يبتدئ مفهوم السفر بالتشكيل عند يارا معلا مديرة المشاريع الفنية في المجلس الثقافي البريطاني في الإمارات، منذ الرحلات الصيفية البعيدة التي كانت تقوم بها برفقة العائلة، متنقلة ما بين بيت جديها.
الرحلة الحلم التي كانت تنظر إليها كرحلة حرية تمتد ما بين المدينة المطلة على أزرق الفرات الشفيف إلى بيت جدها المطل على أزرق المتوسط العميق، وهي ترقب من نافذة الحافلة التي تقلها، تفرعات الفرات الذي يتخلل ثنايا المساحة الصفراء الشاسعة للأرض وتحولها تدريجيا إلى التربة المحمرة، وترقب البيوت الطينية الحميمة وهي تتحول بدورها إلى بيوت من طراز معماري آخر كلما توغلت في المسافة وابتعدت عن مدينتها الأولى، لتتوقف بمدينة حلب المحطة التي تستريح بها الحافلة قرابة ساعتين، تستطيع من خلالها استيعاب التنقل التدريجي في رحلتها والاختلاف في طبيعة الأمكنة بمائها وهوائها ووجوه الناس المختلفة ورائحة السجق الذي تتذكره كعلامة فارقة لحلب.. لتعود من جديد إلى نافذة حافلتها، وترى التربة تتحول من الأصفر إلى الأخضر، وتبدأ برؤية مساحات مزروعة على شكل سجادة وكأنها لوحة تجريدية بديعة.. وهي ترقب بفارغ الصبر ظهور البحر.
تقول: حين يبدأ البحر بالظهور، تبدأ السيناريوهات بالتداعي، ودائماً كنت أتساءل لم لا يتقافز أهلي إلى البحر فور رؤيتهم له، والبحر في ذاكرتي هو بيت جدي بأبوابه المشرعة على الدوام وبساعات اللعب مع الأطفال والتحايل على الأعمام كي يأخذوني للسباحة. هناك كنت تستنشق رائحة البحر على الدوام ويمسحك بنداوته ورائحته الخاصة المشبعة بالسحر.. تلك هي فاتحة الكلام التي استهلت بها المعلا حديثها عن السفر وهي تقلب الذاكرة على الأمكنة التي زارتها وفتشت بجمالياتها وخصوصياتها مأخوذة بهاجس اكتشاف الماهية الخاصة التي تميز كل مكان والنكهة التي تشكلت عبر مسيرة الكائن على هذه الأرض أو تلك، ثم تعود لتتحدث عن الرحلة الأولى التي شكلت منعطفاً في حياتها حين قرر أهلها الانتقال للعيش في الإمارات تقول: كنت أول مرة أركب الطائرة.
وقد كنت أتساءل دائماً متى يحين دوري في ركوبها إلا في هذا المرة، فقد كنت أعلم بأنني سأذهب في رحلة لا أعلم متى أعود منها آنذاك، اكتشفت مدى تعلقي بالمكان الذي أعيش فيه، وكانت نقلة نوعية بكامل تفاصيلها، اكتشفت خلالها معنى السفر المديد، وكيف يمكن لثلاث ساعات من السفر أن تنقلك إلى حياة جديدة لاسيما وأن زيارة الإمارات تبدو وكأنك تذهب إلى مجموعة من البلدان في بلد واحد، فالأصدقاء من جنسيات مختلفة، والإمارات أيضا كانت البوابة التي انتقلت عبرها إلى كافة البلدان التي زرتها وهي التي أصبحت بدورها المكان الذي أحن بالعودة إليه.
فينيسيا ظلمتها الذاكرة
ومن الإمارات تنطلق برحلتها الأولى إلى إيطاليا. تقول: كانت الرحلة إلى إيطاليا هي رحلة إلى عالم آخر مختلف تماماً بثقافته وعاداته وتقاليده وطبيعته، وهناك تعرفت على التنوع المعماري، العجيب وتجولت بكافة أرجاء إيطاليا مصحوبة بحميمية الناس وبساطتهم الممزوجة بالبروتوكولات الأوروبية، وتعرفت على ساحاتها وتحفها الفنية. وحين وصلت إلى روما تلاشى ساكنوها وعلا صمت سحري غريب لأسمع وقع أقدام الخيول وكأنني أشاهد فيلماً عن العصر الروماني.
