عائشة محمد النعيمي رأت بعضاً من صعوبة الحياة في العين، إلا انها شاهدت كذلك التطورات التي حدثت بسرعة مذهلة في المدينة وهي تشعر بمزيد من الفخر والسعادة لفوز مدينتها بثاني أجمل مدن العالم، وتؤكد ان ذلك ليس بجديد على العين فهي منذ القدم هبة الأفلاج، وكانت عائشة شاهدا على تحول بيوت السعف إلى فيلات جميلة.

وعلى التداوي بالأعشاب الذي لم يكن مجدياً مع معظم الأمراض، إلى أرقى المستشفيات التي تضم أحدث الأجهزة الطبية وأفضل العناصر من الأطباء والمتخصصين، وعرفت أنه لم يعد هناك معاناة مع الأمراض كما كان في السابق، كما تابعت ازدياد خضرة العين التي امتلأت بالمزارع التي امتلكها الأهالي ونجحوا في زراعتها بالخضراوات والفاكهة التي نحتاج إليها وكنا نستوردها من قبل من البلاد المجاورة، وشاركت أولادها فرحتهم وهم يزورون حديقة الحيوانات ومدينة الملاهي.

وعائشة التي تعمل في قرية التراث في أبوظبي، في صناعة التلي، لم تذهب يوما إلى المدرسة إلا أنها حفظت القرآن الكريم على يد مطوعة كبنات ذلك الوقت، وتتباهى بأنها استطاعت تعليم أولادها جميعا. وتفخر أيضا ان التعليم شمل الجميع ولم يفرق بين البنت والولد، بل أصبح متاحا للجميع بالمجان، وتفخر كذلك بأن العين ضمت أول جامعة في الإمارات، ومنها انطلق أبناء الدولة للعمل في كافة الوظائف.

تقول عائشة النعيمي المولودة في واحة البريمي: لم نكن نعاني من ندرة المياه على العكس كانت تتواجد لدينا بوفرة، وتلك نعمة من الله سبحانه وتعالى، وكان أهل أبوظبي يلجأون إليها هربا من الحر والرطوبة ومن أشهر الصيف التي لا يستطيع تحملها إنسان، وكانوا يقدمون إلى العين في قوافل ويعيشون معنا طوال شهور الصيف ثم يعودون ثانية إلى مدينتهم عندما يحل الشتاء وكان الوصول إلى العين كما سمعت أمرا في غاية الصعوبة، حيث يعاني الناس كثيرا من أهوال السفر وهم يسيرون بالجمال في طرق وعرة صحراوية مليئة بتلال الرمال.

وكانت البيوت في العين مصنوعة من الطمي وسعف النخيل وكانت محدودة العدد ومعروف من يسكنها، وكان السوق كما سمعت من أمي عبارة عن دكاكين صغيرة مبنية من الطين ولا يتجاوز عددها الثمانية ومسقوفة بسعف النخيل، وكانت ضيقه جدا لا تسمح للمرور فيها بشكل جيد، وكان الناس يتعاملون في السوق بالمقايضة، فمثلا يتبادل الناس الملابس مقابل السكر والطحين.

العين مصيف العائلات

وكانت العائلات التي تذهب من أبوظبي إلى العين تؤجر الجمال لتحمل النساء والأطفال ومعهم المفروشات والمؤن والغذاء وتنطلق إلى العين وتستمر ربما أسبوعين في الوصول، وكانت تتبع القافلة الأولى قافلة أخرى من الأغنام والماعز خاصة بالعائلة، وخلال السفر كانوا يتعرضون أحياناً للمرض أو الموت، وكان بعض الناس يمتلكون مزارعاً يقضون فيها أشهر الصيف، والآخرين يستأجرون العرشان من المزارعين، ومعها يستأخرون عدة أنواع من النخيل للاستفادة من ثمارها طوال شهر الإقامة في المزرعة، وكان إيجار النخلة روبيتين تقريباً.

وتضيف عائشة لم أر هذا إلا أنني سمعته من أمي وأبي وكبار العائلة، انه كانت هناك خمس طرق للقوافل تتجه إلى العين من نزوي، وداخلية عمان وأبوظبي وقطر والسعودية، ولم تكن العين واحة واحدة بل عدة واحات لها اسماء مختلفة وهي العين والجيمي والقطارة والمعترض والمويجعي وهيلي وحماسة وصعراء والبريمي.

