لا يخفى على أحد كون مدينة دبي من أكثر المدن تنوعا من حيث الجنسيات التي تحتضنها، ففي كنفها يعيش أناس من مختلف الأعراق قدموا إما للزيارة أو للعمل أو للاستقرار. وإن دل ذلك على شيء، دل على حب الناس لهذه المدينة، لما توفره لهم من البنية التحتية الاقتصادية التي تمكنهم من إدارة أعمالهم بمنتهى السهولة واليسر، وبدرجات أمان غير مسبوقة في غيرها من مدن العالم. وفي المقابل هنالك مواطنون ـ وبالرغم من إشراقة الصورة السابقة ـ يعانون من جانب قاتم يتمثل في ضياع هويتهم واضمحلالها أمام الكم الهائل والمنوع من الثقافات المستوردة.

تلك الثقافات أصبحنا وللأسف نتأثر بها كبارا وصغارا بوعي وبغير وعي، لدرجة أنها أصبحت في بعض الأحيان تتداخل مع معتقداتنا المتوارثة بل وتطغى عليها. وأصبحنا في بعض الأحيان شبه ضائعين ومشوشين أمام المد الثقافي لا نعرف أي مد نتبع. وإلا فبماذا نفسر ظهور عصبة جديدة من الفتيات المواطنات اللواتي يلبسن بنطالا قصيرا يكشف عن شبر من الساقين تحت العباءة؟ وبماذا نفسر سؤال ابن لأمه عن كيفية نطق تسمية منطقة «أم الرمول» وهو يعرف نطق تسمية مدينة «أوهايو» الأميركية؟

لسنا ضد احتضان المدينة للجنسيات المتعددة، الآتية لجعل دبي مدينة تعج بالحياة، ولكن إن كنا فتحنا أبوابنا مشرعة لاستقبال الآخر في عقر دارنا فلابد لنا من اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية ثقافتنا وهويتنا الوطنية، وإلا فمصيرها سيكون الاندثار.

ذهبت منذ أيام إلى أحد المراكز التجارية لاستعادة هاتفي الذي ضاع مني خلال التسوق. ثم جلست على أحد المقاهي المتواجدة في المركز لتناول وجبة الفطور. وشعرت بغربة مقيتة. فلا مواطنون ولا مواطنات غيري. والكل من حولي في المقهى يتكلم بلغته الأم. وكادت الدنيا أن تضيق بي لولا جلوس إحدى النسوة ذات الملامح العربية إلى الطاولة التي بجانبي.

وبعد مضي بعض من الوقت بادرتها بالتحية ثم بالسؤال حول رأيها بتنوع الجنسيات في مدينة دبي. وفوجئت بعدم استطاعتها الكلام باللغة العربية بالرغم من كونها جزائرية الجنسية. واكتفت بالرد علي بلغة انجليزية مكسورة وبالكثير من الإيماءات الجسدية، فأصبحت الصورة لدي أحلك.

فهل سيأتي يوم يا ترى ينسى فيها المواطن الإماراتي لغته الأم كتلك المواطنة الجزائرية ؟ وهل سيطمس المد الثقافي بقايا هويتنا وثقافتنا؟ وكيف لا يحدث ذلك وأطفالنا يتحدثون اللغة «العربيزية»؟ إليكم ذلك الطفل الذي كانت أذنه تؤلمه، وذهب إلى أمه شاكيا يقول: «إيرزي تعورني»!

ربما نكون قد تساهلنا عندما لم نقم بتشريع ما من شأنه حماية ثوابتنا وهويتنا. ففي غضون عشر سنوات على أكثر تقدير سيظهر لدينا جيل من صنف الـ «عربيزي» مشوش التفكير لا يعرف إلى أين ينتمي. وبخاصة مع توجه الكثير من المواطنين للزواج من أجنبيات يلدن أطفالا لا يحسون بانتمائهم الحقيقي لأية دولة. وذلك ما يقلقنا ويحزننا.

ولن يتغير الوضع ما لم يستفق المواطنون على هبة شعبية لإنقاذ ما تبقى. نتمنى أن يضع المواطنون أيديهم بأيدي بعضهم ويستنهضوا هممهم لحل الأزمة قبل فوات الأوان، فلن يستطيع غيرهم مساعدتهم لو لم يقوموا هم بمساعدة أنفسهم. وإلا سنضطر في يوم ما من تأسيس جمعية للمواطنين الإماراتيين بعد أن يتمكن المد الثقافي من معظمهم.

laila_badri@yahoo.com