كان لاكتشاف الجغرافيا علاقة بالعاطفة عند الشاعر أحمد منصور.. فمشاعره قادته إلى مصر، وهو يعتبر السفر الأول في حياته وكان عليه أن يرّوج لأهمية السفر في المنزل ولما يزل طالبا في الثانوية، هكذا بدأت حكايته مع السفر، وبدأت رحلاته تأخذ الطابع الشعري ممزوجاً برائحة الأمكنة وما تلتقطه الروح مع نسائم تهب من بلاد جديدة في دروب جديدة...
إذن هي غواية الروح أولاً تلك التي كرست غواية الأمكنة ورسخت فيه ذلك الهاجس. يقول: ها يكشف أوراقي ومن يعرفني في تلك المرحلة سيكتشف كم كنت مخادعاً، كانا أسبوعين سريعين وساحرين شكلا لي أول الصدمة وكنت قد بدأت التعرف على كتابة الشعر والولوج في عوالمه الخاصة. ها آنذا على ضفاف النيل العظيم وقرب أحراشه التي أطلت على حضارات عريقة ومتألقة.. نعم كانت تجربة هامة جداً وهي أول شعلة حقيقية مهدت لإصابتي بفيروس السفر لاحقاً. ثم جاء السفر إلى أميركا في حدود عام 1993 حيث مكثت عدة سنين فيما بعد.. والمهم في تلك الرحلة هي رحلة العودة حيث عرجنا إلى باريس فكانت الصدمة الحضارية الكبرى.. صدمة ثقافية، بصرية، صدمات متتالية، فهناك يشعر المرء ما أن يتجول في طرق باريس بذلك الشعور الخاص المشبع برائحة العراقة والعمق، والذاكرة عن باريس ذاكرة معبأة.
وهناك شعرت بمفارقة كبيرة حدثت معي مرتين.. الأولى في الطفولة في قريتي برأس الخيمة وهي قرية (شعم) وقد كنت طفلاً آنذاك في منتصف السبعينات ولا أدري كيف دخلت بشكل لا إرادي في مظاهرة عن الكهرباء، حتى وصلت إلى باريس بعد سنين طويلة لأدخل أيضاً ودون أن أدري في مظاهرة اتضح فيما بعد أنها كانت عن الكهرباء أيضاً.. وعن باريس أيضاً يقول أن الحديث لا ينتهي عن المقاهي العريقة وأنت تجلس على طاولات العظماء من بول إيلوار إلى أراغون.. وغيرهم.. وأنت تشعر ما أن تجلس بعظمة تلك الأرواح تهيم في الأمكنة، تلك الأرواح التي ظلت جذوتها مستعرة والتي حافظت على روح الشاعر والكاتب، رغم ما يحدث الآن ورغم الهجمة الاستهلاكية الشرسة.
في مرتع الهيبيز: ويضيف المنصور بأن السفرات قد توالت فيما بعد ليعيش حوالي 7 سنوات في أميركا حيث درس الهندسة الكهربائية وحصل أيضاً على ماجستير في هندسة الاتصالات. وقد قضى خمس سنوات في مدينة (بولدر) بولاية كولورادو.. وعنها يقول.. إنها حكاية رائعة.. وهنالك زخم هائل من الذكريات.. ذاكرة مكان بالإضافة إلى ذاكرة حياة والغريب في هذه المدينة أن الصيف فيها يتحول إلى مرتع للهيبيز لأن جوها الصيفي يناسب البشر الذين يعيشون في العراء.. والشتاء هناك بارد إلى درجة تكسير العظام فدرجة الحرارة كانت دائما تحت الصفر.. وكان هناك مشهد رائع أطل عليه من نافذة غرفتي مشهد البياض الهائل والثلج العظيم والذي يولد لديك القدرة على التوحد مع الأرض بمساحاتها البيضاء الآسرة، لكن سرعان ما تصطدم بالواقع حين تقوم بـ (كرش) الثلج المتراكم على سيارتك وأنت ترتجف من البرد، وقد تآلفت مع تلك المدينة حتى أنني فكرت أن أستقر فيها على الدوام.
