مرّ التعليم في الدولة بمراحل عدة، ارتبطت بتطور الوسائل التعليمية تدريجياً مرحلة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى أوجها وحالتها التي نشهدها اليوم. هذا هو الرصيد الحضاري الذي تجسده صورة الإمارات في المحافل الدولية، وهو الموروث الأكبر الذي يبقى ثروة للأجيال المقبلة من أبناء هذا الوطن.
وللتعرف على هذه المراحل في الدولة بشكل عام وفي إمارة عجمان بشكل خاص التقت (مرايا البيان) عبيد سيف المطروشي مدير منطقة عجمان التعليمية وعضو المجلس التنفيذي لإمارة عجمان وهو من مواليد 1960، بدأ حياته العملية في منتصف نوفمبر 1979 معلماً بمهنة معلم بعد توقفه عن متابعة دراسته في جامعة الإمارات، وصدور قرار وزير التربية والتعليم آنذاك الدكتور سعيد سلمان بالسماح لحملة شهادة الثانوية العامة بالعمل في مهنة التدريس.
لم تتجاوز دراسة المطروشي الجامعية شهراً واحداً ولم يكن قد تأقلم على الحياة فيها، ففضل أن يغادرها ويخوض الحياة العملية، فعمل مدرساً للغة العربية للصف الثالث الابتدائي، وكان للمهنة في تلك الفترة قدرها، وكان عدد المواطنين الملتحقين بها كبيراً جداً، واستمر في تدريس المادة سنتين التحق أثناءها بدورة تأهيل تربوي استمرت سنتين أيضاً بهدف تطوير المعلم وأدائه وإعداده بشكل صحيح ليكون قادراً على إدارة الفصل.
وبعد هذه الدورة ترقى المطروشي وأصبح مشرفاً تربوياً في العام 1981 في المدرسة نفسها سنة واحدة، أصبح بعدها مساعد مدير. وفي عام 1982 أصبح مديراً لمدرسة الحميدية الإعدادية. وفي 1983 سجل في جامعة بيروت وحصل على بكالوريوس في التاريخ وبقي مديراً لمدة 21 سنة، تنقل خلالها في مدارس عدة، منها مدرسة الحسن البصري الابتدائية والراشدية للتعليم الثانوي. وهو المواطن الوحيد الذي تدرج في المناصب واحداً تلو الآخر من مدرس حتى وصل إلى مدير مدرسة، ثم أصبح مديراً لمنطقة عجمان التعليمية، وحصل على جائزة خليفة للمعلم المتميز سنة 2000.
البدايات في الكتاتيب
يقول المطروشي إن التعليم بدأ في الإمارات عن طريق المطوعين والكتاتيب وتختلف هذه التسمية حسب المكانة العلمية للمطوع، منها المتداولة والشيخ والملا والمطوع، الذي يجمع حوله الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سبع سنوات وأغلبهم من الذكور، ويعقد حلقات دراسية في بيوتهم أو في أحد المساجد ويعلمهم قراءة القرآن وتجويده.
كما كان للكتاتيب أثر كبير في التأسيس للعلوم المختلفة، كالفلك الطب والرياضيات وغيرها، وكان الفضل في ذلك للقرآن الكريم الذي هو أساس نشر العلوم والحضارة. أما الهدف من إنشاء الكتاتيب فهو محاربة الجهل وتحفيظ القرآن وترسيخ العقيدة الإسلامية وربط الأجيال المسلمة مع بعضها البعض وتعليم فنون الكتابة والخط العربي.
وأضاف المطروشي إن الطفل يتلقى تعليمه من المطوع لست سنوات، وهو نفسه تعلم على يد مطوعة اسمها «شيخة»، وبعدها انتقل إلى مدرسة الراشدية وهي أول مدرسة في إمارة عجمان تأسست سنة 1958، ويذكر أن المدرسة كانت صغيرة جداً، وتوجد شعبتان فقط في كل فصل، وعدد الطلاب قليل وفيها ساحات لممارسة الأنشطة الرياضية المختلفة، ومنها كرة اليد والقدم والطاولة التي لم تكن مقتصرة على فئة أو عمر معين.
