أن تكون شغوفاً بما تصنع، متماهياً معه وغائباً أن تكون متابعاً متتبعاً سائلاً ومنصتاً في كل تفاصيل ما يمت بصلة لعملك اليومي، حين يتعشق مع ميولك ويخرج من حرصك على تقديم أفضل ما يمكن ان تقوم به، وحين تتحول أيامك إلى خبرة «دائمة تضيفها إلى رصيدك، وتتحول هواجسك إلى أجندة قيد التحقق، وأعمالك إلى مشاريع حققت ريادتها وتميزها على مستوى الخليج العربي، وأن تكون كل ذلك.. يعني ان تكون مشاركاً، مشرفاً، منفذاً ومبادراً في دائرة عملك الآخذة بالاتساع يوماً إثر يوم.
وهشام المظلوم أحد أولئك الذين أوقفوا حياتهم للدفع بعجلة التشكيل والتظاهرات الإبداعية الكبيرة إلى الأمام عبر عمله مديراً لإدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، وبما ينسجم مع ميوله وقناعاته في الأهمية القصوى التي تحتلها الفنون، وفي الضرورة إلى تحويل العملية الإبداعية إلى فعل يومي خارج مفاهيم التظاهرات الموسمية والفعاليات المناسباتية. ولمعرفة بعض مكوناته الشخصية والاطلاع على البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ عليها، كان لنا معه هذا الحوار والذي جرى على المقاعد الخشبية لبيت الشامسي وفي قلب المنطقة التي ولد فيها.
ولا مناص عن حديث الطفولة وسيرة الصبا، حين يكون الحديث عن الذات والذي ابتدأه المظلوم ببيت السركال مسقط رأسه. يقول: ولدت في حي الشويهين في بيت السركال الذي كان مستشفى أميركيا في الستينيات، وعشت طفولتي في المنطقة ذاتها.. هناك على ضفاف البحر حيث تمرغنا برماله وتندينا بمياهه مع مجموعة من الصبية وحيث كنا نمارس ألعاب الطفولة وشقاوتها، وعشت مرحلة المصياف في النباعة، فكنا ننتقل للسكن هناك في بيوت الجريد، هرباً من حر الصيف القائظ ونعود شتاء إلى سكننا في حي الشويهين، وكسائر البشر لم يكن ما يذكر في مرحلة الطفولة سوى أحاديث اللعب ولمة العائلة وحكايات الجارات والخراريف.
الافتتان بالنموذج الكوري: ويرى المظلوم أن المرحلة الأهم في حياته كانت في فترة السبعينات، حيث اتجه إلى الرياضة ودخل في مجالها بعد أن اتضحت مهاراته في لعب تنس الطاولة، يقول: كنت في نادي الخليج العربي، وإذا كانت الطفولة في وسط الحارة فإن المرحلة الثانية من حياتي كانت في النادي، ففي الصباح كنت أقضي وقتي في المدرسة، ومساءً في النادي. وهكذا حتى مرحلة الدراسة الجامعية، فمنذ عام 1973 وحتى عام 1986 كنت لاعبا أساسيا بالمنتخب وكان معي عيسى المطوّع، جمال المدفع حاجي الهاجري، حسن الهاجري، أحمد سيف الناصري، سيف الشاعر إبراهيم العسم، عارف الزرعوني وغيرهم من لاعبي المنتخب والذين كانوا يتمتعون بمهارات عالية وحالة حميمية تجمعهم تحت سقف النادي الذي حقق بطولات كثيرة في تلك الفترة.
ويعتبر المظلوم أن النقلة النوعية في حياته، حدثت له إبان زيارته إلى كوريا الجنوبية في دورة تدريبية للفريق، وكانت هي المرة الأولى التي يسافر فيها، هناك استوقفه نموذج الإنسان الكوري وأثرّ فيه تأثيراً عميقاً وانعكست في ما بعد على حياته وأسلوبيتّه في العمل، يقول: الكوري إنسان دقيق ومنظم جداً وهو يتمتع بانتماء كبير للمؤسسة التي يعمل بها، فالمؤسسة هي العائلة، التي يعمل من خلالها وينتج لها ويشعر أن حياته بكليتها مرتبطة بها.
إلى جانب ذلك فالكوري يتمتع بإنتاجية عالية ولافتة وآلية منظمة في الإدارة وكل الناس هناك هم جزء من هذا النظام وتلك الآلية، لذلك تشعر بالانسجام والتناسق في العمل وبالتالي تتحقق إنتاجية عالية تشكل بذاتها حافزاً للعمل، وأضاف: ان هذا الدرس وما شاهده هناك ظلّ راسخاً في ذهنه وظلّ مثالاً يحاول تطبيقه والاقتداء به، وخصوصاً وأن ميوله وطبيعته تتفق مع تلك الآلية المجدية والتي سعى إلى تكريسها في محيط عمله منذ تخرّجه من الجامعة وحتى الآن.
