علي بن عزيز بن مكتوم الشريفي، رجل خبر الحياة، وشخصية معروفة ومحبوبة في مدينة العين ثرية برصيد حافل بالعطاء ونكران الذات، تتلمذ في مدرسة زايد فهو يعد من الرجال الأوائل الذين رافقوا المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في المراحل الأولى لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد كان حاضراً للإرهاصات الأولى على يد المؤسس الراحل وشاهدا. حلو الحديث، دائم الابتسام، هاديء، يتكلم بود وتمهل وتواضع وهو يجول في حديقة الذكريات الغناء ليقطف لنا منها أينع الثمر في حديث عذب مباشر من القلب إلى القلب ، لايشوبه التكلف على عادة البدو الاصلاء، ولا يتسلل إليه الملل.
يقول بوناصر: ولدت في منطقة الجيمي، وعشنا في العين في القطارة أيام كان عمي الدودة بن مكتوم الشريفي الأول متعينا من قبل الشيخ زايد الوالي آنذاك وهذا قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، الأول يسمونه (والي)، وكان في القطارة وهو رجل معروف وكان يعتمد عليه الشيخ زايد، تعرف الأمور لم تكن كما هي اليوم واضحة ومتيسرة كما يراها أبناء الجيل الجديد، الأمور كانت تتطلب الكثير من الحنكة والخبرة والدراية بطرق التعامل مع الناس وإدارة الأمور. لم يكن هناك تسجيل يمكن في الثلاثينات، وربيت هنا في الدار، الأهل بدو الأول متنقلين كما تعرف، لم تكن هناك دول وحدود، اغلب حياتنا في البر، نتبع الكلأ ونتحلق حول موارد الماء والطوى، وحياة البداوة الأولى معروفة في القيظ نقيظ في النخيل في العين.
عملت في الجيش أول جيش بريطانيا (قوة كشافة ساحل عمان)، سجلت في الجيش سنة 1956، عملت معهم ثلاث أو أربع سنوات، عملت مع كابتن (كليطن) ثلاثة أشهر، كنا نداوم في الجاهلي الأول، وخلاف تبدلت وذهبت إلى أبوظبي عند الشيخ سلطان بن شخبوط طلبني من جيش الشارقة وقعدت سبعة أشهر عند سلطان بن شخبوط ورجعت إلى القيادة في الشارقة وبعدها رجعت إلى الجاهلي مرة أخرى. كان عمري حوالي 16 أو 17سنة منذ اشتد عودي وأنا في عمل، كنت من أوائل الذين عملوا في أول مخفر شرطة في العين وكان موقعه في منطقة الصاروج نواحي فندق هيلتون الحالي تابع لإمارة أبوظبي في فترة الخمسينات قبل قيام الدولة أيام الانجليز، قوة كشافة ساحل عمان وبأوامر من الشيخ زايد رحمه الله أنشأنا هذا المخفر وكان الحرس كلهم من المواطنين وبعض اليمنيين القادمين من عدن مع الانجليز، حيث كانت عدن لا تزال في ذلك الوقت للانجليز وجود فيها فكانت مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت.
بيزات قليلة وبركة كبيرة: ويذكر بوناصر أن أهالي الإمارات لم يشكوا من عسر شديد حتى في الزمن القديم لأن الناس لم تكن لها متطلبات كثيرة والحمد لله الخير موجود، التمر والميرة العيش والطحين الناس كانت تطرش أبوظبي ودبي وتتمير ماشي قاصر، الأغلبية كانوا من المواطنين من أهالي العين، الحياة في ذلك الوقت غير واليوم غير، البيزات كانت قليلة لكن كان فيها بركة، متطلبات الحياة بسيطة والأمور كانت طيبة أهالي العين كانوا يزرعون البر واليح والشمام، والحمد لله الناس ما كان عندهم تعب، عايشين في خير كل وقت بوقته، عندها الحليب واللبن واللحم موجود والقنص موجود لم يكونوا يشتكون من عسر زيادة. أول ما دشت السيارات كانت عند الشيوخ، ثم بفضل الله وفضل زايد تملكنا السيارات وكثر الخير والناس تنعمت. كنت عند الشيخ زايد في المويجعي وكانوا معه أخوياه الرجال المعروفين مثل الشيخ سالم بن حم وحياة مبارك بن فاضل وحياة سيف بن مية وحياة عمي محمد بن مكتوم الشريفي وحياة عمي الدودة بن مكتوم الشريفي وحياة محمد بن سالم وحياة محمد بن شيبان وحياة عبيد بن راشد المنصوري وحياة سيف بن مبارك وحياة علي بن مبارك وغيرهم من شيوخ القبائل والرجال المعروفين بالمشورة والحكمة ممن كان يعتمد عليهم الشيخ زايد الله يرحمه ويشاورهم في الأمور والمستجدات.