أنهى المطروشي دراسة المرحلة الابتدائية في المدرسة ذاتها والإعدادية في المعهد العلمي الإسلامي، لأن منهاجه كان أوسع ومن ضمنه سبع مواد شرعية إضافة إلى المنهاج العام ومن هذه المواد، التذكير والحديث والسيرة النبوية وتفسير القرآن الكريم.
كانت وزارة المعارف الكويتية هي المسؤولة قبل قيام دولة الاتحاد عن التعليم وكان الإشراف والمتابعة عن طريق مكتب التطوير التابع لها، الذي يزود المدارس بالكتب والمعلمين ويشرف على إعدادهم، وكان على رأس المهتمين بهذا الموضوع صاحبا السمو المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.
الدولة تنهض بمسؤوليها
وبعد اتحاد الإمارات السبع سنة 1971، زاد الاهتمام بالتعليم وقامت الدولة بواجبها نحوه واستقلت بشكل كامل وأصبح لها وزاراتها الخاصة التي تتابع تطور التعليم وترسم الاستراتيجية التعليمية.
ويتحدث المطروشي عن المتغيرات التي حصلت في مجال التعليم منذ سنة 1979 عندما بدأ مدرساً إلى يومنا هذا: لم تكن توجد في إمارة عجمان سوى ثلاث أو أربع مدارس وكانت المباني الدراسية صغيرة جداً والمكتبة متواضعة تضم عدداً قليلاً من الكتب ولا يوجد ساحات للأنشطة غير الساحات الترابية، وكان ثلاثة طلاب يجلسون على المقعد نفسه ويمكن أن يجتمع في الفصل من 40 إلى 45 طالباً، وغرفة جلوس واحدة لجميع المعلمين يشاركهم فيها مساعد المدير.
كما كانت الإمكانيات المتاحة قليلة والمعلم يستند في شرحه فقط إلى الكتاب والسبورة، وبعضهم كان يضطر في معظم الأوقات إلى تدريس جميع المواد لطلاب الصفوف الابتدائية، لأن المناهج الدراسية كانت سهلة وبسيطة وتعالج مشكلات قليلة، ورغم أن بعض المدارس لم تكن فيها كهرباء، إلا أن اهتمام الأهالي بالتعليم في ذلك الوقت أكبر، وكانوا يعرفون جميع المدرسين ويتابعون أبناءهم، كما أن قابلية الأبناء للدراسة سابقاً كانت أفضل من وقتنا الحاضر.
وأضاف المطروشي قائلاً: الأنشطة المدرسية كانت متنوعة، لأن اعتماد الطالب على نفسه كان أفضل من الآن بالإضافة إلى ممارسة الأنشطة الرياضية ولعب الكرة بأشكالها وكان الطلاب يشكلون فرق الكشافة التي تشرف على أسبوع المرور وتنظم رحلات داخل وخارج الدولة ومعسكرات للتخييم أثناء العطلات المدرسية وكانت توجد ضمن فريق الكشافة مجموعة تسمى الجوال وهي درجة أرفع بعض الشيء، حيث كان الطلاب يقومون بحمل أمتعتهم على ظهورهم والسير لمسافات طويلة، بهدف التعايش مع الطبيعة.
أما في وقتنا الحاضر فيوجد في الإمارة 42 مدرسة حكومية و20 خاصة تواكب التطور والحياة العصرية، تحتوي على ساحات وملاعب كبيرة آمنة وصالات رياضية مغلقة، كما إن الفصول أصبحت نموذجية أكثر وتضم عدداً قليلاً من الطلاب ومساحة كافية للحركة تحقق لهم استقلاليتهم.