وكان المظلوم قد حصل على درجة البكالوريوس من جامعة العين تخصص (اتصال بصري)، وبرز في تصميم العديد من الشعارات الفنية التي اتسمت بدقة التصميم ورهافته، فقد صمم شعار تلفزيون الشارقة ومعظم الأندية الرياضية، وشعار الدورة الآسيوية للشباب في كرة القدم 1992، وشعار دورة المسابقة البحرية العالمية، وشعار الدورة الآسيوية (11) لكرة القدم، وقد فاز بالشعار من خلال مسابقة محلية وعالمية، كما صمم طابع بريد لدولة الإمارات والعديد من الملصقات لمناسبات ثقافية ومحلية مختلفة.
في ميدان الإدارة
ويعتبر المظلوم أن نتاجه الفني على مستوى التصميم الغرافيكي قد يتراجع أحياناً لصالح العمل الإداري الذي أكسبه المظلوم الصفة الإبداعية، فهو يرى أن آلية العمل التي اتبعها في إدارة الفنون تعتمد بشكل أساسي على الذهنية الإبداعية والمنفتحة التي استطاعت أن ترسم تصوراً وتضع استراتيجية متناغمة مع أهمية الفنون ومع الجذر الثقافي الذي تحاول الشارقة أن تؤسس له في ظل حاكم مثقف جعل من الشارقة خياراً ثقافياً وإبداعياً، من هنا ثمة وقت يستطيع المظلوم أن يسرق نفسه من العمل إلى تصاميمه وتخطيطاته الإبداعية الخاصة.
وعن عمله يقول: لقد توظفت في اليوم التالي لتخرجي وكان عملي يتطلب مني التواجد صباحا ومساء ولم يكن ثمة وقت فراغ واعطيت نفسي كلها لأجواء العمل وكيفية تطويره فتأسست في داخلي حالة من الاندفاع وتبلورت خبراتي على امتداد العقد الأول في رحاب دائرة الثقافة والإعلام حيث كانت المرحلة ما بين 1985 ـ 1995 هي مرحلة تأسيس وتكليف ومتابعة بالتكليف وثقة من الحاكم.
تلك المرحلة التي كنت اداوم فيها في مقر الدائرة نفسها الى حين تكون إدارة مستقلة للفنون تشرفت بإدارتها والإشراف عليها وكانت مرحلة انطلاق وتأكيد على الهموم الفنية والثقافية وترسيخ للشخصية واثباتها والعمل على تحقيق إنتاجية نوعية وكمية وبدأت ادواتنا العملية تتطور واستطعنا ان نمد جسوراً مع العالم وان نقيم المشاريع التبادلية ونعمق صلاتنا بالمحافل والمؤسسات الفنية والثقافية، وقد كنت في غمار ذلك كله في قلب الميدان، فانا في طبيعتي أمزج التنفيذي مع الإداري فلا استطيع ان أكون اداريا بحتا وانما كنت أساهم بشكل مباشر في الانتاج والتأكد من سير الأمور.
لقد كان حجم المسؤولية كبيرا وهنالك اكثر من 20 مرفقا تابعا لإدارة الفنون واجندتنا حافلة بالبرامج والمشاريع لا تتوقف من معارض دولية ومحلية ومن ندوات وملتقيات الى التظاهرات الكبرى التي بدأنا ننفرد بنوعيتها على مستوى الوطن العربي وتأخذ حيزاً على مستوى العالم كبينالي الشارقة للفنون الذي كان ولايزال من أهم المحافل الفنية التي تعرف بالفنون البصرية بدءا من الفنون التقليدية المعروفة وانتهاء بآخر فنون ما بعد الحداثة وأحدث التجارب الفنية التي تنجح على هذا المستوى ومن مختلف انحاء العالم الى جانب ملتقى الشارقة لفن الخط العربي والعديد من الانشطة الاخرى.
انشطة وطاقة متأججة وطموح لايتوقف وتوق للارتقاء بالفنون وتوق لانجاز اعمال غرافيكية خاصة كل هذا يعتمل في شخصية هشام المظلوم رغم الهدوء البادي عليه وشخصيته التي تتسم بالسكينة والمرح ولعل المظلوم يعزي هذه الميول وتبلورها باتجاه البحث عن الانتاجية والفعل قد تأتي من الطريقة التي تربى عليها ووجود والده الذي كان يملك ذهنية منفتحة يقول:
كان والدي يعمل في المطار مع الانجليز وكان يتمتع بشخصية مرنة ومتفهمة شخصيتنا بشكل حر وصحيح اما العناصر الاخرى في تأسيس بنيتنا الثقافية هي تكون الثقافة المحلية ضمن الحراك القومي والعربي الذي انتج بدوره هوية عربية خاصة وقد تواشج ذلك مع بداية الاتحاد والتعليم النظامي والثورة النفطية والمعمارية وتوجهات عليا لديها قناعة كاملة بالانسان والثقافة مما أسهم في بناء هويتنا وطموحتنا وقناعاتنا في ضرورة المشاركة بهذه النهضة الثقافية الكبيرة وكان ان شاركت في اول بينالي واول تظاهرة للخط العربي ونحاول بشكل دائم ان نضيف قدر ما نستطيع الى تربة بلدنا الخصبة التي حفلت بالعديد من المواهب والقدرات على مختلف المستويات.