لو بنتكلم عن أعمال الشيخ زايد وما قدمه لهذه البلاد أعماله ما تنقصي لو بنتكلم الليل مع النهار، كان رجل خير ويحب الخير للجميع الله يرحمه ويطول عمر عياله خليفة وإخوانه. يكفي لو نظرت حولك فقط لترى هذه الصحراء التي حولها إلى جنة خضراء، كان لا يبخل بالدعم أبدا يمد ويدعم كل من يود أن يزرع وهو الذي شجع الناس على ممارسة الزراعة من المواطنين سواء الدعم المادي أو بالأراضي، وكان يشارك في حفر الأفلاج ويصلحها من ماله الخاص ويجلب العمال المختصين بصيانة الأفلاج من عمان حتى تصل المياه إلى كل المواطنين، كان اعتماد الناس في ذلك الوقت على الزراعة فكان يعمل للصالح العام وكان يقول «هؤلاء عيالي».
حين ذكرته بأني قد قابلت كليطن أو الكابتن بيتر كلايتن قبل حوالي شهرين هنا في العين في متحف العين وشاهدت أحد الأفلام التي كان قد صورها في فترة الخمسينات ويظهر فيها مجموعة من المواطنين على ظهور الخيل حين أشار إلى رجل ذو لحية سوداء كثة وهو يسابق الباقين وقال لي أنظر هذا الرجل هل تعرف من هو هذا الفارس الذي يسابق الجماعة، قلت: لا، قال لي بفخر هذا علي بن عزيز ألا تعرفه؟، قلت بالتأكيد أعرفه فأبوناصر شخصية معروفة كانت مقربة من المرحوم الشيخ زايد، وهنا أوقفني أبوناصر وقال: الصراحة الكل كان مقربا عند الشيخ زايد كل الناس عنده سواسية، كان يرحب بالجميع ويحب الخير للجميع.
من السعف إلى الطين
وعندما طلبت منه أن يروي لنا قصته مع (كليطن) كما يسميه، قال: كليطن جاءنا هنا في العين في الخمسينات من القيادة في الشارقة كنت الأول ال(الراف)، وعملنا معه مجندين ووصلت رتبة وكيل ثم أرادوا أن يرسلونا إلى الأردن لأخذ دورات عسكرية ولنتعلم اللغة الانجليزية لكني لم أكن أسير هذا الكلام كان سنة 1960 لنكون ملازمين وكان الضباط الانجليز يتكلمون معنا باللغة العربية، كنا نداوم هنا في قلعة الجاهلي.
وتعرف الانجليز يهتمون بكل شي وليسوا مثلنا في ذلك الوقت لا نهتم ولم تكن التكنولوجيا قد وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم وتيسر الحصول على الكاميرا والكمبيوتر وما إلى ذلك وكان هو يصور كل شي، أينما ذهب صور، مب مثلنا نحن اليوم يخطف وباكر يخطف ولا نحتفظ بشي مع الأسف، كليطن كانت كاميرته معه وكان يصورنا ونحن نركب الخيل أو نركب الجمال في سباقات الهجن في منطقة المقام الأول وكانت في تلك الأيام في فترة الخمسينات مجرد سيوح خالية من البناء، بل العين إلا كبار الناس والشيوخ عندهم بيوت طين، وإلا الباقي ساكنين بعرش من سعف النخيل وإلا بخيام.
أول شعبية بنيت في العين في منطقة القطارة حسب أوامر الشيخ زايد كانت في بدايات السبعينات حيث تركنا بيوت الطين وسكناها، وموقعها اليوم على الشارع العام في القطارة مازالت موجودة، وهي أقدم شعبية، وكانت عندي مزرعة في نفس القطارة مكان مباني نادي العين في القطارة الحالي بجوار ارض حياة عمي الدودة بن مكتوم الله يرحمه، وكنا نسكن في بيت طين داخل تلك المزرعة قبل أن تأخذها الدولة وتعوضنا عنها.
ولم اعمل فقط في العين، فالمرحوم الشيخ زايد كان يرسلنا في مهمات لخدمة البلاد وكنت اسكن مع عيالي في القطارة وأداوم في الجيش مدني، وكانت القطارة فيها عمي الدودة بن مكتوم الشريفي متعين الأول يسمونه والى من قبل الشيخ زايد في القطارة يسير الأمور في المنطقة حسب أوامر وتوجيهات الشيخ زايد ولذلك لم نكن نغادر البلاد في رحلات خارجية أو حتى رحلات القنص مع الشيوخ لأننا كنا ملتزمين بدوام، والإنسان لازم يكون أمين على المهمات التي يكلف بها على أكمل وجه.
