بين علمين نبغا فيهما العرب نشأت تالا ديونيزي قرينة السفير الايطالي لدى الدولة التي ولدت في بيروت لأبوين اختارا التعليم مهنة لهما، فالأب هو الدكتور فؤاد سليم أستاذ الأدب العربي الذي تخرج على يده العديد من الأجيال اللبنانية منها من بلغ مكاناً مرموقا في الساحة الأدبية والإعلامية، والأم أستاذة الرياضيات في المدارس الثانوية والتي تخرج أيضاً على يدها أجيال بينها من عمل في شغل مراكز حيوية في الحياة.
وسط هذا البيت المحب للعلم والتعليم عرفت تالا معنى أهمية العلم في رقي البشر وتقدم المجتمعات وبناء الحضارات، ومن الطبيعي ان يكون «أبن الوز عوام» فلم تكتف فقط بالحصول على شهادة البكالوريوس، بل زاد طموحها العلمي لما هو أكثر، وتابعت بإصرار دراستها لتحصل على ماجستير في الإعلان والتسويق وربما تحمل لنا السنوات المقبلة نبأ نيلها شهادة الدكتوراه. وحين أصاب قلبها سهم كيوبيد تزوجت من اختاره قلبها، وانتقلت للعيش معه في روما، وهناك استطاعت ان تتكيف سريعا مع المجتمع الايطالي الذي يشابه كثيرا المجتمع اللبناني، حيث جغرافية حوض البحر الأبيض المتوسط تجعل شعوبه يتشابهون كثيرا في الشكل والملامح والصفات والسلوكيات، وعندما أنجبت أبنتيها شعرت بأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة في حياتها، منحتها مزيدا من النضج والمسؤولية،بجانب مسؤولياتها زوجة دبلوماسي يقع على عاتقها مهام أخرى لابد من القيام بها.
وتالا هي البنت الوسطى لثلاث أخوات نلن جميعا رعاية متساوية من الأبوين اللذين لم يفرقا بينهن، وتعاملا معهن كصديقات، وتأثرت تالا بوالدتها كثيرا وتعتبرها الملاك الحارس الذي حماها وحصنها ومنحها كل السبل الجيدة لتواصل حياتها بأمان، وحتى بعد أن تزوجت تالا ما زالت كالطفلة الصغيرة التي تتوق دائما إلى حضن أمها الذي يمنحها مزيداً من العطف والحنان. كذلك والدها الدكتور فؤاد سليم، فهو بالنسبة لها القدوة والمثل الأعلى الذي تتمني أن تسير دائما على دربه في الحياة. فكثيرا تشعر بالفخر عندما يعرف الناس أنها ابنة هذا الرجل الذي تتلمذت على يده أجيال لبنانية، وتشعر بالزهو عندما ترى شخصيات مرموقة تخبرها بأن لوالدها يعود الفضل فيما وصلوا إليه. ووسط تلك العائلة تعلمت تالا الحب والاحترام، والتضحية، وتربت على العادات والتقاليد والأخلاق والقيم،وتعلمت أن الحياة أجمل بالطموح وتحقيق الأهداف وأن ما يزرعونه اليوم من خير يحصدونه في الغد خيرا أوفر.
وعملت تالا بعد تخرجها مديرة للتسويق والإعلان في تلفزيون المستقبل، ومن خلال عملها تعرفت على باولو ديونيزي الذي كان يعمل مستشاراً في السفارة الايطالية في بيروت في الفترة من عام 1998م إلى 2001م. وجمع الحب بين قلبيهما، ووجدت تالا أنه لا يوجد فرق كبير بين كونها عربية وبين باولو ديونيزي الايطالي الجنسية، فهناك تشابه، وتنامت قصة الحب واختار الحبيبان أن يكملا الحياة سوياً، وأن يشتركا معا في العمر والمستقبل، وتوجا قصة حبهما بالزواج عام 2001م، وسافرت تالا بصحبة زوجها باولوديونيزي إلى روما حيث تولى عمله مستشاراً دبلوماسياً لرئيس الوزراء الايطالي. عندما تركت لبنان الوطن الأم لتعيش بصحبة شريك عمرها في ايطاليا، تقول مع التطور الكبير في وسائل الاتصال بين العالم، ومع انتشار الفضائيات والأقمار الاصطناعية التي جعلت العالم قرية واحدة، لم يعد هناك مسافات بين بلدان المعمورة، فقد تركت بلدي بجسدي إلا أنني أحن إليها وأحبها، وإذا لم أكن أحب بلدي وشعبي لن أحب بلداً آخر ولا شعباً آخر ولن يكون لي انتماء بأي شكل من الأشكال، وهذا ما أردده دائما.