اصوات اخرى مهمة رافقت المظلوم مسيرته او اطلعت على اسهاماته وشهادات يقدمها بعض الاصدقاء الذين تقاسموا هموم الثقافة والابداع.
فنان متشبع
محمد المر الذي اطلع على تجربة المظلوم في الميدان العملي والغرافيكي يقول: استطاع الفنان المبدع هشام المظلوم أن يتفوق بشكل بارز في مجال تصميم العديد من الشعارات المختلفة للمؤسسات والأندية والدورات والمنافسات الرياضية وفي مجال تصميم الطوابع البريدية والأنشطة الثقافية وأغلفة الكتب ويستطيع المتابع لإنجازه في هذا المجال أن يلاحظ عدة أمور، منها تشبع الفنان في جوانبه التجريدية وموتيفاته الهندسية والنباتية والخطية والحروفية الفنية والعالمية المعاصرة التي كسرت الكثير من القواعد الفنية القديمة وأعطت للتجريب مساحة كبرى في خلق عوالم جديدة.
تجربة الفنان هشام المظلوم تستحق التقدير والإشادة لأنها تجربة رائدة في مجال فني بكر في المساحة المحلية العربية وهي تجربة لم تزدها الأيام إلا رسوخاً وثقة وتمكناً وإبداعاً يتواصل باستمرار ليغني الساحة الفنية المحلية.
ركن ركين
يقول محمد عبدالله العلي دالاً ومعبراً عن الصداقة العميقة التي ربطتهما والعمل الثقافي الذي جمعهما. هشام المظلوم زميل سابق في العمل وصديق دائم في الحياة، وقد يستغرب الإنسان من نجومية هذا الفنان الأصيل على الرغم من الانطباع الغالب عليه هو الهدوء والصمت في أغلب الأحيان، ورغم ذلك الهدوء إلا أنه يمثل عالماً يضج بالحركة والعطاء، واكتساب العديد من الأصدقاء، فقد استطاع أن يغزو قلوب من عرفوه ويستحوذ على حبهم وتقديرهم فهو يمتاز بالتواضع والسماحة وسرعة البديهة والروح الفكهة وحب الناس والحياة.
أما على صعيد العمل الإداري المشترك فلفرط ثقته بشخصي المتواضع كان لا يتردد من أن يعرض عليّ فكرة أي مشروع يريد أن يتبناه أو يحققه، وكنا نتحاور معاً لساعات وأحياناً لأيام. أن تتحدث عن هشام المظلوم، فإنك تتحدث بالضرورة عن ركن ركين في بناء حركتنا التشكيلية فناً وإبداعاً وإدارة وتنظيماً وتخطيطاً، ولا يكتمل الحديث عن مسيرة الحركة التشكيلية بالدولة، إلا بذكر الفنان هشام المظلوم والذي لم يزده الزمن والمناصب والمسؤوليات التي تولاها إلا تواضعاً وسعياً نحو المزيد من الإبداع والتألق.
متعدد المواهب
وذكر الدكتور يوسف عيدابي في سياق حديثه عن المظلوم والعلاقة الثقافية والإنسانية التي جمعتهما أنها كانت مسيرة لأكثر من عقدين من الزمان، كسبنا فيها أخاً وصديقاً وإدارياً ناجحاً وفناناً ومصمماً حصد العديد من الجوائز، هشام منذ صغره متعدد المواهب من الرياضة إلى الفن إلى الثقافة، ولا يزال في تواضعه يتوق إلى المجال، وهذا الشغف هو الذي جعله دائم التطلع إلى خدمة الثقافة والفنون في الشارقة بل وفي الإمارات.. وكما يقولون شهادتي فيه مجروحة ولهذا أتمنى عليه أن يجد الوقت الكافي للتشكيل والتصميم الفني حتى نكسب الفنان الذي حاول أن يخفيه.
ابن بلد أصيل
محمد الجوكر في شهادته عن المظلوم يقول: تربطني بابن الإمارات الأصيل هشام المظلوم علاقة لا تنتمي إلى تصنيف العلاقة العابرة التي سرعان ما يطويها النسيان ويمحوها الزمن، فأنا أعرفه منذ كان عضواً بالمنتخب الوطني لكرة الطاولة في العام 1980 وفريقي الشارقة ومن ثم النصر في السبعينات.
وعلى مدى العشرين سنة الماضية وسبب المعرفة الدقيقة بالمظلوم فإني لا أستغرب أبداً أن ينجح ويتميز وبدرجة واضحة في مجالات حياتية أخرى تتوزع بين الإدارة والثقافة والفن والغرافيك وغيرها، ولذلك أشعر بسعادة غامرة بنجاح ابن من أبناء الإمارات النجباء وصديق عزيز أعتز كثيراً بعلاقتي معه، فله مني كل الدعوات الصادقة والتوفيق والنجاح الدائم.
إسماعيل الرفاعي