كما إن المناهج أصبحت أشمل وتعالج تقريباً جميع مشكلات وجوانب الحياة، والإمكانيات المتاحة أكبر ومتطورة، فأصبح المعلم يشرح المنهاج مستعيناً بالوسائل الحديثة مثل العرض المرئي للمعلومات والأفلام مع أن طباعة الكتب تطورت وأصبح شكلها يجذب الطلاب، والمكتبات تطورت ولم تعد مجرد كتب بل ومراجع وأقراص تعليمية وكمبيوترات والرحلات المدرسية تغيرت، في السابق كانت حديقة الحيوانات في منطقة جميرا وحدها هي مقصد الرحلات.
ونظام الامتحانات أصبح الآن أعم وأشمل ويسهل على الطلاب تحصيل نتائج، والهدف منه حرص الوزارة على تقديم الأفضل للطالب ومتابعته منذ بداية الفصل الدراسي وإعطائه الفرصة ليقيم نفسه وتأهيله للخوض في جميع المجالات، ومن أهم فوائد هذه التطورات أنها سهلت على المعلم ووفرت له وقتاً وجهداً كبيرين، لكن من سلبياتها أنها فتحت المجال للطالب أن يعبث في الوقت ويتسلى، خصوصاً في ظل غياب وعدم متابعة الأهالي لأبنائهم وانشغالهم في تأمين متطلبات الحياة.
وعن الأنشطة المدرسية المستحدثة في وقتنا الحاضر، قال المطروشي: الأنشطة الرياضية زادت ودخلت أنشطة جديدة للمدارس مثل ألعاب القوى، لكنها أصبحت بشكل مقنن، لأن الحاسب الآلي حل مكان الطالب وأصبح يستعين به في جميع المجالات.
المعلم الناجح هو الذي يعمل ولديه درجة كبيرة من الإقناع وقادر على خلق علاقة طيبة بينه وبين الطلاب ويستطيع فرض شخصيته أثناء الحصة الدراسية ويتمتع بسرعة البديهة، التي تمكنه من معالجة المواقف الطارئة بشكل صحيح، والإلمام بمادته، لأن هذا العمل ليس مهنة، بل تأدية رسالة وواجب، لذا نجد الآن عدد المدرسين الذكور قليلاً جداً ونسبة التوطين لا تزيد على 1% عكسه عند الإناث فهو يصل إلى 95%.
وهذا يعود أيضاً إلى وجود عروض ورواتب أفضل، مع العلم أن الدولة مهتمة جداً بمجال التعليم وفتحت الأبواب على مصاريعها لتطوير المعلم والطلاب ومنحتهم الفرصة والدعم، وذلك بتنظيم دورات تدريبية ومنها، دورة اللغة الإنجليزية تحت إشراف السفارة الأميركية في أحد المعاهد التابعة لها، كما تم تكريم المشاركين فيها في أبوظبي بحضور السفيرة الأميركية والدكتور جمال المهيري وكيل الوزارة.
وتسعى الاستراتيجية التعليمية إلى إحداث تغيير في مفاهيم وأساليب وممارسات التعليم والتحول من الكم إلى الكيف وتسليط بؤرة الارتكاز من التعليم إلى التعلم ومن المعلم إلى المتعلم ومن الحفظ والاستظهار إلى التفكير والتأمل والتخيل والابتكار.
والتركيز على بناء الشخصية الواعية بمصير أمتها والقادرة على فهم دينها بعيداً عن التعصب والتطرف وقادرة على التكيف مع التغير والتحاور مع ثقافة الآخر، كما إن سياسة حكومتنا الرشيدة تركز على أساس أن أعظم استخدام للثروة هو استثمارها لخلق أجيال متعلمة. وهيأت للمرأة الإماراتية فرصاً تعليمية قيمة، فغدت الطالبات يمثلن أغلبية في جميع مستويات التعليم العالي، وأتاح التعليم لهن فرصاً للمشاركة إلى جانب الرجل في تنمية البلاد.
سمانا النصيرات