لقد حفرت صورة التاريخ بقوة وطغت على صورة الحقيقة، على نقيض مدينة فينسيا التي ظلمتها الذاكرة، وقد كانت بذاكرتي تمثل أجمل مدينة في العالم، وحين رأيتها لم أر فيها سوى الزحام والحر الشديد، ومن هنا تفوقت تلاشت المخيلة أمام صورة الواقع.
اسطنبول ممزوجة بالسحر
اسطنبول هي أكثر مدينة ساحرة رأيتها في حياتي، خلطة عجيبة لدرجة أنك تحتار أي الأشياء تشدك أكثر. هنالك شيء روحاني غريب في مدينة ممزوجة بالسحر، وهي لا تشبه أية مدينة في العالم، إنه التداخل العجيب بين الماء والعمارة، وبمجرد وصولي اكتشفت انها ليست مدينة بالمفهوم العثماني، ومن خلالها تتعرف على الحضارة البيزنطية.
وقد كانت تلك الزيارة هي التطبيق العملي لدراستي بما يخص الآثار، وحين زرنا (آيا صوفيا) والقائمة الفينيقية لملوك صور والتي كانت التوابيت أو (النواويس الحجرية) منقوشة بالكتابة الفينيقية التي كنت أترجمها لهم وكان كل ما هو مكتوب هناك يمثل اللعنات التي يطلقها الملوك لمن يطلع على قبورهم بأن بيوتهم ستحرق ومدنهم ستدمر وأن ذريتهم ستتلاشى وهكذا إننا بين فرح غريب وأن أشهد تلاشي آمال الملوك أنفسهم في الجهات الأربع.
شيء آخر لفتني في اسطنبول وهو قططها الوديعة الجميلة والموجودة بكثرة في كافة الأمكنة، والحالة الأخرى التي رأيتها هناك هي حالة التجار في الأسواق القديمة وتشبه حالة التجار في دمشق القديمة وروايات اميل معلوف، وشعرت بأنهم لم يختلفوا عن زق طريق الحرير بأشكالهم وطريقة تعاملهم والرائحة الخاصة التي تفوح من ثنايا السوق.
اليونان وزيتونة الحكمة
ذهبت إلى اليونان بهدف الدراسة والتحضير لرسالة الدكتوراة هناك، وكنت أنوي إجراء دراسة مقارنة بالأزياء بين الحضارة اليونانية وبين الساحل الكنعاني والمصري، وكنت أحسب أنني ذاهبة إلى بلد زوربا والفلاسفة والبحر، وحين وصلت هناك لم أجد من تلك الحضارة سوى الأكروبولوس وهو الصرح الوحيد الذي تبقى كشاهد على الحضارة هناك.
والناس هناك ساحليون من الطراز الأول، حتى انك لا تعرف عدوك من صديقك نزقون وانفعاليون، وكنت أهرب من الناس باتجاه الصروح، وقد تملكني شعور بأني إذا درست تحت أعلى شجرة زيتون في أثينا تلك التي ترمز إلى آلهة الحكمة، سأتعلم بشكل أسرع، فكنت أقوم برحلة كل يوم أحد مشياً على الأقدام حتى أصل الكنيسة وأجلس إلى ظل شجرة الزيتون وفي كل مرة كنت أتعارك مع الشرطي الذي يحرسها والذي كان يعتبرني مجنونة وأنا أقضي النهار كله هناك، وفي كل سبت كنت أذهب إلى الأكروبولوس.
وكنت أدرس هناك أيضاً على امتداد النهار وكانت منطقة بلا سكان هي سوق لليونانيين القدماء الحافلة بالتحف والأيقونات والزجاج البيزنطي، وكنت أستمتع مساء في ذلك المكان وألتقي بأصدقائي هناك. بعد ذلك اكتشفت البحر، حين ذهبت برحلة بحرية استغرقت عشر ساعات وأفضت بنا إلى جزيرة (سانتوريني) وهي الجزيرة الأولى في أوروبا والسابعة حول العالم والتي تمثل رمز اليونان حيث اكتشفت أن كل البطاقات والدعايات التي يوزعها اليونانيون هي عن تلك الجزيرة، وهي صورة ظالمة أصلاً، فبحر (السانتوريني) لا يوجد مثيل للونه رغم أنه متوسطي، وسانتوريني تشبه قلادة بيضاء في قلب الماء وهي أجمل بقاع الأرض ولا تشبه تجربتي مع أثينا حيث الناس هناك كلهم زوربا يسرقونك وأنت سعيد بهم وهم يقدمون لك الأكل الطيب والبسمة الطيبة.
