الترحال.. السفر.. المغامرة.. الكشف، يالغواية هذه المفردات، ياللسحر الذي تنطوي عليه، سواء كانت رحلتك في عمق صفحة بيضاء أو سطح قماشي أبيض. سواء كانت في مجاهل الروح أو معالم الأرض، في القرى الطاعنة برائحة الزيزفون، أو المدن الطاعنة برائحة الأسمنت، على ضفاف الأنهر العتيقة، أو عند أسوار البحيرات الاصطناعية والغابات الاصطناعية.
فالرحلة المتاحة في الكشف هي مواطئ للروح وسلالم معلقة في السماء ولطالما أحسب أن ثمة حنيناً يكبلك إلى بيتك الأول، إلى الصوت الأول الذي تلقنت على ندواته روح العبارة، والوجه الأول الذي قرأت في ملامحه سيرة الأرض المعجونة برائحة المطر والتراب ولطالما أحسب أنك لن تجتاز عتبة بيتك مهما نأت بك الدنيا وجرت خطاك الدروب، فأنت العابر الذي لا تغفو إلا على وسادتك القديمة ولا تصحو إلا على شمسك القديمة، ولا تستنشق إلا هواءك القديم.. إنها حكاية الكائن حين يتآكله الحنين. والفنان التشكيلي ياسر الصافي.. هو رحالة في فضاء اللوحة، قادته إلى العديد من المدن ليعرض أعماله ويطرح غلاله مختبئاً خلف نظارته الطبية السميكة بضحكته الساخرة وتكويناته المقلوبة وبالأشخاص المتشظية في مساحات لوحاته المشبعة بالمرارة اللاذعة.
رحلات قصيرة وأحلام كبيرة: في مدينة نائية في شمال سوريا، بدأ رحلاته الصغيرة إلى القرى المجاورة للبحث عن ملاعب جديدة وأصدقاء جدد تعبيراً عن شغف تملكه للهرب من إسار الحارة وللتعرف على أماكن مختلفة. ومن تلك المدينة جاء إلى دمشق يتأبط حقيبته الموصدة على الخجل ورهبة القروي البسيط أمام زحام العاصمة وتعقيدها يقول: بأدوات بسيطة وأحلام بسيطة جئت لمواجهة مدينة في غاية التعقيد وفي منعطف حياتي كبير عليك أن تثبت نفسك وأن تقول ما يمكن قوله، وبالنسبة لنا أبناء المدن المنسية، مدن الأطراف لم نكن نذهب إلى العاصمة إلا مرضى، وحتى تلك الحالات كانت الزيارة بالنسبة لنا جميلة ومغرية وكأنها رحلة سندبادية كاملة. أما الإقامة لأجل الدراسة تعني أن أمامك سنوات تكتشف بها نفسك والعالم الذي يحيط بك خصوصاً وأنك تحمل معك خيباتك وأحزانك وخجلك والطريف في الأمر أن ثمة اعتقادا في مدينتي أن من يغادر إلى العاصمة للدراسة فهو لا يغادرها إلا لدراسة الطب أو الصيدلة. يضحك بشدة ثم يتابع، وحتى الآن عمتي تحسبني طبيباً لأني درست في العاصمة ولا سبيل إلى إقناعها بأني درست الفن هناك. ودمشق مدينة تسكنك أكثر مما تسكنها بزحامها وسخامها وبرائحة ياسمينها والحياة الحقيقية التي فيها.
بيروت.. الجرح: بيروت، عمان، بروكسل، باريس، القاهرة بعض المدن التي زارها الصافي والتي تلمس في كل مدينة نكهتها الخاصة وجرحها الخاص. وعن بيروت يقول: ما استوقفني في بيروت هو النزيف المطبوع في الذاكرة، مع وجود زاد الحرية، فبيروت حين تستقبلك، تستقبلك بجراحها، بمعالم الحرب الباقية، وهذا ما جعلني لا أرى سوى الرصاصة أول الأمر، والجدران المخرمة. وفي زيارة أخرى إلى إهدن وهي أعلى مرتفعات في لبنان أثناء وجودي في ملتقى مشترك للفنانين، كانت تجربة ساحرة فهناك يمر الغيم بينك وبين اللوحة وأنت ترسم فكنا نقشر الغيم ونرسم ودوننا إطلالة أخاذة على البيوت والغابات التي نراها من الأعلى.