أعتقد أننا جميعا في كافة أنحاء المعمورة لم نعد نرى أن هناك أماكن بعيدة لاتصلنا أخبارها، وهناك صعوبة في الوصول إليها، كما أن الحب يلغي جميع المسافات، وحبي لزوجي جعلني أحب الحياة معه في أي مكان في بقاع الأرض، كذلك هناك تقارب كبير بين الشعب اللبناني والشعب الايطالي، فلم أجد صعوبة مطلقاً في التكيف السريع في الحياة في ايطاليا، وقد علمت نفسي اللغة الايطالية خلال تعاملي مع الناس في الشارع والأسواق، ومن خلال مشاهدتي للتلفزيون، ونظرا لإجادتي للغة الفرنسية، لم أجد صعوبة في التحدث بالايطالية.
الألفة والأمان في الإمارات
ثم كانت الإمارات أول محطة لزوجي كسفير يمثل بلده، وهي فرصة جيدة بالنسبة لي أن أعبر عن إعجابي وتقديري وحبي لهذه الدولة العظيمة، فقد عشت على أرضها منذ عام واحد، إلا أنني أشعر فيها بألفة غريبة وكأنني عشت فيها عمري بأكمله، فإعجابي بها يزداد يوميا.
كما وجدت أن شعب الإمارات يمتلك خصالاً طيبة وحميدة، وأريد أن أسجل إعجابي الشديد واحترامي اللا متناهي بسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك فهي بحق أم الإمارات متعها الله بالصحة والعافية وأطال عمرها، فهي تشمل الجميع برعايتها وحبها وعطفها، وتحرص دائما على التواصل مع بنات شعبها، وبصماتها واضحة في مسيرة المرأة الإماراتية التي استطاعت أن تحقق الكثير من الانجازات في مجال العلم والعمل، وتولت مناصب وزارية ودخلت البرلمان، ويعود الفضل لدعم الشيخة فاطمة بنت مبارك وحرصها على أن تتبوأ بنت الإمارات مكانة عالية ومرموقة ليس في وطنها فقط بل على مستوى العالم بأكمله.
كذلك أجمل ما في هذا البلد الطيب هو نعمه الأمن والأمان، ويكفي أن أذكر أنني ولأول مره في حياتي أخلد إلى النوم دون أن أطمئن على إغلاق بيت المنزل جيدا.
لزوجة السفير عمل جاد يتطلب منها الكثير من الوقت والجهد والتضحية، فبحكم موقع زوجي لدي الكثير من الواجبات الاجتماعية والسياسية، وأول واجباتي تبدأ من داخل بيتي حيث يجب علي أن أقوم بتأمين الراحة والمناخ الأسري اللائق بزوجي وابنتاي، إضافة إلى استقبال البعثات التي تأتي من ايطاليا في زيارات رسميه للإمارات.
واستضافة تلك الوفود والاهتمام بها، وتعريفهم بالإمارات وحضارتها وتراثها ومن مهامي أيضاً حضور المناسبات الاجتماعية والبروتوكولية التي تصنع نوعا من التآلف والتقارب بين الشعوب وتوطيد العلاقات، فلا يوم يمر دون حضور مناسبات وطنية أو استقبال شخصيات مهمة من الدول المختلفة، إضافة إلى التعريف بحضارة بلدي ايطاليا.
الاهتمام بالأعمال الخيرية
للدبلوماسية هيبتها، وتحمل معاني كثيرة مثل الذكاء وحسن التعامل مع الآخرين وتقبل الرأي الأخر والتعارف والاحتكاك بالثقافات الأخرى مما يجعلني أتقبل جميع المستجدات بطريقه دبلوماسية.