أما (دلفي) تلك المدينة التي خرجت منها عرافة دلفي والتي كان يرجع إليها القادة والمحاربون لاستشارتها ومباركتها، فتقع في قلب الجبال اليونانية هناك حيث تعبر المضائق المائية الصغيرة التي كان المحاربون يتحصنون بها، وكي تصل هذا الموقع عليك أن تجتاز وتصعد الجبال القاسية الجرداء التي لا تشبه جبال أوروبا، ثم فجأة ومن العدم تبزغ أمامك تلك المدينة الغاصة بأشجار الغار والمعابد والمسارح وفي الأعلى هنالك صخرة الغرافة وأماكن الأضاحي والملاعب الأولمبية القديمة، ودلفي تعني بالأصل (شجرة الغار) وحسب أسطورة دلفي بأن ثمة حسناء كانت تدعى دلفي وكان أحد الأمراء قد وقع في حبها إلا أنها لم تكن تريد وكان يتبعها على الدوام ومرة حين حاول الإمساك بها تحولت إلى شجرة غار، ومن هنا نشأت تلك الحكاية.
وهناك أيضا في ذلك المكان المهيب عرفت سر نشوء الأساطير فيه وأدركت بأن هوميروس لم يأت بشيء سوى أنه وصف هذا السحر الذي يحيط به وأن جميع عناصر الأسطورة كانت متوفرة بين يديه. كما إن قسوة الطبيعة هناك كانت تفسر لي قسوة الناس الذين هم (دوريون) بحق. كما لفتني منظر العجائز هناك الذين يشهدون كثيرا العجائز في حياتنا والذين لم أرهم في أي مكان آخر زرته. فمفهوم الضيعة يختفي ما أن تغادر العالم العربي. وبالمناسبة لا أخفيك أنني سرقت زيتونة وورقة غار علني أصل إلى الحكمة.
بلاد دونكيشوت وأليس
من أوراق الغار ورحلات البحارة من صليل السيوف وصخرة عراقة دلفي ترحل بنا يارا إلى عوالم اسبانيا وسحرها الخاص. في اسبانيا حين سمعت أول كلمة ترحيب في المطار (أولا) وقعت في حب ذلك البلد.. فالكلمة كانت تحتوي على كل الغنائية والشعرية وبها صدى عميق وكأنها كلمة سمعتها لدهور لكني نسيتها وفجأة يرددها احدهم فتستعيدها محملة بكل تلك الروعة. وفي مدريد اكتشفت انها عاصمة تضم كل امتيازات المدن الكبرى وحميمية المدن الصغيرة يقطنها أجمل شعب في العالم وأكثرهم وداً.. وسرعان ما تشعر بقدرتها على احتضانك رغم مساحتها الفسيحة وتتمتع بكل شيء بديع وبدفء لا يوصف.
وفي اشبيلية.. تعرفت هناك على دونكيشوت ومشيت على خطاه لكن برحلة على متن القطار السريع.. وكانت المساحات واسعة بين مدريد واشبيلية الا ان زيتونة كانت تظهر بين حين واخر وكأنها ابتكرت نفسها وتخيرت المكان الذي تمد ظلالها فيه.. كشامات توزعت على الارض وهنالك عرفت كيف صارع دونكيشوت خياله.. واثر وصولي إلى اشبيلية الذي بدا انه وصول متواضع فتحت النافذة من غرفة الفندق، لأطل على (ساحة أميركا) وليلتبس علي الامر إن كنت احلم أم ان ما اراه هو صورة الواقع الذي تزيا بالحلم..
هناك تشعر بانك تطل على مكان نسبه (أليس في بلاد العجائب) وتعود لأيام اكتشاف اميركا، فشعرت بأننا في قلب مدينة غير عادية، ثم أخذت العجائب بالظهور في كل زاوية وكل زقاق.. والغريب في الأمر بأنني لم أضع ابداً ولم أعتمد على الخريطة وكنت أتجول بثقة وكأنني أتجول في حارة طفولتي القديمة رغم انني اضيع عادة في أي مكان الا في اشبيلية هذه المرة تلك المدينة التي بها أكثر من 56 مكانا يستحق الزيارة من كنائس وساحات وكاتدرائيات إلى قبر كريستوفر كولومبس ومكتبة المخطوطات ومقر كازار.