اخويا زايد كانوا يخاوون الشيوخ في رحلات القنص وكان منهم عمي محمد بن مكتوم ألشريفي يسير وياهم. كليطن صورنا ونحن نركب الخيل وهذه الخيل أعطانا إياها المرحوم الشيخ زايد كنا نسير الصاروج وكل مكان مع أن السيارات خاصة الجيشيات (اللاندروفر) كانت متوفرة، كما عملت في المنطقة الغربية في ليوا والمرفأ ومركز اسمه كان حمار سماه الشيخ زايد مركز حصان يقع جنوبا على الحدود، واذكر كثيرين عملوا معنا في فترة الجيش قوة كشافة ساحل عمان منهم من توفاه الله ومنهم من مازال حيا ولكن الأغلبية توفوا رحمهم الله مثل حياة سيف بن مية ومن مازال حيا وغيرهم كثير.
ومرة أرسلنا الشيخ زايد مع (كليطن) إلى عبري في عمان بقيت تقريبا سنة، ثم رجعنا على ركاب (جمال) من عبري قادمين إلى العين عن طريق ملاقط (ملاقط هو طوي ماء معروف قديما يقع على طرق القوافل وموقعه اليوم على طريق العين - دبي العام) وكان كليطن طوال الطريق يصور ويكتب وبقيت اعمل مع الشيخ زايد منذ كان عمري 16 أو 17 سنة إلى سنة 1985م حيث طلبت التقاعد من الشيخ زايد وتقاعدت لكن زياراتنا إليه لم تنقطع إلى أن توفي رحمه الله.
حكاية كابتن غليطن
في بدايات سنوات الخمسينات يذكر كبار السن من الآباء والأجداد الذين عاصروا تلك الفترة المبكرة من تاريخ دولة الإمارات قبل الاستقلال، يذكرون ضابطا بريطانيا، كان يحدثهم بلغة عربية مفهومة، وبعد مكوثه لفترة بينهم سواء في الشارقة أو في العين أو في ليوا ومرفع (المرفأ) وحبشان، أصبحت لهجته تقارب لهجتهم تماما، كان (يتقهوى) ويتناول السح، ويتابع سباقات الهجن التي كانوا يقيمونها مثله مثل أي بدوي، وقد أطلقوا عليه اسم الكابتن (غليطن) وعرف بهذا الاسم، ومن خدم في جيش بريطانيا كما كان يسمى أو جيش قوة كشافة ساحل عمان من الآباء والأجداد لابد انه يتذكر هذا الاسم، فمن هو (غليطن) هذا، وما هي قصته؟
سنحت لي الفرصة قبل مدة، وعن طريق الصدفة البحتة، حين توجهت إلى مبنى إدارة الآثار والسياحة في مدينة العين، للسلام على الأخوة والأخوات العاملين في هذا المكان الذي يعتبر خلية النحل التي لا يتوقف فيها العمل، من تنقيب وترميم وتوثيق للتراث والتاريخ المحلي، وبعد السلام على الأخ محمد عامر النيادي مدير الإدارة جرنا الحديث كالعادة إلى شؤون وشجون التراث فذكر لي ان الكابتن غليطن موجود هنا في مبنى إدارة المتحف جاء لفترة قصيرة بدعوة من إدارة هيئة ابوظبي للثقافة والتراث التي حرصت إدارتها على دعوته لتوثيق فترة من تاريخ دولة الإمارات جد مهمة،
والتي مازالت رغم مرور السنين وتعدد المحاولات والاجتهادات المؤسسية منها والشخصية للتوثيق، إلا أن المهمة ليست بالسهلة، وتحتاج إلى مراحل من العمل الجاد الدؤوب للتوثيق بشكل علمي ومعرفي مدروس وممنهج، وهي فترة ماقبل إعلان الاستقلال، أو مرحلة ما قبل اكتشاف البترول. ولمن استغرب الاسم ممن لايعرفون هذه الشخصية نقول، لا نكاد نسأل أي بدوي من الآباء والأجداد من كبار السن في مدينة العين وضواحيها إلا ويعرف من هو «غليطن» سواء من كان منهم قد عمل معه في بدايات الخمسينات والتحق بقوة كشافة ساحل عمان أو سمع عنها وعنه.
الرجل معروف ومشهور جدا بين بدو الإمارات كشهرة لورنس العرب وكلوب باشا لدى بدو الأردن وبلاد الشام. المفاجأه كما يقولون عقدت لساني حين سمعت الاسم، فقد عرفته من حديث البدو عنه، ومن قراءاتي عن جيش قوة كشافة ساحل عمان، وعن كتابه الذي دون فيه مذكراته، وكنت ارغب في رؤيته وإجراء حوار معه إن أمكن، حين دخلنا الغرفة المعدة له وجدت رجلا ابيض الشعر، ودودا في استقباله لنا مرحبا بنا بلهجة بدوية ذات لكنة خاصة به في نطقه بعض العبارات، تدل على طول مخالطته المواطنين هنا رغم أن السنوات التي عاشها في الإمارات (أو بالأحرى إمارات الساحل المهادن كما كانت تسمى قبل الاستقلال) كانت في بدايات الخمسينات من القرن المنصرم (1953 ـ 1963 م) وتلك حكاية أخرى نتمنى نشرها قريبا.
عمار السنجري