كما أن منزلنا هو بيت الايطاليين جميعا، فنحن هنا في الإمارات من أجل رعاية شؤؤن الجالية الايطالية التي تعيش على أرض الإمارات، وبجانب واجباتي السابقة، أهتم كثيرا بالأعمال الخيرية من خلال الانتساب للجمعيات التي تهتم بتلك الأمور خاصة في مجال رعاية الأيتام أو ذوي الاحتياجات الخاصة، كذلك فأنا في بلدي ايطاليا عضو في مجلس إدارة العديد من الجمعيات الخيرية.
كذلك فأنا عضو في لجنة زوجات السفراء في الإمارات، وهي لجنة مختارة يقع على عاتقها العديد من الأعمال الاجتماعية والبروتوكولية كزوجات للدبلوماسيين، وقد استضفت في فترة سابقة في منزلي نخبه من سيدات الأعمال في ايطاليا، اللواتي عرضن جزءاً من أنشطتهن التجارية مثل صناعه وحياكة الدانتيل وصناعه المورانو واللوحات الفنية، والمنحوتات، حضرته زوجات السفراء داخل الدولة وسيدات الأعمال الإماراتيات وقد نالت المعروضات الخاصة بهن الإعجاب، وتم عقد عدد من الصفقات التجارية في تلك الزيارة.
في خطتي المستقبلية العديد من الأنشطة سأعلن عنها فيما بعد تهدف إلى الاتصال والتلاقي بين المرأة الايطالية والمرأة الإماراتية في أنشطة ولقاءات متعددة تهدف إلى التعارف بين المرأة في بلدي ايطاليا وبين المرأة الإماراتية.
بنتان تتحدثان أربع لغات
وتعتز تالا ديونيزي كثيرا بدورها كأم لطفلتين ياسمينا في الخامسة من عمرها، ويارا التي تصغرها بعام واحد، وتقول الأمومة أجمل الأدوار التي تلعبها المرأة في الحياة، أحاول دائما أن امنحهما قدرا كبيرا من الرعاية والاهتمام، وأحرص أن تكون علاقتنا قائمه على الصداقة والمحبة والاحترام والتفاهم، فلكل مرحله سنية أسلوب خاص للتعامل وتعد مرحلة التنشئة في السنوات الأولى من العمر من أهم المراحل العمرية في حياة الإنسان حيث الاهتمام بحسن التربية ينشأالطفل سليما خاليا من العقد والاضطرابات النفسية، فضلا عن الاهتمام أيضاً بصحته وقوة جسده.
كذلك تلعب تلك المرحلة دورا مهما في تكوين شخصية الانسان وتنمية مهاراته، وصداقاته وغيرها من الأسس التي يجب ان تكون سليمة والبنات ليست بحاجة إلى ام مسيطرة ولكن إلى ام صديقة تحسن الانصات لهن، وتمنحهن الثقة بالنفس لمواجهة الحياة فيما بعد.
فأنا اسعى دائما إلى تعليمهم القيم والأخلاق والعادات والتقاليد وكيف يجب عليهما احترام الغير؟ وتقبل الآراء المعارضة وأسعى دائما إلى تنمية وعيهما للنظر إلى الامور بشكل موضوعي وان تفتخرا دائما بحضارتهما الايطالية العريقة.
وتشير تالا ديونيزي إلى ان ابنتيها هما نتاج للمزج بين الحضارتين العربية والايطالية وهما تشعران بالفخر دائما لانهما كذلك بجانب كونهما ابنتين لأب ديبلوماسي يحمل على عاتقه واجبات مهمة فوق العادة ولديهما فرصة أكبر بحكم تنقل والدهما للعمل كسفير لايطاليا للتعرف على العديد من الجنسيات الأخرى بثقافاتها وحضاراتها مما يزيد من معرفتهما ويزيدهما ثقة بالنفس كما انهما يجيدان حتى الآن أربع لغات الايطالية والعربية والفرنسية والانجليزية ولا ادري ربما تضاعف هذا العدد ليتناسب مع البلدان التي سنذهب إليها.