وما يلفتك ان أزقتها كأزقة دمشق القديمة وكنت أشعر بحميمية غريبة وكأني عثرت على روحي هناك. والجميل في الأمر ان وجودي هناك صادف اسبوع مهرجان الفلامنكو، فقد كان فرصة للتعرف على الناس بثيابهم التقليدية وهم يرقصون في الساحات كلها ويشربون (السانغريا). وزيارتي الى سيفيل كانت تجربة بحد ذاتها ففي قلب الكاتدرائية هنالك البرج الذهبي الذي كان عبارة عن منارة إسلامية ومازال هناك حتى الان لوحة مكتوب عليها باللغة العربية تاريخ البناء ومن بناها وقد كانت مبنية على الطراز القوطي وانت محاط بوحوش تحيلك الى نوع من الرهبة الدنيوية المهيضة.
ومن اشبيليا الى غرناطة حيث شعرت بتجربة روحية فريدة فالمدينة بها عرب كثر وعوالم مفعمة بالروح والعبق .. تقول: في غرناطة وجدنا انفسنا بشارع مقبي وكنت اسمع على الدوام حكمة (سلامة) وصبايا عربيات يعرضن خدماتهن وذهبنا الى حي الغجر.. وهو صعود يتخلله نهر وصعدنا حتى وصلنا كنيسة بيضاء جميلة وكنا نرقب الشمس في مغيبها تهبط الى الحمراء..
وفجأة تصاعد من جهة الكنيسة صوت اذان وهو من أجمل الأصوات التي يمكن ان تستمتع إليها في حياتك. فتملكني نوع من الخشوع وحين بحثنا عن مصدر الاذان اكتشفنا وجود جامع صغير يقبع خلف الكنيسة وهو الجامع الوحيد المسموح له بالاذان في أوروبا كلها. وفي الشروق ذهبنا إلى رؤية الحمراء وهناك شعرت بالنقمة بأن من امتلك هذه القدرة على بناء هذا الصرح العظيم والفريد بجماله وروعة، لمَ لم يبن مثله في بلداننا، لم تكرر هذا التحفة الفنية في مكان ما من عالمنا وانا أنظر الى تلك الزخرفة التي اعتمدت على عبارة ( لاغالب إلا الله) تكرر في كافة ابعاد المكان..
في الحمراء لا اتذكر الا شعور الغصة الذي ولدته تلك الروعة الفاتنة. وتضيف: في غرناطة لم نأكل إلا أكلاً عربياً، ومن غرناطة إلى ملقا وعلى امتداد الطريق تصبح الإشارات كلها مكتوبة باللغة العربية والاسبانية وكانت زيارتي هناك مخصصة لرؤية أعمال بيكاسو موطنه.. وهناك رأيت بيته وأدواته وثيابه وأوراقه المبعثرة.. وبدأت أتعرف أكثر على أعمال بيكاسو وصرت أقدر أكثر عبقريته ومخيلته والجهد الذي كان يبذله.
براغ وأفلام الكرتون
أظن أن براغ هي من أجمل المدن التي رأيتها وأكثرها حميمية بتفاصيلها الدقيقة وطبيعتها رغم أن شعبها جاف وبارد.. وبراغ لا تشبه إلا أفلام الكرتون من ناحية التنوع اللوني والأسقف المزخرفة وكل الخطوط في براغ هي خطوط منحنية تشبه عالماً خيالياً مختلفاً، وأزقتها ضيقة.. وهي مليئة بالدمى المتحركة في كل المحلات، وفي كل مكان وكأن براغ هي مشهد كراكوز وعيواظ إلى جانب وجود الأبهة الملكية والفخامة. وبراغ نجت من الحرب العالمية لوداعتها. لم يمر بها عصر النهضة في العمارة والبناء وهي حضارة موازية للنهضة، تشبه أوربا القرون الوسطى وبراغ تدعوك لإعادة اكتشاف كافكا من جديد.