ويضيف بأن الحكاية عن أميركا هي حكاية خاصة فشمالها لا يشبه جنوبها وشرقها لا يشبه غربها.
عبرت من كولورادو في الوسط الغربي إلى الساحل الغربي صعوداً إلى ناحية الشمال لأمر بمدينة خرافية تشعرك بأنك تعيش في أعماق ألف ليلة وليلة.. وتلك المدينة هي لاس فيغاس والتي من خلالها تتعرف على حضارتك مجددا لأنها أخذت جوانب مهمة من التراث الحضاري الإنساني وجسدتها على الأرض لذلك ترى أهم الكرنفالات واحتفاليات الشعوب والجاليات المختلفة تقام في لاس فيغاس وفيروز أيضاً أحيت حفلا هناك.
التشكل الطبيعي في الولايات المتحدة هو بحد ذاته شيء مذهل، جبالها وصحاريها وهضابها.. كل شيء غاية في الروعة، وكنا قد اعتدنا على رؤية الجبال من سطح الأرض، لكننا هنا نرى الأرض من على سطح الجبال.. كانت الحياة مقلوبة رأساً على عقب، ففي ولاية مثل ولاية أريزونا ويوتا كان الإنسان يعيش حياته على سطح الجبال حيث الطبيعة هي الفنان الأعظم، ذلك السر الغامض الذي يتكشف عن سحر في كل تفصيل من تفاصيله.
ويعود الجانب الشعري في حديث منصور، حيث تعتريه رغبة لتجسيد تلك التجارب عبر الكتابة الشعرية، يقول: أنا الآن بصدد الكتابة عن الأمكنة على شكل رؤية شعرية، فالمكان يعطيك انطباع بشيء من الألفة تجاه الزمن والتاريخ والحياة بشكلها المباشر، خاصة عندما تخلق علاقة مع المكان وتخلق بدورك علاقة مع الحيز المعاش حول هذا المكان. لذلك أشعر أنني بحالة دافعة قوية لمثل هذه الكتابة، وقد نشرت بعض الكتابات حول بعض الأمكنة وتلك هي بدايات مشروع هام بالنسبة لي.
فعندما يأتي الإنسان إلى المكان بعينه الداخلية، العين التي تكشف الجمال وتفتقه تماماً وتعطيه أبعاده السحرية، حالات هائلة من الصور الجمالية التي تمنحك إياها الطبيعة وما عليك إلا أن تكتشف هذه الجماليات وأنا أحاول استرجاعها من خلال إعطاء المكان ما يستحقه وأحاول إعادة الاعتبار لروح المكان الحاضرة هكذا مكتنزا بهذه الرؤية المكانية وهذه الذاكرة الكبيرة تجاه المكان..
شطر الفلاسفة وشطر النبيذ
في أثينا لا يبحث الإنسان عن الجمال بقدر ما يصاب بسيل جارف من الأسئلة التي تنبثق أمام عينه وتغزو رأسه.. أسئلة كبيرة وكونية تجعلك على تماس مع كبار الفلاسفة والشعراء الذين أوجدتهم أثينا وعرفهم العالم.. وتتساءل كيف أسس أولئك لتلك الحضارة العظيمة، وكيف تم بناؤها وأنت تتجول في حديقة الفلاسفة وتمشي على دروب المشائين العظمى وتتساءل من جديد.. أتراهم يرونني كما أراهم وأشعر بأنفاسهم إنها حالة خارج التوصيف في مواجهة الحقيقة التي تذعن لها دون أن تستطيع تجاوزها... فكيف يمكن لنا أن نتجاوز هوميروس خصوصاً وأني كنت أعيش في حالة الأوديسا.
وعن الشعب اليوناني يقول: شعب جميل وطيب يعشق الليل ولا ينام.. وفي إحدى رحلات العمل تنبه السائق الذي كان يرافقني إلى حالة ارتباكي وذهولي بالمكان فأصبح يأخذني عبر الجبال لأرى أثينا من هناك.. وقد كتب المنصور عن تلك التجربة: لم تكن الطريق التي سلكتها في اليوم الثاني، متجها نحو مقر عمل تطغى عليه الروح المادية والهندسية، كتلك الطريق التي سلكتها في اليوم السابق؛ لم تكن ضاجة بالصخب المعتاد أو ذلك الضجر المقيت، والذي يشبه إلى حد بعيد ذلك الضجر الذي يكتنف المرء عندما يملى عليه ان يكون مزيفا.