بروكسيل .. الضوء المتواري
وعن زيارته إلى بروكسيل التي يعتبرها مفصلاً في قراءته للأشياء يقول: في بروكسيل تعود طفلاً بأبجدية جديدة عليك أن تتعلمها، في الشارع.. في وجوه المارة في الصوت والضوء والرائحة. فبروكسل مدينة تشم فيها الريف والحضارة.. والضوء هناك خجول غير الضوء الذي تعرفه، وهذا يضعك بموقع مختلف بطريقة رؤيتك للأشياء، وذلك الضوء هو أكثر ما يميزها إنه عميق ومتوار ترى جمال المدينة من خلاله غامضاً وساحراً وتلمح ذلك بدءاً من الرصيف وحتى أعلى غيمة في الأفق، فتصاب بالدوار وتنفتح عليك أسئلة كبيرة لها علاقة بمفهومك للجمال.
ومناخ المدينة خليط بين الحداثة والبساطة وبالتالي تصادف أناساً تتعامل معهم بأريحية وتجد لديهم النبل والطيبة، وهناك قدسية في حضور التاريخ الجمالي لديهم وجوهر هذا التاريخ حاضر في كل المفردات المكونة للمدينة.
باريس... الحلم
وبين بروكسيل وباريس تتسع تلك الصدمة، فباريس مدينة لها رهبة تكونت أثناء اطلاعك على ما حفلت به من رموز فنية وتيارات أثرت على العالم برمته.. وهكذا تزور باريس كحاكم بالدرجة الأولى والجمال يصبح مضاعفاً.. وبالنسبة لي كفنان كان تعرفي على الفن الكلاسيكي عن قرب ومن خلال متاحفها وصالاتها، وهذا مفصل مهم من الناحية الفنية.. أن أتعرف على عظمة الكلاسيك وروعته وعلى فنون عصر النهضة وفنون الحداثة والتي لم تكن قد اطلعنا عليها إلا من خلال الكتب. نعم لقد كانت جولة في المتاحف والمقاهي وفي الساحات العريقة وأنت تمر بالوجوه الغريبة بسماتهم وجنسياتهم المختلفة.
ومن باريس ينتقل الصافي في حديثه إلى عماّن يقول عماّن مدينة أحببتها منذ زيارتي الأولى وقد زرتها لأكثر من مرة خلال إقامتي معارض هناك.. وأكثر ما أثارني في عمان هي عمارتها.. حيث للعمارة الحضور الأقوى والقيمة الأجل ولها سطوة أكثر من الإنسان، فالتكوين المديني والجبال التي تشعر بها أثناء تنقلك من حي إلى حي صعوداً هبوطاً والمسحة الرومانية الموجودة هناك.
القاهرة.. الدهشة
في مصر لم تفارقه الدهشة وهو يستعيد دوار الحياة وتحيط به الطرافة في كل مكان في المقهى والمطعم، في الشارع وداخل الغرف.. لكن ما أثاره وأدهشه بشكل كبير وساحق هو النحت.. يقول الإرث النحتي الفرعوني القديم، إرث مذهل وعظيم، وأحمد ربي بأني لست نحاتاً مصرياً وإلا لتوقفت عن النحت منذ زمن طويل، فما الذي يمكن أن يصنعه النحات وهو محاط بأجمل ما أبدع الإنسان في هذا المجال وأكثره عظمة وقوة وخصوصاً أن النحت شامل لكل المفاهيم والخبرات الفنية. وفي القاهرة تشعر أنك ضمن كرنفال واحتفالية كبرى من الطرافة وخفة الدم حتى أني اقتنعت بأن عادل إمام لم يقدم أي شيء على الإطلاق سوى انه كان مصرياً بامتياز.
والجميل في الأمر أنك في القاهرة تجد كل التراث المعماري لمختلف الحقب منذ التاريخ القديم مروراً بتاريخ العمارة الإسلامية وحتى الآن.. وباختصار القاهرة مدينة ساحرة فيها كل المتناقضات والأعراق والإثنيات وضمن نسيج متجانس.. وفي النهاية (كله مصري) وهذه من إيجابيات مصر. وبين المدن المتنافرة والقارات المختلفة وبين نهر النيل والمتوسط وضفاف الفرات.. بين بردى واللوفر.. بين تلك الرحلات كلها، ثمة قاسم مشترك يربط بينها يتطرق إليه الصافي وهذا القاسم هون الفندق،
يقول: في الفنادق تراقب نفسك كنزيل وأنت تنظر إلى مكان ليس لك. مكان عابر، سرير عابر، أدوات عابرة وأنت تجد ذاتك ضيفا عابرا وتتأمل بصمت الخيط الإنساني الذي يجمعك مع أناس عابرين. كما أن لكل فندق طبيعة وصفة معينة تبعث لديك مواقف مختلفة مما يحيط بك. إنه عالم بحد ذاته.
إسماعيل الرفاعي



