن كانوا معي، فقد كانت غرفتي في الطابق 17، وحدث زلزال اضطر من كانوا معي أن يهربوا عن طريق السلالم، ونادوني أن أذهب معهم لكنني رفضت وبقيت في غرفتي، اما الهاربون فقد وجدوا ان الزلزال قد هدم السلالم وأصيب بعضهم.

نفس الأمر حدث معنا عندما كنا في رحلة لمحمية في إحدى الجزر حسب البرنامج، وفي طريق عودتنا من أعلى سفح الجبل كان من المفترض أن نستقل وسيلة مواصلات معلقة، لكنني رفضت وفضلت أن أستمتع بوقتي بين الأدغال، وحدث أن سقطت الكابينة المعلقة وأصيب من فيها، فوصفني البعض بأنني محظوظ باختياراتي.

في رحلاتي السياحية المتعددة بقيت روسيا التي ذهبت إليها من دون تخطيط، وكنت وحيداً فخفت أن يحدث شيء في بلد لا أعرف فيه إنسانا، زرت الكرملين، وعجبت من الروس الذين يأكلون الآيس كريم في الشتاء القارص عندهم، لكنني لم أستطع الخروج بانطباعات كافية عن روسيا لأنني عدت منها سريعاً، وتبقى البلدان التي أزورها باستمرار وهي أميركا وتركيا لان لي فيها ذكريات كثيرة.

والهند هي البلد الوحيد التي لم أزرها، فقد قمت بزيارة معظم الدول الأوروبية والعربية وأميركا اللاتينية، وأنا عادة لا أحمل معي شيئاً أثناء سفري باستثناء الأدوات الشخصية وملابسي، حتى الكاميرا لا أحملها واستعين بكاميرات الأصدقاء أو كاميرا الهاتف، كذلك لا أحضر على الا الهدايا التي تمثل ذكريات من البلدان التي أزورها.

عزالدين الأسواني