وتلك أيضاً فرصة عظيمة بالنسبة لي للتعرف على شعوب وحضارات ربما لم تتح لي مثلها في حياتي كلها اذا لم اقترن بالزواج من ديبلوماسي والتعرف على جنسيات اخرى يجعلني اتعلم لغاتهم وهذا أيضاً يضيف لي الكثير واعتبر ذلك افضل وسيلة للتعلم والانفتاح على العالم.
لا فرق بين المرأتين
وتؤكد تالا انه لايوجد فرق شاسع بين المرأة الايطالية والمرأة العربية فكلتاهما تنتمي إلى بيئة تنعم باحترام العائلة وتتمسك بالحياة العائلية وهناك صفات مشتركة اخرى بين المرأتين فهما تحبان التميز والرقي والاهتمام الفائق بالانوثة والجمال والمظهر فكل امرأة ايطالية تستطيع ان تكون عربية والعكس صحيح.
وعن دور المرأة الايطالية في مجتمعها تقول تلعب المرأة دورا مهما في كافة مناحي الحياة وعملت في معظم المواقع فهي تشغل العديد من الوظائف واعتلت اعلى المناصب الادارية والحكومية والسياسية ومنهن طبيبات وجراحات وايضا لهن دور فعال في الجيش الايطالي ومازال هناك امكانية لتوليها مناصب مهمة فالمرأة الايطالية تسير بخطواط واثقة في طريق المساواة مع الرجل.
وتشير تالا ان ايطاليا ليست فقط بلد الفنون ولكنها بلد الحضارة الحضارة العريقة وجميع الحضارات مرت بايطاليا واثرت فيها وتأثرت بها وان 60% من التحف الفنية وحسب دراسة اليونسكو موجودة في ايطاليا وهي من اعمال كبار الفنانين الايطاليين.
فايطاليا وطن الحضارة والعلماء والمبدعين والمخترعين ومن كان ليس ايطاليا وتصادف ان عاش في ايطاليا وفرت له البيئة كل السبل ليبدع في مجالات عديدة فالمناخ هناك يظهر ابداعات البشر وروما في حد ذاتها متحف مفتوح يمكن للناس ان يروا عبق التاريخ وروعة الحضارة خلال الشوارع والمباني وكل مدينة في ايطاليا لها طابع معماري فريد يبهر الانظار ويأخذ الالباب.
وتشير تالا إلى المطبخ الايطالي قائلة: ان للمطبخ الايطالي شهرته الفائقة في جميع انحاء العالم لما يحتويه من اطباق جميلة ومميزة منبعها الاصلي من ايطاليا وسر نجاحه انه طعام شهي وصحي في الوقت نفسه فحتى اسهل الاطباق مثل الاسباجتي مثلا والذي يحتوي على الاسباجتي والحبق وزيت الزيتون وهو من أكثر الاطباق الذي يمكن ان نعمل عليها وليمة وهو بسيط وغني بمكوناته وصحي في الوقت نفسه وفي مطبخ بيتي اسعى للمزج بين المطبخين اللبناني والايطالي فكلاهما يتمتع بشهرة واسعة في العالم، وأعتقد أنني بالفعل محظوظة لتلك التركيبة الجميلة.
وتضيف أما عن أثاث منزلي فهو إيطالي الصنع، ومن المعروف أن الايطاليين برعوا أيضاً في صنع الأثاث الذي ذاع صيته في العالم كله، وقد نقلت جميع أثاث بيتي من روما إلى أبوظبي، حتى لا يتغير شيئ على بناتي، فشعرت البنتان وكأنهما لم تغادرا منزلهما في ايطاليا، حتى أنهما يتساءلان دائما هل سافر بيتنا معنا؟
وأثاث منزلي هو كلاسيكي، حيث يعجبني كثيراً هذا النوع من الأثاث الذي يعد موضة دائمة، ولا تبطل موضته بمرور الوقت، بل على العكس كلما مر عليه الزمن كلما ازدادت قيمته وارتفع ثمنه، وبجانب اللوحات الفنية التي أقتنيها في منزلي لأشهر الفنانين التشكيليين الايطاليين، توجد لوحات تعبر عن البيئة العربية لفنانين تشكيليين عراقيين ولبنانيين.
إيمان قنديل