وكان أهل العين يشترون الحطب من البدو الذين يأتون بجمال تحمل الاحطاب بحوالي 42 روبية لحمولة عشرة جمال تقريباً، وكانت تقام سباقات للجمال، وكانت هناك ما يسمى بسباق العريس وفيه يتبرع العريس بألف درهم للجمل الذي يفوز في السباق، وينطلق السباق من عند بيت العريس وينتهي أيضاً عنده باستقبال حافل يعطون فيه الفتى الفائز الجائزة وهم يصبون الزعفران والطيب. ولم تكن في العين مشكلة في المياه.

حيث إنها تعج بالأفلاج التي منحت العين الاخضرار وجعلت سكانها يزرعون الأرض، وسبحان الله الذي من علينا بالنخيل الذي كنا نأكل منه أشهى الثمار، وتضيف عائشة كان الأولاد يتعلمون عند المطوع مقابل خمس بيزات، وعند ختم القرآن كان المطوع يركب حماراً ويجوب الفريج مع الأولاد ويجمع من البيوت بعض الحبوب والنقود.

أما فيما بعد فقد افتتح الشيخ زايد رحمه الله أول مدرسة للتعليم في الستينات، كذلك لم تكن بالعين مستشفيات لعلاج الناس وكانوا يتداوون بالطرق الشعبية إلى أن فتحت، بناء على تعليمات (زايد) أول مستشفى لعلاج الناس وكان به طبيب أسمه كندي وزوجته تعمل طبية أيضاً وكانت تعالج النساء وتساعدهم على الولادة، وهذا جعل دور الطب الشعبي يتضاءل لأنه لم يكن يستطيع معالجة كل الأمراض التي يعاني منها الناس.

وكانت في العين سينما كبيرة حيث يتجمهر الأهالي مساء كل يوم خميس في الساحة لمشاهدة فيلم سينمائي وبدون مقابل مادي، ثم يرقصون بعده رقصة (العرضة). وتضيف عائشة هكذا كانت العين في الستينات، إلا أنها تحولت إلى مدينة جميلة فيما بعد، بها الحدائق والمصانع والجسور والمتاحف والمراكز التجارية والأماكن السياحية، والجامعة.

التلي موضة دائمة

وتعمل عائشة في نادي تراث أبوظبي في صنع التلي، وهو عبارة عن شريط مزركش بخيوط ملونة أو خطوط البريسم، وخيوط فضية متداخلة في بعضها، وهي تستخدم الكاجوجة وهي عبارة عن قطعة معدنية يوضع عليها مسند صغير بيضاوي، وتقول عائشة: إن التلي تزين به النساء الجلابيب، ومازال موضة حتى الآن وهو نماذج: (بوفاتلة، بوفاتلتين، بوتلات، الغول، بروج، رأس بلوي).

وتستخدم هذه الأنواع في تزيين الأثواب التقليدية، مثل الكندورة، وهي عبارة عن فستان للسيدات وكانت قديماً تستخدم له أقمشة مثل (بوطيرة، جف السبع بوكليم، بونيرة، ميدة، بودكة، سلطاني). كذلك يستخدم التلي في الثوب وهو يلبس فوق الكندورة وأقمشته زمان (بوطيرة والرفرف وغيرهما).

كذلك السروال ويستخدم في تزينه البادلة، وتكون عبارة عن تلي بأشكال عديدة ومتنوعة ومنها قطع عريضة عكس التلي المستخدم في عمل الكندورة والثوب.

كذلك نستخدم التلي حاليا في تزيين أشياء كثيرة مثل غلاف المكاكمل، أغلفة النظارات، الإيشاربات الحديثة، فرش السرير، تزيين علب العطور وغيرها.

ووجودي لصناعه التلي في قرية التراث يهدف إلى تعريف الأجيال الحالية بالصناعات التقليدية، كذلك الزائرين خاصة الأجانب الذين ينبهرون به كثيرا.

إيمان قنديل