فيينا مدينة طاردة
أما عن تجربتها في فيينا فهي تعتبرها تجربة مع الفنان كليمت.. تقول: كليمت كان ملاذي في فيينا لأنه ورغم رقتها وموسيقى موتزارت وبيتهوفن التي كانت تصدح في كل مكان ورغم رائحة التورتة وحلويات زاخر، إلا أنها مدينة باردة وغير حميمة.. وهي مدينة طاردة تشعر بأنك غريب في كل لحظة.. وفي فيينا لا يوجد طراز معماري واضح، تجد الأشياء جميلة ولكن دون اتساق وتناغم ووحدة، وتضيف ربما أكون ظلمتها خصوصاً أنني انتقلت لزيارتها إثر زيارتي إلى براغ، ومن هنا صرت ألجأ إلى أعمال كليمت الفنية وأتأمل روعتها وخصوصيتها وخصوصاً أنني قد اطلعت على أعمال له لم أكن قد شاهدتها من قبل.
القارة الجديدة
ومن قارة إلى أخرى تنتقل بنا يارا بمخيلة حاضرة وغير مرهفة قادرة على التقاط التفاصيل الدقيقة، وقادرة على اكتناه الأشياء، والتعرف على مكوناتها الجذرية.. فها هي تحط على أرض القارة الجديدة.. قارة أميركا وتقول: في أميركا ترى كل شيء.. كل شيء لم تألفه عيناك تعثر عليه هناك.. بداية من الأفق الذي لا ينتهي، وهناك تعرف إنك في قارة جديدة بالفعل، فالانتقال بين قارتي آسيا وأوروبا لا تشعر خلاله بهذا الفارق الكبير.
وقد زرت دالاس أول الأمر في فصل الشتاء إلا أنها كانت توحي بخريف ذي لون برتقالي وأصفر ذهبي في فضاء من الهدوء والسكينة، على نقيض ما نراه في الأفلام فالجيران يعرفون بعضهم البعض والأبواب مفتوحة وينعمون بحياة من البساطة والاسترخاء، ولا يوجد مفهوم إقفال البيت.. وكل له حلم الأميركي الخاص به وله ناديه الرياضي والأصدقاء الخاصون به.
ومن دالاس إلى منهاتن وخلال رحلة جوية استغرقت 5 ساعات ترك ذلك الخليط الغريب العصر الصناعي إلى جانب حفاظها على الطراز المعماري القديم للقرن الثامن عشر والتاسع عشر وهنالك تناغم بين ناطحات السحاب والأناقة المعمارية التي تصل إلى مستوى عصر النهضة.. وفي الأسفل لا ترى نهايات المباني وهي تنظر إليها تشعر أنها متلاصقة.. وهناك العالم الآخر غير المرئي عالم الأنفاق. وأكثر ما لفتني أول الأمر أن هنالك بخاراً يتصاعد من الأرض لتكتشف أنه بخار المترو.
وفي نيويورك تشعر أنك ذرة في الكون لا تلبث أن تأخذ حيزك الطبيعي فيه وتأخذ دورك في المكان وتصبح فاعلاً فيه. ومع كل هذه العمارة الفخمة والشاهقة، يسحرك تداخل المحيط مع المدينة، وتستغرب هذا التداخل الغريب والتآلف بين أزرق المحيط وناطحات السحاب. وحين زرت نيويورك علمت أن للأمريكان حقاً بأن يجهلوا أي شيء خارج أميركا، ذلك أن لديهم قارة بأكملها يمكن الانشغال بها.
قبل أن تهبط يارا من رحلاتها تمر بنا في أثينا من جديد.. أثينا التي عادت إليها لتكتب إليها رسالة اعتذار ولتتنفس هواءها النقي وتتملى نجومها وسماءها.. إلا أن الحنين الذي لا يفارقها والذي تأصل في الروح وعلى شفاف القلب.. الحنين الذي تتندى العين به وترتعش الملامح له.. هو الحنين إلى بلدتها البعيدة في أطراف سوريا وإلى تفرعات الزرقاء لنهر الفرات الذي يمتد ويمتد بين التربة المشبعة بالحياة والمتموجة بالأصفر.. إن الحنين إلى الذاكرة الأولى والوجود الأولي والبيوت الأولى التي لا تقوى عليها الحياة بكل مغرياتها وتفاصيلها.
إسماعيل الرفاعي