على العكس من ذلك، كانت رحلة اليوم الثاني؛ رحلة ترغمك على العبور من خلال بوابات الزمن البعيد، ذلك الزمن الذي أسهم في تشكيل حضارة إنسانية عميقة. كانت رحلة عبر «الأميتوس»، ذلك الجبل المنساب برشاقة على ارض أثينا، والذي يبدو شكله، ذو التضاريس الهادئة، كلوحة تجريدية لجبل خال من النتوءات، حتى انك لتتوهم في لحظة ما ان بإمكانك حمله معك في حقيبة سفرك. الجبل الذي يقسم أثينا إلى شطرين؛ شطر الفلاسفة وشطر النبيذ كما كان يقال عنه.
كان أيضاً فضاء تطل منه على مرتفع الاكربولز الذي يحمل على صدره بناء من اهم ابنية التاريخ من المنظور الإنثروبولوجي والاركولوجي والفني والمعماري؛ ذلك المبنى هو ال«بارثنون» أو هيكل الآلهة «أثينا». في الحقيقة، ليس هذا هو البناء المهم الوحيد الذي تشاهده عبر أفق الاميتوس، فهناك ال«ليكابيتوس» حيث توجد كنيسة القديس جورج وغيرها من المباني، لكن ال«بارثنون» هو الأكثر أهمية من ناحية التراث الإنساني.
سحابة الندى
ويرى المنصور أن السفر بشكل عام هو الالتقاء بثقافة جديدة ببشر يتصرفون بشكل مختلف وبأمكنة مختلفة يعيد الإنسان صياغتها بصريا ولغويا، ولأن الشاعر يعيد ترتيب الأمكنة بشكل جديد، فعليه مهمة قراءة المكان قراءة مغايرة.
من هنا تعددت زيارات المنصور لتشمل كوريا، ألمانيا، فرنسا، سويسرا، أسبانيا، الهند، المكسيك، لبنان. وللبنان مكانة خاصة في قلب وذاكرة المنصور تلك التي زارها في حدود عام 1996 ووقتها كان لبنان مازال يتعافى وقد كتب عنها يقول: ذهبت إلى هناك حاملا معي القليل من المتاع والمال، والكثير من الهواجس والأفكار؛ فحلم بيروت ها هو يتجسد رغم مناوءته كل تلك السنوات الفائتة، لم أكن اعرف بالضبط ما أريد، ولم تكن عدم المعرفة تقلقني أو حتى تخز فضولي بوبر جلدها الخشن، كنت آنذاك مستمرئ فكرة اللحظة، كنت أقذفها كالنرد في كل اتجاه، فاتبعها ولا نصل.
كان رأسي يضج بكل شيء، وكان لكل شيء على حده، ان يستفرد بمساحة من الزمن تضاهي فترة مكوثي بأكملها، كنت اشعر عند نهاية كل يوم، ان الزمن بشكله الحالي غير كاف في بلد كهذه، كان لزاما على اللحظات ان تتمدد إلى أقصاها وتخرج أصابعها إلى ابعد من ردائها، وكان لزاما على الألم ان يفر كجرذ صغير إلى قبو سحيق؛ قبو يقود إلى هاوية في نسيج الزمن، لم يكن هناك ما يريب سوى الجمال بسطوته الساحرة؛ كيف لكل شيء ان يكون جميلا إلى هذا الحد؛ هكذا تساءلت عندما جلست على الشرفة المطلة على بيروت مساء وكانت «لغطيطه» (أو سحابة الندى) تنزلق من أعالي الجبال كعاشق مخلوب يتسلل إلى خيمة فتاته الغجرية مقتفيا ظفائرها الممدودة إلى أقاصي الشبق؛ لابد انها تنهدات العشاق من يجلب كل ذلك البلور من مكامنه!
إسماعيل الرفاعي



